Navigation

"إنه يشبه عمل المخبرين": هذه الباحثة الشابة تسعى لسبر أغوار الحياة

كارا ماغنابوسكو تأخذ معها إلى "مختبر "بيدريتو" عينة من الماء. swissinfo.ch / Michele Andina

كانت كارا ماغنابوسكو تتمنى أن تصبح لاعبة كرة قدم محترفة. لكن فضولها قد انتصر، حيث قررت أن تخوض مجال البحث العلمي. وحالياً تبحث هذه الأستاذة بالمعهد التقني الفدرالي العالي بزيورخ عن أصل الحياة ـ وهذا في الأعماق تحت سطح الأرض.

هذا المحتوى تم نشره يوم 21 أغسطس 2022 - 09:00 يوليو,

من يرتحل من ممر نوفينن الجبلي في كانتون فاليه نحو كانتون تيتشينو في جنوب سويسرا، فإنه سوف يمر بهذا المكان لا محالة. لكن مدخل الجبل لن يلفت نظر أحد بسهولة. أما اسمه فهو "فينسترا دي بيدريتو"رابط خارجي (أو نافذة دي بيدريتو).

جدير بالذكر أن هذا النفق حُفر داخل الصخور في بادئ الأمر، ليكون ممراً يسمح بالوصول إلى نفق فوركا الأساسي والذي يبلغ طوله 15،38 كم. حيث يسمح النفق الأساسي كذلك لانتقال السيارات من الشرق إلى الغرب. واليوم تسعى السيدة كارا ماغنابوسكورابط خارجي إلى سبر أغوار أصول الحياة في هذا العالم، تحت سطح الأرض. وهذا حرفياً.

 لأجل هذا الغرض، فإنها تسافر كل شهرين تقريباً إلى كانتون تيتشينو. وهناك تبدو عالمة الأحياء الجيولوجية ابنة الثالثة والثلاثين وكأنها تعمل في رصف الشوارع: إذ ترتدي بدلة عمل برتقالية مزودة بشرائط عاكسة، وخوذة حماية، وعدة إنقاذ ذاتي ـ وهي كمامة موصلة للأكسجين، تتصل بأنبوب ثقيل يعلق على الكتف.

<<رافقنا كارا ماغنابوسكو، داخل أعماق الأرض ومعامل المعهد التقني الفدرالي العالي بزيورخ.

بعدما تكون السيدة ماغنابوسكو قد سارت أفقياً لمسافة كيلومترين داخل الجبل ووصلت إلى "مختبر بيدريتو"، وهو مختبر تحت الأرض تابع للمعهد التقني الفدرالي العالي بزيورخ، حينها تستطيع في حالة الطوارئ إخراج نفسها من النفق بفضل هذا الجهاز.

ففي داخل النفق يصبح الطقس رطباً وبارداً. إذ أن جدرانه ليست مغطاة بأية طبقة عازلة. فالصخر الداكن يمثل السقف والجدران داخل جبل الغوتهارد الضخم، أما الأرضية فغير ممهدة. ولكن التهوية الجيدة تحول دون تكوُّن الرائحة العفنة، التي كان من المتوقع وجودها هنا. في يوم الاثنين ذاك، كانت الأمور هادئة داخل النفق، فقط على بعد في الخلفية كان هناك بعض من الوميض ـ إذ كان هناك فريق يقوم بعمل بعض اللحامات. ولكن هل يفترض وجود حياة هنا في الأعماق؟ إننا لا نرى سوى الماء والصخر.

يوجد "مختبر بيدريتو" على بعد كيلومترين داخل الصخرة، أما جبل بيزو روتوندو فيرتفع 1500 متراً فوق الممر. swissinfo.ch / Michele Andina

عينات من أعماق الأرض

تهبط ماغنابوسكو كيلومتراً ونصف تحت جبل غوتهارد لتتحرى أقدم الأدلة على وجود أنماط حيوية على كوكبنا. ولأجل هذا الغرض فهي لا تهبط فقط إلى أعمق أعماق الأرض، بل انها كثيراً ما تجلس لساعات طويلة في غرف مظلمة تحتوي على أجهزة ميكروسكوبية، أو تقوم بتحضير عينات في المختبر.

في البداية، تلف صنبور مياه تم تركيبه في موضع بعينه داخل النفق، إذ يوجد عرق مياه هناك ـ إنه الماء الذي تشبعت به الصخرة لعدة آلاف من السنين. تقوم بفصد بعض الماء لأخذ عينات منه. ثم تحك الصخر الرطب قليلاً بأنبوب بلاستيكي لجمع بعض الميكروبات.

"في هذه العينة يمكن أن توجد آلاف من الكائنات المجهرية، التي لم ترَ ضوء النهار أبداً"، على حد قولها. "إنها بيئة مبهرة"، ذلك لأن هذه الأنماط الحيوية التي تعود إلى العصور الأولى للأرض، محجوبة عن كل العمليات التي تدور فوق السطح. وهذا بالذات يجعلها هامة للبحث عن أصل الحياة في هذا العالم.

هنا يتم الجزء الأكبر من أبحاثها: كارا ماغنابوسكو في قسم علوم الأرض بالمعهد التقني الفدرالي العالي بزيورخ، والذي يعتبر كذلك متحفاً. swissinfo.ch / Christian Raaflaub

الماء والصخور ـ لا حاجة إلى المزيد

قبل ذلك بشهرين قابلت السيدة ماغنابوسكو لأول مرة في مكتبها بقسم علوم الأرض بالمعهد التقني الفدرالي العالي بمدينة زيورخ. آنذاك أخرجت بحرص من علبة كرتون مزخرفة للغاية حجراً برتقالي اللون من جبال عُمان والذي حصلت عليه كتقدير لعملها كباحثة شابة وصاعدة: "إذا ما وضعت هذا في الماء، لحصلنا على أهم مكونات الحياة: ماء وصخر."

أما متى تبدأ الحياة بالتحديد؟ فهذا ما لم يتفق عليه العلماء. فالحياة تعد مسألة تتوقف على التعريف، والإجابة تعتمد على الشخص الذي تسأله، سواء كان من: علماء الأحياء، أم الكيميائيين، أم الفلاسفة.

بوصفها أستاذ مساعد في مجال الأحياء الجيولوجية، فإن ماغنابوسكو تبحث في الحد بين المواد الميتة والحية. "إننا نسعى لفهم، أين يمكن أن توجد الحياة وأين لم يعد لها وجود"، على حد قولها أثناء زيارتنا لها في المختبر، الذي يقع فوق مكتبها بطابقين. هناك تفحص مع طلابها عينات المياه التي قامت بجمعها في "مختبر بيدريتو".

الحمض النووي أعطاها دفعةً

لم يكن الطريق نحو العلم هو المستقبل المهني الوحيد المتاح لهذه السيدة، ابنة الأم التايلاندية والأب الأمريكي. إذ نشأت مع أختها الكبرى في الولايات المتحدة الأمريكية، بولاية إنديانا، لأم طبيبة عيون، وأب يعمل في القطاع المالي. وفي طفولتها كانت ماغنابوسكو تحلم بأن تصبح لاعبة كرة قدم محترفة.

كارا ماغنابوسكو تتأمل بكتيريا تحت المجهر. swissinfo.ch / Michele Andina

في عامها الأخير بالمدرسة الثانوية التحقت بدورة في التكنولوجيا الحيوية ـ وأظهرت ولعاً بتسلسل الحمض النووي. "لقد أخذنا حمضاً نووياً من وجناتنا وتعلمنا كيفية ترتيب تسلسله وتحليله. لقد كان ذلك حقاً شيئاً ممتعاً." لاحقاً قامت بتطبيق طرق التحليل هذه مراراً وتكراراً في أثناء دراستها للأحياء وأثناء إجرائها لأبحاثها العلمية.

في تلك الدورة قرأ الطلاب والطالبات كذلك كتاب ريتشارد بريستون "المنطقة الملتهبة: فيروسات قاتلة من الغابة المطيرة". حيث يصف مؤلف هذا الكتاب الأكثر مبيعاً، كيف تمكن الباحثون من تقصي أول بوادر لظهور فيروس إيبولا في أفريقيا، كما تمكنوا من حل شفرتها. وهذا المزيج من المغامرة والعلم قد شغف ماغنابوسكو كثيراً. وظل انبهارها به قائماً.

في الفريق لأجل تأسيس مركز أبحاث جديد

في سياق متصل، تحكي السيدة ماغنابوسكو عن مناهجها المختلفة في البحث العلمي التي انتهجتها في أرخبيل شبيتسبرغن النرويجي، وفي وادي الموت بكاليفورنيا وفي المنابع الحارة بالبرتغال.

فأثناء دراستها للدكتوراه بجامعة برنستون (2011 وحتى 2016)، وهي واحدة من أفضل جامعات العالم وأكثرها ثراءً، ذهبت على سبيل المثال إلى أعماق مناجم الذهب بجنوب أفريقيا، حيث كانت المصاعد الضخمة تندفع بسرعة عالية إلى الأعماق. "تشش، تشش، تشش"، هكذا حاولت تصوير السرعة العالية. في نفس المصعد كانت تُنقل في بعض الأحيان سيارة نقل عملاقة إلى الأسفل.

في نهاية المطاف، تقدمت ماغنابوسكو في عام 2019 للحصول على وظيفة أستاذة مساعدة (وظيفة مستديمة) في مجال الأحياء البيولوجية بالمعهد التقني الفدرالي العالي بزيورخ. وقد كان مجال بحثها متناسباً تماماً مع المركز الجديد المختص في دراسة أصل وانتشار الحياة (Center for the Origin and Prevalence of Life)، والذي من المزمع افتتاحه في شهر سبتمبر بالمعهد التقني الفدرالي العالي بزيورخرابط خارجي. (أنظر الإطار).

مركز الأبحاث الجديد بالمعهد التقني الفدرالي العالي بزيورخ

سوف يتم افتتاح المركز الجديد لأصل وانتشار الحياة (Center for the Origin and Prevalence of Life) في الثاني من سبتمبر 2022 بالمعهد التقني الفدرالي العالي بزيورخ، وذلك في إطار الندوة التي تقيمها مؤسسة لاتسيس الخيرية لعام 2022رابط خارجي.

ومن شأن هذا المركز أن يصبح أول مركز يختص بدراسة الحياة ويضم عدة تخصصات وكليات جامعية في أوروبا.

أما رئيس المركز فسوف يكون عالم الفضاء، الحاصل على جائزة نوبل ديدييه كيلوز. حيث اكتشف هذا السويسري بالاشتراك مع مواطنه ميشيل مايور أول كوكب يدور حول نجم مشابه للشمس. وتسمى مثل هذه الكواكب التي تشبه الأرض كواكب خارج المجموعة الشمسية. وسوف يستمر كيلوز في إجراء أبحاثه العلمية بجامعة كامبريدج، كما كان من قبل.

End of insertion

هناك سوف تتعاون ماغنابوسكو مع العديد من العلماء، من بينهم السويسري الحاصل على جائزة نوبل ديدييه كيلوز، والذي سوف يرأس مركز الأبحاث في موقعين داخل زيورخ وفي محيطها.

إذ من شأن هذا الكيان الجديد أن يصبح مركزاً يضم العديد من التخصصات، بالمشاركة مع فروع الكيمياء، والأحياء، وعلوم الجيولوجيا، والفيزياء الفلكية والكثير من التخصصات الهامة الأخرى.

أما مهمة السيدة ماغنابوسكو، فإنها تبحث تحديداً عن تلك الميكروبات التي كانت موجودة وقت نشأة الحياة ـ أي قبل حوالي ملياريّ سنة. "إنه نوع من العمل الاستقصائي"، مثلما تجيب على سؤالنا حول كيفية تطور هذه الميكروبات على مدار أربعة ونصف مليار سنة من تاريخ الأرض، وكيف أثرت هذه الميكروبات في بعضها البعض.

محمية في الأعماق

ولكن لماذا تبحث السيدة ماغنابوسكو عن أصل الحياة في أعماق الأرض وليس على سطح الكواكب الأخرى التي تسطع عليها الشمس أيضاً؟ للإجابة على هذا السؤال، صعدنا لبرهة على سطح قسم علوم الأرض بجامعة زيورخ للتطلع إلى السماء.

"نحن نعلم أن الجزء الأكبر من سطح الكواكب في مجموعتنا الشمسية على الأقل غير صالح للحياة"، على حد قولها. أما في الأعماق فهناك أنماط حيوية محمية بصورة جيدة من عدم الاستقرار الذي قد يسود سطح أي من تلك الكواكب.

وترى ماغنابوسكو أن فرصة وجود حياة في أماكن أخرى غير الأرض وارد جداً. فالمكونات العامة لما نعتبره حياة ـ أي الماء والصخر ـ، قد تكون موجودة أيضاً في الكواكب الأخرى"، بحسب رأيها. لذلك فإنها تأمل في الحصول على بعض المعلومات من خلال مسبار جيمس-ويب الذي أُطلق في الفضاء مؤخراً. فمن شأنه العثور على بعض الكواكب خارج المجموعة الشمسية، والتي قد يكون بها حياة.

<< لقد بدأ مسبار جيمس-ويب في العمل في شهر يوليو 2022 وقام بإرسال أول صورٍ مبهرة من أعماق الكونرابط خارجي. فكيف يعمل؟

إلا أنه يجب علينا التخلى عن فكرة وجود مخلوق معقد مثل ET أو الفضائيين. فهناك احتمال كبير أن نجد حياة على الكواكب الأخرى تكون أشبه بالكائنات المجهرية، بحسب ما صرحت به السيدة ماغنابوسكو. أما عن الأرض، فإننا نعلم أن هناك المزيد من الكائنات المجهرية التي تعيش في باطن الأرض أكثر من تلك التي تعيش على السطح أو في المحيطات.

في الأثناء، كنا قد وصلنا في النفق الذي يخترق وادي بيدريت، إلى المختبر التحت أرضي. إنه ليس غرفة مغلقة، بل فقط قطاع أكثر عرضاً من الممر. على الجانب توجد بعض المناضد التي تحمل أجهزة قياس وحواسيب، وفي داخل حفرة مائية أكبر تختفي بعض الخراطيم التي يبلغ سمكها تقريباً قبضة اليد.

على إحدى الشاشات، تراجع ماغنابوسكو بعض التضبيطات. صحيح أن كل القيم الضرورية للبحث يمكن قراءتها من زيورخ أيضاً. ولكن "لا يمكننا [من هناك] فتح الثقوب المحفورة، أو إغلاقها أو أخذ العينات منها"، على حد قولها. لذلك فإن الباحثة تسافر كل شهرين تقريباً إلى تيتشينو.

كارا ماغنابوسكو تراجع في "مختبر بيدريتو" بعض التضبيطات الخاصة بمختلف الثقوب المحفورة، والتي تحصل هي وطلابها منها على بعض العينات، من آن لآخر. swissinfo.ch / Michele Andina

كيف تبدو الحياة؟

على صعيد متصل، وفي خضم البحث عن حياة في الفضاء وعلى الأرض، يجب على المرء التخلص من تصوراته عن الأنماط الحيوية. فقد لا يمكن للمرء تخيل وجود حياة في الماء المغلي. إلا أنه بالفعل توجد ميكروبات، يمكنها البقاء على قيد الحياة والتكاثر في درجات الحرارة الأشد سخونة.

من جانبه، وجد عالم الأحياء المختص في الميكروبات توماس بروكرابط خارجي في عام 1966 في أحد المنابع الحارة بالمنتزه الوطني يلوستون بالولايات المتحدة الأمريكية، نوعاً من البكتيريا، والذي يمكنه الحياة في درجة تبخر المياه (نشير إلى أن الفضل يعود للسيد بروك في التوصل إلى اختبار الـ "بي سي آر" (PCR) والذي يمكن من خلاله التأكد من وجود إصابة بمرض سارس-كوفيد-2).

لذلك كانت ماغنابوسكو أثناء فترة دراستها منبهرة ببروك بالفعل. فهذا الباحث الذي توفى العام الماضي عن عمر يناهز 94 عاماً، كان يمثل لها المثل الأعلى. خاصةً، لأنه تحاور مع أشخاص كانوا يجرون أبحاثهم العلمية في مجالات بعيدة كل البعد عن مجاله، وتبادل معهم الرأي.

إنها إذن مناهج العمل العابرة للتخصصات تلك التي تميز أيضاً أبحاث السيدة ماغنابوسكو. أما عالم الفيزياء الفلكية ساشا كوانز الألماني السويسري، والذي يعد أحد مؤسسي مركز أصل وانتشار الحياة، فإنه يتطلع بدوره إلى التعاون مع إحدى الباحثات التي تجري أبحاثاً عابرة للتخصص، على حد قوله. حيث تستخدم السيدة ماغنابوسكو مع فريقها البحثي الكثير من الأمور غير المعهودة في علوم الأرض، على سبيل المثال ترتيب تسلسل الحمض النووي.

كارا ماغنابوسكو تلتقط في مختبر زيورخ ورقة من أوراق المرشِح التي علقت بها بعض البكتيريا والفيروسات. swissinfo.ch / Michele Andina

تحت المجهر

عودةً إلى المختبر بزيورخ، حيث تمسك ماغنابوسكو بزجاجة بلاستيكية صغيرة داخلها عينة ماء بعد ترتيب تسلسل الحمض النووي بواسطة آلة خاصة. ففي مليمتر واحد من الماء المأخوذ من "مختبر بيدريتو"، قد توجد مئات إلى عشرات الآلاف من الخلايا الميكروبية.

تقوم السيدة ماغنابوسكو بتشغيل مضخة، ومن ثمَّ تظل الخلايا بعدها عالقة في أحد المرشِحات. وبمجرد أن يجف هذا المرشِح، فإن ماغنابوسكو تضيف مادة مشعة، يلتصق بها الحمض النووي، ومن ثم يصبح ظاهراً للعيان في الإضاءة المناسبة.

أما رحلة الميكروبات فتنتهي بالفعل في الغرفة المظلمة، فوق تلك الرقاقة الزجاجية الخاصة بالميكروسكوب. هناك يمكن رؤية نقاط خضراء صغيرة على الشاشة. إنها بكتيريا وفيروسات. "إن عدّ النقاط يعتبر مهمة سهلة جداَ، لكننا نحصل على معلومات هامة للغاية منها"، بحسب قول ماغنابوسكو، بينما تقوم بضبط بؤرة المايكروسكوب.

على سبيل المثال يمكن من خلال هذه النقاط معرفة كيف تغير النشاط البيولوجي على الأرض عبر مليارات السنين ـ وبهذا أيضاً تغير غلافها الجوي. فهناك ميكروبات يتضاعف عددها كل عشرين دقيقة. وهناك أخرى تحتاج إلى آلاف أو ربما عشرات الآلاف من السنين لهذا الأمر. بهذا يمكن للباحثين والباحثات وضع نماذج لكيفية تطور الحياة الأرضية عبر الزمن.

تمثل النقاط الخضراء الصغيرة على الشاشة بكتيريا وفيروسات. ومن خلالها يمكن التوصل إلى معلومات هامة، على حد قول كارا ماغنابوسكو. swissinfo.ch / Michele Andina

التطور من خلال التفاوت

في ذات السياق، يعدّ الحمض النووي بمثابة اللبنة الأساسية، التي يمكن من خلالها برمجة المعلومات داخل الجينوم؛ هذه اللبنات في إمكانها كذلك نسخ نفسها لإنتاج المزيد من نوعها.

ولكن أثناء هذا التضاعف يمكن أن يتسلل بعض التفاوت. وهذه هي النقطة التي لفتت نظر ماغنابوسكو. فتلك التفاوتات أثناء عملية النسخ هي التي تُمَكِّن الكائن من التطور. وفقط تلك الطفرات التي تستطيع مقاومة أشد الظروف ضراوة هي التي تفرض نفسها في النهاية.

ومن وجهة نظر هذه الباحثة، فإن هناك نقطة هامة تتمثل في الارتباط الارتدادي الذي ينشأ بين الكائن الحي وبين الكوكب، بمجرد أن يصبح هذا الكوكب معموراً. ويطلق العلم على هذه العملية مصطلح التطور التشاركي. "فإذا ما نظرنا إلى تاريخ الأرض، فإننا نرى أن تطور الكوكب يتم بصورة مغايرة تماماً لما يحدث لجيرانه. وهذا مرجعه إلى ذلك الارتباط الارتدادي بين الكائن الحي وبين الأرض"، تقول ماغنابوسكو.

وكمثال على هذا الارتباط الارتدادي تذكر الأكسجين. ففي النصف الأول من تاريخ الأرض كان محتوى الأكسجين - بحسب قولها - دون الحد الممكن إثباته، أي أنه كان عملياً غير موجود. وهذا ما تثبته عينات الصخوررابط خارجي. إلا أنها ترى أن التمثيل الضوئي قد أتاح للأرض تكوين غلافها الجوي. وبفضل ذلك نشأت أنماط حيوية أكثر تعقيداً.

في النهاية، شعرنا ونحن في الممر ببعض من ضيق النفس، ذلك لإنه كان علينا الإسراع للحاق بسيارة البريد. فالسيارة التالية كانت سوف تجئ بعدها بثلاث ساعات. وداخل الكابينة الواقعة أمام النفق خلعت ماغنابوسكو بدلة العمل ووضعتها في صندوق بلاستيكي خاص بالملابس المتسخة، ثم أغلقت الباب. وحينما كنا في انتظار حافلة البريد، بدأت السماء تمطر. ماءً فوق صخر.

كاتب المقال بصحبة كارا ماغنابوسكو وميشيل أندينا، الذي قام بإخراج الفيديو الخاص بهذا البورتريه. swissinfo.ch / Christian Raaflaub


متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟