Navigation

على خطى النرويج.. سويسرا تدرس استدعاء النساء إلى الخدمة العسكرية الإلزامية

يشكلالعنصر النسائي 0.9٪ فقط من مجموع أفراد الجيش. في النرويج، ارتفعت نسبة النساء في القوات المسلحة خمس نقاط مئوية لتصل إلى 15٪ منذ دخول التجنيد المحايد جنسانيًا حيز التنفيذ في عام 2015. Keystone / Yoshiko Kusano

على خطى التجربة النرويجية، تنظر وزارة الدفاع السويسرية في خيار فرض الخدمة العسكرية الإلزامية على النساء كجزء من مساعيها الأوسع لتعزيز القوة العسكرية السويسرية. فهل في التجربة النرويجية المعتمدة لنموذج التجنيد المحايد جنسانيا ما قد يفيد صاحب القرار السويسري؟

هذا المحتوى تم نشره يوم 25 يوليو 2022 - 09:00 يوليو,

يدرك الجيش السويسري منذ سنوات أنه قد يواجه نقصا في الموارد البشرية بين صفوفه، وأنه بحاجة إلى إحداث تغييرات جذريّة في سياسات التجنيد. مع ذلك، فإن فكرة الزام النساء بالاتحاق بصفوف الجيش لم تُطرحرابط خارجي جدّيا كحل يحظى بشعبية سياسية قبل عام 2013؛ حين صوّتت الأغلبية الساحقة في البرلمان النرويجي لصالح التجنيد المحايد جنسانيا وهي سياسة لقت صدى كبيرا لدى السويسريين.

وتشير دانيل هامر، المستشارة في شؤون التنوع والجنسانية لدى القوات المسلحة النرويجيةرابط خارجي: "النرويج بلد صغير، وبحاجة إلى أفضل الموارد المتاحة، ولا يمكننا المخاطرة باقتصار التجنيد على جنس واحد فقط".

وعلى خطى النهج النرويجي، تدرُس وزراة الدفاع السويسرية اليوم تفاصيل سياسة "الخدمة الإلزامية عند الحاجة" التي لا تُفرّق بين النساء والرجال. وكانت الحكومة الفدرالية قد أمهلت الوزارة حتى عام 2024 لكي تقدم تقريراً يوضّح تفاصيل هذا الخيار، وخيارين آخرين تهدف جميعها إلى تعزيز القوية العسكرية في ظلّ توقعات بأن الجيش السويسري سيواجه صعوبة في تحقيق هدفه بالوصول الى 140000 مجند ومجندة مع نهاية العقد الحالي.

وزارة الدفاع السويسرية بدأت بالفعل بمراجعة سياساتها على خلفية الحرب المندلعة في أوكرانيا التي أثارت عدة تساؤلات رابط خارجيحول القوة والجاهزية العسكريتين في سويسرا كما في غيرها من البلدان، وكان النقاش العام حول المساواة بين الجنسين الذي احتدّ في السنوات الأخيرة في أعقاب أحداث مثل إضراب النساء عام 2019رابط خارجي سببا آخر لمراجعة السياسات. بيد أن التجربة النرويجية تشير إلى أن ضمّ المرأة واستبقائها في صفوف الجيش يتطلّب أكثر من مجرد إلزام قانوني بالخدمة.

زيادة روافد الكفاءات

وفي إفادة أدلت بها هامر، فإنَّ النرويج، الدولة الإسكندنافية، تركّز على تجنيد الأفضل. ومن ذلك المُنطلق وتحت مظلة نظام الحياد الجنساني المطبّق منذ 2015، فإنَّ عملية الاختيار صارمة ودقيقة جداً تفرض على كل من بلغ  19 عاماً ملء استبيان مطوّل صممته القوات المسلحة التي تقوم بعد ذلك بدعوة من تأهّل للاختبارات البدنية والمقابلات الأخرى.

وتتلقى القوات المسلّحة النرويجية حوالي 000 60 طلب سنويا، يُقبل منها فقط 000 10 ينضمّ مقدموها إلى الخدمة العسكرية التي تستمر 19 شهرا. وبعد انتهاء مدة التدريب الأساسي، تنتقل غالبية القوى البشرية المجنّدة إلى الحرس الوطني الذي يعتبر قوة التعبئة العسكرية السريعة ويستدعى الأسماء المسجّلة على قوائم التدريب للالتحاق بتدريب لمدة أسبوع واحد سنوياً. ويكفي النظر إلى أرقام وإحصائيات القوات المسلّحة لرؤية النجاح الذي حققه نموذج التجنيد الإلزامي، إذ ارتفعت نسبة المجندات النرويجيات من 17% في عام 2015 إلى 32% في عام 2021.

وبحسب نينا هيلوم، الباحثة في مؤسسة أبحاث الدفاع النرويجية (FFI) فإن استدعاء جزء صغير فقط ممن تقدموا بطلبات جعل الخدمة العسكرية تنافسية أكثر ومرغوبة للغاية. وتضيف: "كلّ حصريّ واستثنائي مرغوب... وتحظى مؤسسة الجيش النرويجي بسمعة طيبة، والخدمة فيها إضافة قيّمة للسيرة المهنية."

وعلى نفس النهج، فإن النموذج السويسري الذي هو قيد الدراسة حاليا سيكون انتقائيا أيضا ولن يجنّد الجيش السويسري إلّا من يحتاج. ويبقى مدى تحمّس الشباب للخدمة في مشروع تجنيد موسّع أمراً غير واضح في هذه اللحظة. ومع أن الخدمة العسكرية كان يُنظر إليها في وقت من الأوقات كخطوة مهمة في المسار الوظيفي، إلّا أن طرح خيار الخدمة المدنية كبديلٍ لها في التسعينات جعل الإعراض عن الانخراط في الخدمة العسكرية الإلزامية نزعة عصرية رائجة بين الشباب السويسري. وحتّى يومنا هذا، لا يواظب عدد كبير على حضوررابط خارجي الدورات التنشيطية اللاحقة للخدمة العسكرية، لأن الوظيفة والدراسة تأتي أولا.

وبالنظر إلى نسبة إقبال المرأة السويسرية على الانخراط في الخدمة العسكرية، يبدو أن مؤسسة الجيش قد تواجه صعوبة أكبر في إقناع النساء للالتحاق بالخدمة. إذ لا تتعدى نسبة النساء اليوم 0.9% فقط من إجمالي أفراد الجيش، هذا في ظل السياسات الحالية التي تُرّحب بالمرأة ولا تفرض عليها الخدمة العسكرية الإلزامية فرضا. وتفترض وزارة الدفاع بأن سبب ضعف إقبال النساء على الجيش هو قلة الوعي بالامتيازات التي توفّرها هذه المؤسسة لمنتسبيها. ومع أن المؤسسة العسكرية تُنظم فعالية "اليوم الإعلامي"، إلا أن حضور هذه الفعالية إجباري لجميع الرجال البالغين من العمر 18 عاماً واختياري للنساء. وتدرس الوزارة قرارا يجعل الحضور إجباري للنساء أيضا.

وترى هيلوم أن هذا الإجراء هو خطوة جيدة لإثارة اهتمامهن، وتقول: "لم تكن المرأة العادية في النرويج تفكر في الانضمام للجيش" كخيار وظيفي، إلا أن سياسة التجنيد الإلزامي غيرت انطباعهن عن الجيش. وقد تكون الاختبارات البدنية والعقلية وحضور المقابلات والحصول على المعلومات مباشرة من أفراد القوات المسلحة تجارب مثيرة ومبهرة بحد ذاتها". 

وتضيف قائلة: "مجرد استعراض الفرص المختلفة المتاحة في الجيش –في مجال الطهي أو التمريض أو الخدمات اللوجستية – أدّى إلى ارتفاع النسبة [من النساء المجندات]."

قضية مساواة

من أسباب نجاح سياسة تجنيد المرأة في النرويج أيضا أنها تتناسب تماماً مع قيم البلد، فالنرويج كغيرها من الدول الإسكندنافية تؤمن بالمساواة بين الجنسين، وتُكرم المؤسسات التي تجسّدها. وقد جرى التصويت البرلماني على توسيع نطاق التجنيد الإلزامي ليشمل النساء عام 2013 في الأسبوع نفسه الذي احتفلت فيه النرويج بمرور مائة عام على حصول المرأة على حقها في التصويت.

وكان مشروع السياسة قد لقي قبولا واسعا لدى العامة، ففي عام 2021 أيّد 78% من السكان مواصلة العمل بنموذج التجنيد الإلزامي الجديد.

في هذا الإطار، تقول سانا ستراند، الزميلة الباحثة في المعهد النمساوي للشؤون الدولية والمتخصصة في التجنيد العسكري: "لقي التجنيد الإلزامي المحايد جنسانياً في دول الشمال الأوروبي قبولا واسعا لدى العامّة." وأشارت ستراند إلى أن حكومة السويد، موطنها الأصلي، قدّمت في عام 2017 مشروع سياسة تجنيد مشابه لسياسة النرويج، وتستدرك قائلة "إلا أن هذه السياسة ليست أمرا مسلّما به في جميع السياقات والبلدان".

ففي سويسرا مثلا ومن أجل فرض الخدمة العسكرية الإلزامية على النساء، يلزم إحداث تغييرات في دستور الدولة التي تتطلب بدورها استفتاء شعبيّ يقرّ فيه الناخبون هذه التغييرات. ووفقا لدراسة استقصائية رابط خارجيأجراها مركز الدراسات الأمنية (CSS) في المعهد التقني الفدرالي العالي في زيورخ (ETH) ارتفع معدّل تأييد الخدمة الإلزامية المحايدة جنسانيا منذ عام 2015 بمقدار 14 نقطة مئوية ليصل إلى 67% في عام 2021. وتشير تخمينات مركز الدراسات الأمنية إلى أن هذا التحول قد يكون بسبب تزايد أهمية النقاش العام حول المساواة بين الجنسين، وقد يعود أيضاً إلى تزايد عدد النساء اللواتي يلتحقن بالقطاع الأمني، ففي عام 2019 كانت فيولا أمهيرد أول امرأة تشغل منصب وزيرة الدفاع في البلاد وجعلت أولى أولوياتها تجنيد المزيد من النساء في الجيش، وتطمح أمهيرد أيضا أن تصل نسبة النساء في المؤسسة العسكرية إلى 10% في غضون 10 سنوات.

الخدمة العسكرية في سويسرا

يُلزم جميع الرجال السويسريين القادرين جسديًا ببدء الخدمة العسكريةرابط خارجي بين سن 19 و25 عامًا تقريبًا، وأن يلحتقوا بالدورات التنشيطية المنتظمة بعد انتهاء فترة الخدمة العسكرية الإلزامية. ويمكن للمستنكفين الضميريين الذين يرون التجنيد والخدمة العسكرية معارضة لمبادئهم الأخلاقية أن يختاروا الخدمة المدنية البديلة التي يمكن استكمالها في مؤسسات مختلفة مثل المستشفيات أو دور الرعاية الصحية.

وفي عام 1995، فُتح باب التطوّع في الخدمة العسكرية أمام النساء. وفي عام 2004، أصبحت جميع المناصب في الجيش متاحة للنساء.

ينتهج الجيش السويسري نموذج "الخدمة الإلزامية عند الحاجة"، واستنادا إلى هذا النموذج يتم تجنيد الأفراد في الجيش وخدمة الدفاع المدني وفقاً للحاجة. ويتبّع الجيش سياسة عدم الإكراه على الخدمة دون إرادة.

ومن ضمن المساعي الأخرى لتعزيز الجيش تدرس وزارة الدفاع خيارين آخرين، أولهما هو "الخدمة الإلزامية في قطاع الأمن" تطرح فيه اقتراح دمج خدمات الدفاع المدني والخدمات المدنية لتشكيل هيكلا جديدا. وأمّا الخيار الثاني فيقترح إلزام النساء بحضور فعالية اليوم الإعلامي الخاص بالجيش والدفاع المدني.

وفي حال اعتماد أي من الخيارين السابقين، فإن التشريع يتطلب تغييرا دستوريا.

End of insertion

وقد أيدت الوزيرة في وقت سابق من هذا العام اقتراحاً قُدّمَ إلى البرلمان يجعل حضور  اليوم الإعلامي الخاص بالجيش إلزامياً للمرأة قائلةرابط خارجي: "ستكون نقطة البداية، في سياق يُطرح فيه موضوع المساواة بين الجنسين وموضوع المساواة في المعاملة باستمرار." وكانت إدارة أمهيرد اتخذت عدة خطواترابط خارجي لجذب المزيد من المجندات ومن ضمن هذه الخطوات تعيين مستشارة خاصة بشؤون التنوع وافتتاح وحدة تعنى بالشؤون الجنسانية.

غير أن هذا لا يعني أن البلد على استعداد لقبول التجنيد الإلزامي المحايد جنسانياً. بل إن أمهيرد نفسها أكّدَت للبرلمان بأنَّ إلزام المرأة بحضور اليوم الإعلامي لم يكن يشبه فرض الخدمة الإلزامية. وفي دراسة استقصائية أجريت لإعداد تقرير وزاريرابط خارجي نشر في وقت سابق من هذا العام حول تعزيز الجيش، يرى البعض أن قرار توسيع نطاق التجنيد ليشمل المرأة لربما كان سابقاً لأوانه، وكان التبرير أنَّ المساواة في مجالات المجتمع الأخرى كالعمل ورعاية الأطفال لم تتحقق بعد.

وتشعر الرابطات النسائية أيضاً بالقلق من أنَّ حضور الدورات التنشيطية التي تدوم الواحدة منها ثلاثة أسابيع، تزيد من الأسباب التي تعرقل الحياة الوظيفية للمرأة، ففي ظلّ السياسات الحالية لتوزيع إجازة رعاية الأطفال (14 أسبوعا للأمهات مقابل أسبوعين للآباء) تغيب الأمهات عن العمل لفترات أطول، أمّا في النرويج فيمنح الوالدان الجديدان خيار اقتسام الإجازة التي مدتها 48 أسبوعاً مناصفةً بينهما.

التجنيد لا يضمن الاستمرار

يجب التنويه إلى أنَّ نظام التجنيد المقترح لا يضمن ارتفاع نسبة النساء اللاتي سيخترن الاستمرار في الجيش. فقد أظهرت التجربة النرويجية أن نسبة النساء اللواتي يشغلن مناصب عسكرية في القوات المسلحة ارتفعت بنسبة 5% فقط على إثر السياسة الجديدة، إذ بلغت 15٪ في عام 2021 مقارنة بنسبة 10٪ في عام 2015. أمّا نسبة النساء في رتب عليا فهي أقل من ذلك، فلا تتعدى نسبة الضابتات 11% فقط من إجمالي هذه الرتبة.

وتحذر ستراند من أن "وجود قانون يفرض التجنيد الإلزامي المحايد جنسانياً لا يُترجم تلقائيا إلى قوة عسكرية متساوية بين الجنسين؛ سواء من الناحية الكمية أو النوعية".

وتعترف هامر، مستشارة الشؤون الجنسانية، بأن التقدم كان بطيئاً في بعض الجوانب، وتقول: "نعتقد أن التمثيل المنخفض نسبياً للمرأة في بعض أركان الجيش سيؤثر على رغبة النساء في الاستمرار في القوات المسلحة." وأضافت بأن التجنيد المحايدة جنسانيا هي الأولوية، بغضّ النظر عن الرتبة أو المجال". 

وتعمل القوات المسلحة أيضاً على تحسين ظروف الخدمة للمرأة بما في ذلك تعديل الزي الرسمي وتجهيز الثكنات والمرافق الأخرى وتوفير الإقامة المشتركةرابط خارجي لتشجيع الاندماج وتقديم المزيد من الدعم للأفراد المُعيلين. وتضيف هامر إن توفير السدادات القطنية وغيرها من المنتجات الصحية مجانا للمجندات في الميدان هو من المبادرات التي "ترسل إشارة قوية".

ولكن الجيش يحتاج أيضاً الى معالجة مشكلة الرضا الوظيفي، فعدد النساء اللاتي يتركن عملهن يفوق عدد الرجال على الرغم من سياسة المساواة في الأجور التي تتبعها القوات المسلحة النرويجية. وتشير كاري رورين ستراند الباحثة في مؤسسة البحوث الدفاعية النرويجية (FFI) إلى استطلاع أجري عام 2020 ذكر فيه كلا الجنسين أسبابا متشابهة لقرار ترك الخدمة العسكرية مثل الدراسة أوالبحث عن فرص عمل جديدة.

وتقول ستراند: "في الأغلب لم يكن هناك رضا تجاه الحياة المهنية أو الإمكانيات المهنية المستقبلية ضمن المؤسسة، وعبرت نسبة أكبر من النساء عن عدم الرضا اتجاه الشخص المسؤول عنهن وأنهن "مستنزفات" في القوات المسلحة."

ومع أن نسبة قليلة فقط من النساء بلغت 3% ذكرن التحرش الجنسي أو التنمر كسبب للمغادرة، إلا أن نتائج استطلاع آخر أجري في عام 2020 أظهرت أنَّ 40% من الموظفات والمجندات أبلغن عن تعرضهن لإحدى أشكال التحيز الجنسي في السنة السابقة.

وعلى الرغم من التقدم الملموس في مجال المساواة في النرويج والسويد فإن نسبة الرجال اللذين يُحتمل أن يظهروا الحماس نحو انضمامهم إلى الجيش لا تزال أكبر من نسبة النساء. وترجّح سانا ستراند أن هذا السلوك مرتبط ببعض التوقعات الاجتماعية المتأصّلة.

وتقول: "هناك آثار كبيرة مترتبة [على صنع القرار] بعضّ النظر عمّا إذا كان جيل الشباب يرى الخدمة العسكرية خيارا أم لا، إذ لا يزال لفظ "جنديّ" مرتبط بدلالات مجتمعية ذكورية."

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟