Navigation

الوجه المُتحوّل لجنيف الدولية

قرار تعليق عضوية روسيا في مجلس حقوق الإنسان يُثير تساؤلات كبرى

تعرضت المنشآت المدنية في أوكرانيا، بما في ذلك المجمعات السكنية والمستشفيات والكنائس، إلى هجمات روسية، كما تم العثور على جثث مدنيّين متناثرة في الشوارع، بعد انسحاب القوات الروسية شرقاً. AFP

في السابع من شهر أبريل الجاري، تبنى أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً يقضي بتعليق عضوية روسيا في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والذي يتخذ من جنيف مقرّاً له، بعد ورود تقارير عن "اعتداءات وانتهاكات جسيمة ومنهجية لحقوق الإنسان" في أوكرانيا، قامت بها القوات الروسية.

هذا المحتوى تم نشره يوم 20 أبريل 2022 - 09:00 يوليو,

يشكل قرار تعليق عضوية روسيا سابقة تاريخية من نوعها، لأنها المرة الأولى التي يتم فيها تعليق عضوية دولة من الدول الخمس الكبار من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة. والجدير بالذكر هنا، أن الدولة الوحيدة الأخرى التي تم تعليق عضويتها قبل ذلك في مجلس حقوق الإنسان كانت ليبيا، حيث صدر القرار بحقها عام 2011، على إثر أعمال العنف التي مارستها القوات الموالية للديكتاتور معمر القذافي.

وقد حصدت الحملة التي قادتها الولايات المتحدة من أجل تعليق عضوية روسيا في المجلس 93 صوتاً للدول المؤيدة للقرار – بما في ذلك سويسرا – بينما صوّتت 24 دولة بالرفض وامتنعت 58 دولة عن التصويت وتغيبت بقية الدول الأعضاء عن المشاركة في التصويت. وكانت ليندا توماس غرينفيلد، السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة قد علقترابط خارجي يوم 4 إبريل بشأن القرار وقبل تبنيه بقولها: "إن مشاركة روسيا في مجلس حقوق الإنسان باتت تشكل مهزلة وتلحق الضرر بمصداقية المجلس والأمم المتحدة بأوسع معانيها".

وفي معرض دفاعه عن قرار التعليق، دعا السفير الأوكراني سيرغي كيسليتسيا الجمعية العامة إلى "إنقاذ مجلس حقوق الإنسان وإنقاذ العديد من الأرواح في العالم" وناشد أعضاء المجلس بعدم الضغط على زر "لا" مشبهاً اللون الأحمر الذي يظهر على الشاشة عند الضغط على هذا الزر بدم الأبرياء الذين أزهقت أرواحهم".

وجاء هذا القرار بعد وصول تقارير تفيد بالعثور على مئات من جثث المدنيين إثر انسحاب القوات الروسية من أجزاء من أوكرانيا منها مثلاً بوتشا القريبة من كييف. كما يتزايد توافر الأدلة التي تشير إلى أن روسيا استهدفت البنية التحتية المدنية، إضافة إلى محاصرتها لميناء ماريوبول الجنوبي، الأمر الذي شكل تهديداً واضحاً لحياة المدنيين.

ولكي يتم تبني القرار بتعليق عضوية روسيا في المجلس المؤلف من 47 عضواً، توجّب الحصول على تأييد ثلثي الأعضاء المصوتين (لا يتمّ احتساب حالات الامتناع عن التصويت). وبعد قرار التعليق، أعلنت موسكو أنها ستنسحب من مجلس حقوق الإنسان.

نتيجة "متناقضة"

منذ وقوع الهجوم الروسي على أوكرانيا في 24 فبراير المنصرم، جرى تصويتان آخران في الجمعية العامة لإدانة العمليات الروسية. وقد حصل هذان التصويتان على موافقة 141 صوتاً للأول و142 صوتاً للثاني من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة والبالغ عددها 193 دولة. إلا أن قرار تعليق عضوية روسيا في مجلس حقوق الإنسان تم اعتماده بموافقة 93 دولة فقط في حين عارضت بقية الدول هذا القرار أو امتنعت عن التصويت، فهل يثير هذا الأمر مسألة شرعية التصويت؟

يرفض فيل لينش، المدير التنفيذي لمنظمة "الخدمة الدولية لحقوق الإنسانرابط خارجي" غير الحكومية فكرة عدم شرعية التصويت ويرى أن التصويتين السابقين كانا يهدفان إلى إيضاح موقف الدول الأعضاء بشكل عام، ولكنهما لم يفضيا إلى نتيجة ملموسة، بخلاف التصويت الأخير.

ويعزز وجهة نظره قائلاً لـ SWI swissinfo.ch: "أعتقد أن انخفاض عدد الدول التي أقرت تعليق عضوية روسيا في مجلس حقوق الإنسان يعكس أهمية هذا التصويت وما يترتب عليه ويوضح أن روسيا بدأت في شن حملة شعواء من الترهيب والتهديد والوعيد ضد الدول التي تقف بوجهها".

ترهيب روسي

في السياق، أكدت عدة مصادر دبلوماسية لـ SWI swissinfo.ch بأن روسيا قد أرسلت إلى البعثات الأممية المختلفة رسائل تحذر فيها الدول الأعضاء من أن التصويت بنعم أو الامتناع عن التصويت سيُعتبر "بادرة غير ودية" لها عواقب على العلاقات الثنائية معها.

ويزعم لينش أنه اطلع على رسالة أرسلتها روسيا إلى البعثات في نيويورك وجنيف، تحذر فيها الدول الأعضاء من أن عدم الوقوف بوجه قرار التعليق سيكون له عواقب وخيمة على المستويين الثنائي والمتعدد الأطراف. ويعلق على هذا الأمر قائلاً: "هذه الرسالة هي بمثابة تهديد خطير يصدر عن عضو دائم في مجلس الأمن، يتمتع بقوة عسكرية ضخمة وتأثير اقتصادي مهم".

من جهته، يرى أوليفيه دو فروفيل، أستاذ القانون العام بجامعة باريس 2 والخبير في قضايا الأمم المتحدة المتعلقة بحقوق الإنسان، أن نتيجة التصويت جاءت "ملتبسة"؛ فعلى الرغم من أن كل المقتضيات الاجرائية لاتخاذ القرار كانت متوفّرة، فإن نتيجة التصويت لم تعكس موافقة "الأغلبية الساحقة، والأمر لا يتعلق بموقف الدول الأربع والعشرين التي صوتت ضد القرار، والتي لها مبرراتها الواضحة على العموم، فحسب– فالعديد منها متهم بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان- بل بامتناع 58 دولة عن التصويت، الأمر الذي كان ينبغي أن يمثّل فعلياً مصدر قلق للجهات الراعية لمشروع القرار"، على حدّ قوله.

نتيجة تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة حول قرار تعليق عضوية روسيا في مجلس حقوق الإنسان يوم 7 إبريل 2022. © United Nations

وقد صوتت الصين ضد القرار، رغم أنها كانت قد امتنعت عن التصويت قبل ذلك. كما امتنع عدد من الدول الأخرى عن التصويت للمرة الثانية، لاسيما دول في أفريقيا وآسيا الوسطى. أما الهند. التي تربطها علاقات بروسيا وبالغرب على حدّ سواء، والتي لم تكن تميل ربمارابط خارجي، إلى دعم روسيا منذ وقوع مجزرة بوتشا، فقد امتنعت مرة أخرى عن التصويت.

مرتكبو انتهاكات جسيمة أعضاء في المجلس

ويثير قرار تعليق عضوية روسيا في مجلس حقوق الإنسان تساؤلات أخرى؛ فالمجلس الذي يتكون من سبعة وأربعين دولة عضوة يضم في صفوفه دولاًرابط خارجي لديها سجلات مريعة في مجال حقوق الإنسان، من أبرزها كل من الصين وإريتريا وفنزويلا وكوبا إضافة إلى الإمارات العربية المتحدة التي اتهمت بارتكاب فظائع في حرب اليمن. فلماذا لم يتم تعليق عضوية هذه الدول إذن؟ وما الذي يجعل من روسيا حالة مختلفة؟

ويعلل لينش ذلك بتضافر مجموعة من العوامل يضاف إليها "وجود أدلة قاطعة على ارتكاب جرائم فظيعة في سياق عدوان على دولة ذات سيادة، وهذه العوامل مجتمعة تمثّل انتهاكاً لوجود ميثاق الأمم المتحدة ذاته. وهذا ما يفسر اتخاذ إجراءات ضد روسيا، في حين لم يتم اتخاذ أية إجراءات ضد دول أخرى، انخرطت في انتهاكات منهجية ومتكررة لحقوق الإنسان".

من جهته، يقول دو فورفيل إنه قرار سياسي اتخذه عدد من الدول الأعضاء بتعليق عضوية عضو معين دون غيره. ويأسف دو فورفيل "لعدم وجود آلية متخصصة ومستقلة لتقديم التوصيات إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة بتعليق عضوية دولة ما"، ولكنه يُوافق في الوقت نفسه على القول بأن "هناك خاصية للوضع في أوكرانيا، مرتبطة بسياق العدوان عليها الذي لم نشهده في بعض الحالات الأخرى".

ولكن من الممكن المحاجّة بأن أريتريا، التي تُعتبر منذ عام 2000 واحدة من أسوإ منتهكي حقوق الإنسان في العالم، بل ويطلق عليها اسم "كوريا الشمالية في أفريقيا" قد قامت هي أيضاً بالتدخل والاعتداء على دول أخرى، دون أن تتخذ بحقها إجراءات مماثلة كتلك التي اتخذت بحق روسيا. فعلى سبيل المثال، قامت القوات الأريترية في سياق الحرب التي تخوضها بمعية قوات أديس أبابا ضد متمردي إقليم تيغراي الإثيوبي بارتكاب العديد من أفظع المجازر وعمليات الاغتصاب.

ويشير لينش إلى أن تعليق عضوية دولة من الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان، يقتضي الحصول على موافقة أغلبية ثلثيّ الأعضاء الحاضرين في الجمعية العامة". ويستطرد موضحاً: "في حالة أريتريا، كان هناك دعم ضعيف جداً من الدول الأعضاء وفي كثير من الحالات، كانت هناك معارضة قوية من قبل الدول الأفريقية لتفويض لجان للتحقيق وآليات أخرى في أريتريا". ويضيف: "من الصعب جداً أن تحصل على عدد الأصوات اللازمة لتعليق عضوية إريتريا دون دعم أغلبية الدول في مجموعتها".

وماذا عن الصين المتهمة بإبادة جماعية محتملة ضد سكانها من الإيغور، فضلاً عن ممارستها القمع في هونغ كونغ؟

يجيب لينش على هذا السؤال بقوله: " أعتقد أن الأدلة على الانتهاكات الجسيمة والمنهجية التي ترتكبها الصين والتي قد ترقى إلى مرتبة الجرائم ضد الإنسانية، خاصة في منطقة شينجاينغ، هي أدلة دامغة وواضحة. ولكن رغم ذلك، فإن إمكانية الحصول على أغلبية الأصوات لتعليق عضوية الصين تبدو، في الوقت الراهن، ضعيفة جداً، نظراً إلى مدى قوة هذه الدولة ونفوذها السياسي والعسكري والمالي، واعتماد العديد من الدول عليها في مختلف المجالات".

كيف سيؤثر انسحاب روسيا على المجلس؟

بعد صدور قرار الجمعية العامة بتعليق عضوية روسيا في مجلس حقوق الإنسان، أعلنت موسكو مباشرة انسحابها من المجلس. وفي هذا الصدد، يعلق أحد الدبلوماسيين الغربيين قائلاً بأن "انسحاب روسيا من المجلس يُشبه إعلانك الاستقالة بعد صدور قرار بفصلك".

ما هي إذن تداعيات خروج روسيا على مجلس حقوق الإنسان؟ انسحاب روسيا يعني وجود مقعد شاغر، وسيتم التصويت لانتخاب عضو بديل لروسيا من مجموعة دول أوروبا الشرقية. إلا أنه من غير الواضح بعدُ متى سيجري هذا التصويت، بحسب ما صرّح به متحدث باسم الأمم المتحدة. 

ويعتقد دو فروفيل أن انسحاب روسيا من مجلس حقوق الإنسان سيُسهم في تحسّن المناخ العام في المجلس ويقول: "خلال العامين الماضيين، كان من الواضح أن وجود روسيا يشكّل أحد العوامل الرئيسية للتوترات التي شهدها المجلس؛ نتيجة ما كانت تبديه بطريقة عدوانية من التشكيك في بعض المبادرات المقترحة، ليس لأنها كانت تأمل الفوز بالتصويت ضد هذه المبادرات وإنما لفرض وجهة نظر أيدولوجية". ويضيف: "من بين العديد من الأمثلة، قامت روسيا مؤخراً بمعارضة الصياغة اللغوية المتعلقة بمشاركة الأطفال في المظاهرات، وقدمت عشرة تعديلات مُعادية لمشروع قرار متعلق بحق العيش في بيئة نظيفة. كما أدخلت تعديلات على قضايا عديدة منها قضية الحقوق الإنجابية وقضية العنف ضد المرأة، بحجة الدفاع عما أسمته القيم التقليدية".

من جهته، يقول لينش إنه يعتبر أن انسحاب روسيا من المجلس يعني أن روسيا "ستقاطع فعلياً مجلس حقوق الإنسان؛ فهي ستنسحب من مقعدها كعضو كما أنها ستنسحب من المشاركة في المجلس". ولكن نظريّاً على الأقل، يُمكن لروسيا أن تستمر في القيام بدورها كدولة مراقبة وهو أمر متروك لها، بحسب قوله.

ويعتقد لينش أيضاً أن روسيا، في جميع الأحوال، لن تتوقف عن ممارسة الضغوط وتهديد الدول الأخرى "إن لم يكن هذا بشكل مباشر، فسيكون من خلال الدول العميلة لها مثل روسيا البيضاء. إن قيام روسيا بشن هذه الحملة من الترويع وممارستها للتخويف يوضح أهمية دور مجلس حقوق الإنسان وكيف أن دولاً مثل روسيا والصين تحاول استخدام عضويتها للمجلس لتقويض معايير حقوق الإنسان والتهرب من المُساءلة".

تحرير: إيموجين فولكس 

محتويات خارجية
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد:

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟