Navigation

وجهات نظر
سياسة فدرالية

مقاربة رشيدة لسويسرا إزاء معاهدة حظر الأسلحة النووية: تريّث وترقب

ساهمت سويسرا في إجراء مفاوضات بشأن معاهدة دولية تسعى إلى التخلي عن جميع الأسلحة النووية، ولكنها لم توقّع أو تصدّق عليها بعدُ. ويعتبر خبير من خبراء مراقبة الأسلحة النووية أن الغزو الروسي لأوكرانيا وتداعياته على الأمن العالمي قد يُسهم في صعوبة اتخاذ القرار السويسري بشأن هذه المسألة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 09 أغسطس 2022 - 16:00 يوليو,

في الفترة الممتدة من 21 إلى 23 يونيو 2022، عُقد اجتماع في فيينا لمناقشة كيفية تنفيذ معاهدة الأمم المتحدة الجديدة لحظر الأسلحة النووية  (اختصارا: TPNW)رابط خارجي، تمثّلت فيه عشرات الدول. كما انضم إليهم نشطاء من جميع أنحاء العالم يعملون على نزع السلاح النووي والحد من انتشاره. وكان من بين هؤلاء النشطاء من يُلقّبون بـ "الهيباكوشا"، وهم الناجون من القنابل الذرية التي ألقيت على كل من هيروشيما وناغازاكي في نهاية الحرب العالمية الثانية. ورغم حضور الدبلوماسيين السويسريين، إلا أن هؤلاء اكتفوا بالقيام بدور المراقب عوضاً عن المشاركة المباشرة. ولأول وهلة، قد يبدو هذا الدور مفاجئاً، لكنه ينسجم مع البراغماتية السويسرية فيما يتعلق بمسائل نزع الأسلحة النووية.

حتى اليوم، صادقت 66 دولة على معاهدة حظر الأسلحة النوويةرابط خارجي وأصبحت دولاً أطرافاً فيها. لكن سويسرا، التي ساهمت في إجراء المفاوضات على المعاهدة في عام 2017، ليست واحدة من هذه الدول مما يعطي انطباعاً بأن سويسرا ليست ملتزمة بالقضاء على الأسلحة النووية العالمية. إلا أن هذا الاستنتاج يُعتبر قراءة خاطئة لموقف سويسرا؛ ففي حقيقة الأمر، قد يسمح الموقف المتريّث والمتحفّظ لسويسرا ببناء جسور بين مؤيّدي معاهدة حظر الأسلحة النووية والدول المسلحة نووياً ويتيح لها في تفس الوقت الإعراب عن مخاوفها بشأن المعاهدة.

ويستند قرار سويسرا إلى دراسة متأنية؛ فبعد تقرير صادر عن مجموعة عمل مشتركة بين الإدارات المعنيةرابط خارجي، اختارت الحكومة عدم الانضمام إلى معاهدة حظر الأسلحة النووية في عامي 2018 و2019. وعوضاً عن ذلك، فضّلت الدولة العمل على نزع السلاح النووي مع الدول داخل وخارج المعاهدة. ويعني هذا عملياً، إرسال خبراء سويسريين للمشاركة في مراقبة إجراءات معاهدة حظر الأسلحة النووية. ويُعتبر هذا الالتزام من قِبَل سويسرا أمراً جيّداً لأن معاهدة الحظر النووي وُجدت لتبقى ولا يمكن تجاهلها.

ولفهم السياق السويسري، من المهم تقييم هذه المعاهدة الجديدة. لقد دخلت معاهدة حظر الأسلحة النووية حيز التنفيذ في 22 يناير 2021، عندما أصبحت هندوراس الدولة الخمسين التي تصدق عليها. وبموجب هذه المعاهدة، يحظر على جميع الدول الانخراط في حيازة الأسلحة النووية وإنتاجها واختبارها وتهديد أمن الدول الأخرى. ويأمل مناصروها في وصم الأسلحة النووية باعتبارها أدوات غير مقبولة من أدوات الحكم لما ينتج عنها من عواقب إنسانية مدمرة. نظرياً، يبدو أن هناك سبباً بسيطاً يمنع سويسرا، التي لا تمتلك أسلحة نووية، من الانضمام إلى تلك المعاهدة. ويتمثّل هذا السبب في طبيعة تكنولوجيا الأسلحة النووية نفسها التي أدّت في النهاية إلى خلق عالم خطير؛ حيث يُمكن لبعض القادة تدمير المراكز السكانية الحضرية لخصومهم في غضون دقائق.

أما من الناحية العملية، فإن فعالية معاهدة حظر الأسلحة النووية في نزع السلاح تبقى مسألة مثيرة للجدل. فالدول المسلحة نووياً - الصين، وفرنسا، والهند، وإسرائيل، وكوريا الشمالية، وباكستان، وروسيا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة - والغالبية العظمى من الدول الحليفة التي تحميها تعهدات "المظلة النووية"- لم تشارك في أي من المحادثات ذات الصلة. وقد أعربت هذه الدول عن عدم رغبتها في الانضمام إلى المعاهدة التي لن تنزع قنبلة واحدة أو صاروخا واحدا بحسب زعمها. إن شكوك هذه الدول يمكن تفهمها، حيث إن معاهدة حظر الأسلحة النووية، كغيرها من المعاهدات السابقة، لا تعالج بإسهاب وعلى وجه التحديد كيفية التحقق من وجود السلاح النووي أو آليّة نزعه.

ومع ذلك، فإن هذا الحظر العالمي على الأسلحة النووية من شأنه أن يمثل مساراً يختلف جذرياً عن مسار معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية (اختصارا: NPT) التي أبرمت عام 1968رابط خارجي. هذه الأخيرة، التي تشكل سويسرا طرفاً فيها، تدعو إلى نزع السلاح، ولكنها تسمح للصين وفرنسا وروسيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة بالاحتفاظ بترساناتها النووية، حتى تحقيق عالم خال من الأسلحة النووية في نهاية المطاف. وينتقد العديد من مؤيدي معاهدة حظر الأسلحة النووية، معاهدة عام 1968، مبررين ذلك بافتقارها إلى الإنصاف في تقسيم العالم إلى "دول تمتلك أسلحة نووية" و "دول لا تمتلك أسلحة نووية".

تمثل معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية خطة محددة لنزع الأسلحة النووية. ورغم أن مناقشات إمكانية الوصول إلى تحقيق هذا الهدف تسجل تقدّماً بطيئاً، إلا أن هذه المعاهدة تمكّن الوكالة الدولية للطاقة الذرية (مقرها فيينا) من إجراء عمليات تفتيش للكشف عن الانتهاكات وردع دول جديدة عن صنع القنابل النووية. وتزعم الولايات المتحدة وروسيا أنه قد تم تفكيك عشرات الآلاف من الأسلحة النووية وإزالتها بعد انتهاء الحرب الباردة لدعم معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية.

الموقف السويسري

لم يكن موقف مجموعة العمل الحكومية سلبياً فقط عند تقييم الحظر النووي، واقتصر على مشاطرة وجهة نظر معاهدة حظر الأسلحة النووية بأن الأسلحة النووية غير متوافقة بشكل أساسي مع القانون الإنساني الدولي. ولم يكن هذا الموقف متوقعاً على الإطلاق؛ فالعديد من الأسلحة النووية المطوّرة اليوم هي أقوى وأشد فتكاً من القنابل التي دمرت هيروشيما وناغازاكي، وسيكون استخدامها بمثابة عمليات قتل جماعي بطريقة خاطفة، وأحجام من الأضرار لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية.

لقد قامت سويسرا بتطوير المعرفة والتكنولوجيا الخاصة بالطاقة النووية المدنية، لكن مجموعة العمل في هذا الحقل تشير إلى أن البلاد لن تتأثر بأحكام معاهدة حظر الأسلحة النووية التي تحظر دعم برامج الأسلحة النووية للدول الأخرى. وتمتلك سويسرا عملياً آليات للرقابة وتحديد الضوابط على الصادرات التي تنظم هذا القطاع.

وتنسجم هذه النقاط مع فكرة أن القضاء على الأسلحة النووية، سيظل يشكل هدفاً مركزياً للسياسة الخارجية لسويسرا وجميع البلدان الأخرى التي تسعى إلى تحقيق الأمن والسلام والعدالة. ولسوء الحظ، يوجد في عالمنا المعاصر حوالي 13000 سلاح نوويرابط خارجي. وبالرغم من أن هذا العدد هو أقل بكثير من عدد الأسلحة السبعين ألف التي كانت موجودة في ذروة الحرب الباردة، فهناك تسع دول لا تزال تمتلك ترسانات نووية، في حين تعتمد العشرات من الدول على تعهدات من دول مسلحة نووياً بتأمين مظلة نووية لها في حال نشوب صراعات مع دول أخرى.  

وإذا كانت هناك أسباب أخلاقية وإنسانية لحظر الأسلحة النووية، وكان هذا الحظر لا يشكل أي ضرر بالاقتصاد السويسري، فلماذا فضّلت سويسرا إذن، النأي بالنفس خلال المناقشات بشأن المعاهدة؟ الجواب يعود لعاملين أمنيين مركزيين.

أولاً، يتمثل الموقف السويسري في أن بإمكان سويسرا دعم معاهدة حظر الأسلحة النووية بمجرد أن يبدو جلياً أن المعاهدة ستُساعد، بدلاً من أن تُعيق، في القضاء على الأسلحة النووية في جميع أنحاء العالم. وتخشى سويسرا من إمكانية أن تتعارض هذه المعاهدة، التي تحظر الأسلحة النووية دون دعم من الدول المسلحة نووياً، مع التزامات نزع السلاح القائمة - ولكن المتوقفة إلى حد كبير - بموجب معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية. وإلى أن تتضح العلاقة بين هاتين المعاهدتين، فسيستغرق الأمر بعض الوقت.

أما العامل الثاني لبقاء سويسرا خارج معاهدة الحظر فهو عامل جغرافي. فقد أعربت مجموعة العمل الحكومية عن قلقها من أن محاولات معاهدة حظر الأسلحة النووية لوصم القنبلة النووية باعتبارها غير مقبولة، لن تلقى صدى إلا في الدول الديمقراطية التي من المرجح أن تُجري بشأنها نقاشاً عاماً ذا مغزى. وفي نهاية المطاف، سيكون من البديهي أن تكون فرنسا وألمانيا الدولتين اللتين ستجريان مناقشات مفتوحة حول السياسة النووية أكثر من كل من الصين أو روسيا. ومن المؤكد أن تحقيق هدف الوصول إلى عالم خالٍ من الأسلحة النووية، يصب في مصلحة سويسرا كدولة مُحايدة. ولكن وفي نفس الوقت، فإن العالم الذي يتم فيه إضعاف الدول المجاورة لسويسرا من خلال تجريدها من سلاحها النووي الذي يُسهم في توفير الاستقرار الإقليمي، دون نزع سلاح الدول المنافسة، هو عالم لا تتحقق فيه مصالح سويسرا.

العالم الذي يتم فيه إضعاف الدول المجاورة لسويسرا من خلال تجريدها من سلاحها النووي الذي يُسهم في توفير الاستقرار الإقليمي، دون نزع سلاح الدول المنافسة، هو عالم لا تتحقق فيه مصالح سويسرا

ستيفن هيرتسوغ

End of insertion

تأثير الحرب الروسية في أوكرانيا

أعاد البيان الرسمي السويسري في فيينارابط خارجي في اجتماع معاهدة حظر الأسلحة النووية الأخير استذكار هذه المناقشات الماضية، كما تطرّق أيضاً إلى تغيّرات السياسة الدولية نتيجة الغزو الروسي لأوكرانيا. وجرى توجيه انتقادات إلى روسيا بسبب ما قامت به من تهديدات واستفزازات متعلقة بالأسلحة النووية. كما أشار البيان إلى حاجة سويسرا إلى تقييم البيئات الأمنية الأوروبية والدولية عند اتخاذ قرار جديد بشأن معاهدة حظر الأسلحة النووية. وبغض النظر عن نتيجة التقييم المقبل، الذي سيجري في وقت لاحق من هذا العام، ستواصل سويسرا المشاركة البناءة مع كل من أعضاء الحظر النووي وغير الأعضاء على السواء.

ليس هناك أدنى شك في أن العمل على وجود عالم خالٍ من تهديدات الحرب النووية والإبادةرابط خارجي يصب في مصلحة سويسرا وسكانها. وهناك سؤال محوري قيد المراجعة: هل سيقدم نهج الحظر النووي الجديد مساهمة فعّالة وقوية في القضاء على الأسلحة النووية، أم أنه سيؤدي إلى مزيد من الاستقطاب بين "دول تمتلك أسلحة نووية" و "دول لا تمتلك أسلحة نووية"؟ وبعبارة أبسط: هل هذا النهج هو الأداة المناسبة للوصول إلى الأهداف المرجوة؟ قد يكون النهج جيداً جداً، ولكن قبل أن تتمكن سويسرا من الانضمام إلى المعاهدة، يجب أن يتضح لها على وجه التحديد آلية عمل معاهدة حظر الأسلحة النووية على تحسين الأمن السويسري مقارنة بالوسائل الأخرى الموجودة لنزع السلاح النووي.

لطالما استفاد الدبلوماسيون السويسريون من موقعهم الحيادي، من أجل بناء جسور بين الدول الأخرى في تقريب وجهات النظر بشأن الموضوعات السياسية الخلافية. إن موقف سويسرا المتمثل في التريث والترقب واتخاذها مركز المُراقب في اجتماعات معاهدة حظر الأسلحة النووية يمكن أن يسمح للبلاد في لعب دورها في بناء الجسور بين الدول مرة أخرى.

تحرير: صابرينا فايس

ترجمة: جيلان ندا 

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟