Navigation

الخوف من المافيا يدفع مكتب المدعي العام الفدرالي إلى التحرك في تيتشينو

يريد ستيفان بلاتلر، المدعي العام الفدرالي الجديد وضع مكافحة نشاط عصابات المافيا في سويسرا على رأس أولوياته. © Keystone / Alessandro Della Valle

بعد سلسلة من الإخفاقات، يحجم المدعي العام الفدرالي عن التحقيق بشأن المافيا في سويسرا. ويقرع المقاولون في تيتشينو جرس الإنذار وينددون بسيطرة العصابات الإجرامية على الاقتصاد المحلي. ولكن هذا الخطر لا ينحصر في تيتشينو فقط، ثم إن مواجهته تتطلب استراتيجية جديدة، بحسب مراسلنا في لوغانو فيديريكو فرانشيني.

هذا المحتوى تم نشره يوم 10 يوليو 2022 - 09:00 يوليو,
فريديريكو فرانتشيني, غوثام سيتي*

"إن وجود المافيا، بمختلف أشكالها، في سويسرا أمر لا يمكن إنكاره. ولكن اليوم لم يعد بالإمكان الاكتفاء بملاحظة وجود تلك الظاهرة. ولم يعد كافياً تحليل حالات معينة. بل لابد من السعي الحثيث أيضاً في سبيل تحويل نتائج التحقيق إلى لوائح اتهام".

بهذه الكلمات، افتتح المدعي العام الجديد للكنفدرالية، ستيفان بلاتير، حلقة النقاش بشأن موضوع التسلل الإجرامي، التي عُقدت في مندريسيو في كانتون تيتشينو بتاريخ 19 مايو 2022 وحضرتها مجلة "غوثام سيتي" (Gotham City). ونظم الاجتماع فرع تيتشينو التابع للجمعية السويسرية للمقاولين وهي منظمة تضم أرباب العمل في مجال البناء والهندسة المدنية.

والخوف هو ما دفع المقاولين إلى تنظيم حلقة النقاش هذه. لا الخوف من المنظمات الإجرامية في حد ذاتها، بل من المنافسة الشرسة التي تمثلها الشركات المُخترَقة من قبل منظمات المافيا. بيد أن هذا الخطر لا ينحصر في تيتشينو فقط. لذا حاولنا وضع هذه الإشكالية في سياقها.

توضح المحامية روزا كابا، التي تعمل في مكتب المحاماه Gaggini & Partners الكائن في لوغانو، أن وجود الجريمة المنظمة الإيطالية في سويسرا قد تغير في السنوات الأخيرة. إذ تقول: "إن المنظمات الإجرامية لم تعد تكتفي بامتلاك حسابات مصرفية في الكنفدرالية فحسب بل باتت تغسل رؤوس أموالها غير المشروعة وتستثمرها في أنشطة اقتصادية مثل البناء أو المطاعم مما يولد منافسة غير نزيهة مع الشركات المحلية".

وعملت روزا كابا لسنوات من عام 2003 إلى عام 2015 في مكتب المدعي العام الفدرالي، حيث كانت مسؤولة عن التحقيق في الجريمة المنظمة في إيطاليا. وقررت مؤخراً أن تعرب عن قلقها علناً بغرض توعية الجمهور بذلك.

وشرحت قائلة: "في السنوات الاخيرة، أبدى مكتب المدعي العام الفدرالي القليل من التجاوب في التحقيقات التي أجراها إضافة إلى أنه تصرف استناداً إلى الإنابات القضائية الإيطالية بصورة شبه حصرية. وفي عهد لوبر، لم يكن موضوع تسلل المافيا إلى الاقتصاد السويسري موضوعاً أولوياً على الإطلاق، وهذا يدل على أن المسؤولين عن هذا الملف في مكتب المدعي العام الفدرالي كانوا يقيمون في برن، بعيداً عن الواقع الذي يُفترض بهم أن يراقبوه".

وقد أعرب خلفه، ستيفان بلاتر، عن اعتزامه وضع الموضوع على رأس جدول أعماله. وزار إيطاليا في أول رحلة خارجية له بغية تنسيق هذا النوع من التحقيقات مع زملائه الإيطاليين.

ووفقاً لمعلوماتنا، عُيّن قاض جديد في برن لمساندة الفريق المؤلف حتى الآن من المدعي العام سيرجيو ماستروياني ونائب المدعي العام رافاييل كاتشيزي.

هل سويسرا ملاذ آمن لأعضاء عصابات المافيا؟

إن هذا الوضع لا يتعلق بتيتشينو فقط. بل على العكس من ذلك. إذ تشير البيانات التي نشرها مكتب الشرطة الفدرالي إلى وجود منظمات إجرامية إيطالية في 18 كانتوناً من الكانتونات السويسرية. ووفقا لسيرجيو ماستروياني، أضحت الألمانية السويسرية اللغة الأولى لعصابة "ندرانغيتا" في سويسرا.

وركزت الشرطة الفدرالية في جزء كبير من تقريرها لعام 2021 على وجود هذه المنظمات في الكنفدرالية. وذلك لأن هذا الموضوع عاد ليتصدر مواضيع الساعة مرات عدة في ضوء التحقيقات العديدة التي تطرقت إلى سويسرا بين عامي 2020 و 2021.

وتلك الأحداث لم تؤكد تمركز جماعات المافيا في عدة كانتونات وفي قطاعات اقتصادية مثل المطاعم والبناء والعقارات فحسب، بل أثبتت أيضاً أن سويسرا أصبحت ملاذاً آمناً لأعضاء المافيا.

وهذا ما أكدته أليساندرا دولتشي، رئيسة وحدة مكافحة المافيا في ميلانو. فقد ذكرت أن العديد من المتهمين ألمحوا إليها بأنهم كانوا يشعرون بقدر أكبر من الأمان في الكنفدرالية مقارنة بإيطاليا. وأوجزت قائلة: "يعزى ذلك إلى أن القانون السويسري لا يحتوي على مادة تعادل المادة 416 مكرراً، الموجودة في قانوننا".

إذ تُعرّف تلك المادة جريمة تكوين تنظيم إجرامي على شاكلة المافيا في قانون العقوبات الإيطالي. وفي سويسرا، فإن "المشاركة" أو "تقديم الدعم لمنظمة إجرامية" يُعاقب عليها بالفعل بموجب المادة 260 مكرراً ثانياً من قانون العقوبات، ولكن على الرغم من التشديد الذي طرأ على هذه المادة مؤخراً، فإن التدابير الوقائية والعقابية الجائز اتخاذها بموجب تلك المادة لا تقارن بالتدابير الوقائية والقمعية المتخذة في إيطاليا.

صدور القليل من لوائح الاتهام

إن عدد لوائح الاتهام التي عُرضت على المحاكم في السنوات الأخيرة بشأن هذا النوع من الجرائم (في سياق منظمات المافيا) ضئيل.

وتكاد قضية فرانكو لونغو هي القضية الأكثر أهمية التي أُحيلت أمام المحكمة الجنائية الفدرالية في بيلينزونا. فقد استقر هذا الرجل، الذي أطلق عليه اسم "مصرفي عصابة ندرانغيتا"، في تيتشينو وفتح فيها عدة شركات نشطة في قطاع البناء. وتولى غسيل أموال الأخوين مارتينو الخطيرين، وهما الشخصيتان الرئيسيتان في منطقة لومبارديا التابعان لعصابة كالابريا ذات السطوة القوية والتي تُسمى "ليبري دي ستيفانو تيغانو".

وقرر فرانكو لونغو التعاون مع السلطات في سويسرا، والاعتراف بالتهم الموجهة إليه والمثول أمام المحكمة الجنائية الفدرالية كي يتفادى تسليمه إلى إيطاليا. بيد أن القضاة رفضوا إجراء المحاكمة في عام 2015 عن طريق الإجراءات المستعجلة حسب الاتفاق المبرم فيما بين لونغو والمدعية العامة دُنيا ريزونيكو.

وبعد عامين، مَثَل فرانكو لونغو مجدداً أمام المحكمة مع شريكه في التهمة أوليفر كامبونوفو، وهو عضو سابق في الحزب الليبرالي الراديكالي ولديه مكتب ائتماني في تيتشينو. وحُكم على الإيطالي بالسجن لمدة خمس سنوات ونصف لمشاركته في منظمة إجرامية وضلوعه في غسيل الأموال. أما شريكه في التهمة، فقد حُكم عليه بالسجن لمدة ثلاث سنوات مع وقف التنفيذ جزئياً لضلوعه الشديد في غسيل الأموال.

غسيل أموال لكن عن غير قصد

هل أُغلق ملف القضية؟ لا، على الإطلاق. فقد وافقت المحكمة الفدرالية مؤخراً على طلب الاستئناف الذي قدمه أوليفر كامبونوفو وأحالت القضية إلى محكمة بيلينزونا لإعادة محاكمته لا بسبب غسيل الأموال الشديد، بل بسبب "عدم اليقظة في مجال المعاملات المالية" (انظر أيضاً: أموال ندرانغيتا: المحكمة الفدرالية تنقذ ائتماني أصله من تيتشينو).

ووفقاً لقضاة المحكمة الفدرالية، فإن الأموال المعنية كانت بالفعل ذات مصدر غير مشروع، ولكن لم تكن هناك عناصر تثبت أن الائتماني كان على علم بذلك. ومن ثم، تعذر إثبات النية.

وبالنسبة لروزا كابا، فإن هذه النتيجة القضائية "تبين الصعوبات التي ينطوي عليها هذا النوع من التحقيقات ويمكن أن يكون لها تأثير مُحبط على المحققين للأسف". وتذكّر المدعية العامة السابقة قائلة: "إن الحكم الصادر عن المحكمة الفدرالية أكد بكل الأحوال أن زبون الائتماني فرانكو لونغو، كان ينتمي إلى عصابة "ندرانغيتا" وأنه كان يعمل في تيتشينو لحساب مجموعات أفراد تلك العصابة".

وتوجد قضية أخرى أسفرت عن إدانة مواطن إيطالي يعيش في كانتون برن ويلقب باسم كوزيمو السويسري. وهنا أيضاً، خضعت القضية لمداولات مطولة بين المحكمة الفدرالية ومحكمة بيلينزونا.

وفي نهاية عام 2021، خفّضت محكمة الاستئناف التابعة للمحكمة الجنائية الفدرالية في نهاية المطاف عقوبته بسبب "انتهاك مبدأ الاستعجال" على وجه الخصوص. وفي ذلك الحكم الصادر، يذكّر قضاة محكمة بيلينزونا أن الرجل شارك في أنشطة فرع ميلانو لعصابة "ندرانغيتا" بين عامي 2003 و2011.

تسليم المجرمين أم ملاحقتهم قضائياً؟

تبين تلك الأمثلة أن هذه القضايا معقدة لا من حيث التحقيق فحسب بل أيضاً من حيث القانون. ولهذا السبب، لطالما فضلت سويسرا تسليم الأفراد المشتبه في تورطهم في المافيا إلى إيطاليا.

وهذا ما حدث في قضية جماعة فراونفلد، وهي أول خلية في عصابة "ندرانغيتا" يُعترف بها في سويسرا. وكانت تلك الخلية نشطة في سويسرا منذ عام 1970. وبعد أن ألقي القبض في إيطاليا على الزعيمين المزعومين للخلية السويسرية، أنطونيو نيسكي ورافاييل ألبانيز، نُشر شريط فيديو للقاءاتهما.

وواجهت حينئذ الكنفدرالية معضلة كبيرة: فما العمل مع أعضاء الخلية الآخرين الموجودين في سويسرا؟ فمنذ عام 2009، كان هؤلاء الأفراد الذين يُزعم أنهم ينتمون إلى خلية فراونفلد خاضعين للتحقيق من قبل مكتب المدعي العام الفدرالي. بيد أن هيئة الادعاء السويسرية خشيت من تعرضها لفشل جديد بعد قضية "كواتور" وهي تحقيق سابق أجرته بشأن عصابة "ندرانغيتا" في إطار تلك القضية، لكنه فشل بسبب وقوع أخطاء في التحقيقات والإجراءات.

ونتيجة لذلك، اختارت برن الاستراتيجية الأقل خطورة. وألقت القبض على المشتبه بهم في خلية فراونفيلد وسلمتهم إلى إيطاليا. لكن المشكلة هي أن هؤلاء المتهمين بُرئوا عند الاستئناف في إيطاليا، وذلك تحديداً لأنه لم يكن من الممكن إثبات أنهم ارتكبوا أفعالاً بصفتهم أفراد عصابات في سويسرا.

وعند صدور الحكم بالبراءة، صرّح أنطونيو نيكاسو الأستاذ الجامعي في كندا ومؤلف عشرات الكتب عن عصابة "ندرانغيتا"، إضافة إلى أنه أفضل المتخصصين في العالم في هذه المنظمة الإجرامية القوية، قائلاً: "إن فكرة الرجوع إلى إيطاليا، على الرغم من أن الجريمة ارتكبت في سويسرا مثلما حدث في هذه الحالة، هي فكرة خاطئة". وأضاف: "لقد آن الأوان لأن تبدأ الكنفدرالية في تحمل مسؤولياتها وأن تتصدى لتلك المشكلة. لأنه إذا كان هؤلاء الأشخاص يأتون إلى سويسرا، فلا بد من وجود سبب وراء ذلك".

مسألة اختصاص

تقول المدعية العامة السابقة روزا كابا: "إنه من الضروري أن تكون التحقيقات موجهة نحو الأنشطة الأكثر حساسية، مثل المخالفات في إجراءات المشتريات الحكومية وجرائم الإفلاس وانتهاكات الأنظمة المتعلقة بحماية العمال والضمان الاجتماعي". وأضافت: "يمكن لتلك العناصر أن تكشف عن وجود منظمة إجرامية، ولكن سلطات الملاحقة الجنائية لا تلاحظ دائماً وجود هذا الرابط".

وورشة بناء "ألبترانزيت" (Alptransit) هي من الأمثلة التي يمكن سوقها. فقد فتح مكتب المدعي العام في تيتشينو تحقيقاً بشأن الشركة الإيطالية "جنرال كوستروزيوني فيروفياري" (Generali Costruzioni Ferroviarie) العاملة في مجال تركيب معدات السكك الحديدية، وذلك عقب تقديم شكاوى من بعض العمال عليها وعقب تحقيق أجرته عنها القناة السويسرية الناطقة بالإيطالية.

وفي إطار اتحاد تلك الشركة مع شركات أخرى، فازت الشركة الإيطالية بهذه الصفقة الحكومية الهامة من خلال عرض قدمته يقل بنسبة 30% عن باقي العروض المقدمة من الشركات التي وصلت إلى التصفيات النهائية. ومارست الشركة انتهاكات لحقوق العمال في موقع البناء إضافة إلى وجود فجوة في مساهمات الضمان الاجتماعي قدرت بحوالي ثلاثة ملايين فرنك سويسري.

ولكن التحقيق الذي أجرته هيئة الادعاء العام في تيتشينو كان مشوباً بأوجه القصور، وذلك على النحو المبين في تحقيق آخر أجرته القناة السويسرية الناطقة بالإيطالية. وفي ظل غياب الاختصاص في هذا الملف، المرتبط مع ذلك بأحد أكبر مواقع البناء في سويسرا، لم يكن بوسع مكتب المدعي العام الفدرالي فعل أي شيء.

ومما يدعو للسخرية أن تلك الشركة الإيطالية كانت مؤخراً خاضعة لتحقيق أجري في إيطاليا، تحديداً لأنها أعطت الأفضلية لجماعات المافيا في العقود الكبرى للسكك الحديدية.

وفي الوقت نفسه، فإن مكتب المدعي العام الفدرالي، المكلف نظرياً بمكافحة الجريمة العابرة للحدود الوطنية، مثقل الكاهل بسلسلة كبيرة من الجرائم الصغيرة. فعلى مكتب المدعي العام الفدرالي أن يعالج عشرات القضايا كل شهر من قبيل تزوير العملة، وتحطم طائرات الهليكوبتر، والعنف ضد مفتشي تذاكر القطارات، وانتهاكات قانون كوفيد-19 في الآونة الأخيرة. وتقع هذه الجرائم ضمن اختصاص القضاء الفدرالي ولكنها تفضي في معظمها إلى عقوبات مخففة جداً.

ونتيجة لذلك، فإن المدعين العامين الفدراليين مثقلون بأعباء ملفات أقل أهمية في حين أنهم غير قادرين على التحقيق في تأثير المافيا على أكبر موقع بناء في سويسرا. ولربما ينبغي إحداث تغيير ما في هذا الشأن أيضاً.

غوثام سيتي*

تأسست "غوثام سيتي التي هي عبارة عن نشرة اخبارية للرقابة القضائية المتخصصة في الجرائم الاقتصادية على يد الصحفيْين ماري موريس وفرانسوا بيليت.

تبلّغ هذه البوابة الإعلامية الاستقصائية كل أسبوع مشتركيها بحالات الاحتيال والفساد وغسيل الأموال المتصلة بالساحة المالية السويسرية، استنادا إلى ملفات المحاكم المتاحة للجمهور.

كل ثلاثة أشهر، تختار "غوثام سيتي" إحدى مقالاتها ، وتثريها المزيد من الاستقصاء والتمحيص، وتوفّرها مجانا لقراء SWI swissinfo.ch.

End of insertion
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟