Navigation

بعد الدنمارك.. هل ستقوم سويسرا بترحيل لاجئين إلى دمشق؟

تعتقد سلطات الهجرة الدنماركية أن منطقة دمشق آمنة بما يكفي للتفكير في إعادة اللاجئين السوريين إليها. Keystone / Muzaffar Salman

يعيش اللاجئون السوريون بأمان في أوروبا. ولكن لم يعد الأمر كذلك في الدنمارك، حيث تعتبر كوبنهاغن أنه من الممكن إعادتهم إلى منطقة دمشق، التي تراها إدارة شؤون الهجرة منطقة آمنة. فهل يُمكن لهذه السابقة في أوروبا أن تؤثر على القواعد المُحدَّدة من قبل سويسرا لإعادة اللاجئين؟

هذا المحتوى تم نشره يوم 29 مايو 2021 - 11:00 يوليو,

تُعدُّ الدنمارك واحدة من أكثر الدول الأوروبية صرامة فيما يتعلق بقوانين الهجرة واللجوء. وهو ما ذكره رئيس الوزراء ميت فريديريكسن علناً في شهر يناير الماضي عندما قال إنَّ هدفه هو «عدم وجود أي طالب لجوء». وقد تجسَّد انسجام نهج الحكومة الاشتراكية ـ الديمقراطية في الآونة الأخيرة من خلال عدم تجديد الإقامات المؤقتة لعدد من اللاجئين السوريين من قبل إدارة شؤون الهجرة الدنماركية.

هذا التوجه سيؤثر على الأشخاص المنحدرين من دمشق وضواحيها، لأنَّ الدنمارك تُصنّف هذه المنطقة على أنها آمنة. ولكن مع انعدام وجود علاقات دبلوماسية بين الدنمارك وسوريا، لن يتم ترحيل أي شخص في الوقت الحالي. ومع ذلك، تمَّ بالفعل إرسال أوائل السوريين المعنيين إلى مراكز الترحيل، لأجل غير مسمّى. أما أحد أسباب عدم التعاون المذكور بين البلدين فهو أنَّ الدنمارك "ليس لديها سفارة في دمشق.. لأسباب أمنية"، كما نقلت مختلف وسائل الإعلام بسخرية.

الدنمارك هي الدولة الوحيدة في أوروبا التي توصَّلَت إلى هذا التقييم للوضع في سوريا. والحرب الأهلية الدائرة منذ عقد من الزمن هي واحدة من الصراعات النادرة التي حققت الإجماع فيما يتعلق بسياسة اللجوء: الإعادة إلى الوطن غير مقبولة. ويعود السبب في ذلك إلى وحشية نظام بشار الأسد، الذي يستمر في تجاهل جميع المعايير المتعلقة بحقوق الإنسان في نزاعه ضد قوى المعارضة.

الممارسات الدولية

من جهتها، تمتنع سويسرا عموماً عن القيام بإعادة اللاجئين إلى وطنهم. ومنذ عام 2011، تقدَّم أزيد من عشرين ألف سوري بطلب للجوء، حصل ثلثاهم تقريباً على إقامة مؤقتة. ومعنى ذلك أنَّه يتعيّن عليهم نظريا  - على الرغم من السماح لهم بالبقاء في سويسرا - أن يعودوا إلى وطنهم الأصلي لدى انتهاء الصراع واعتبار البلد آمناً من جديد.

في هذا السياق، يبدو قرار الحكومة الدنماركية هاماً. فمن الناحية الرسمية، تستند تقييماترابط خارجي أمانة الدولة للهجرة إلى توضيحاتها ومصادرها الخاصة بها. بالإضافة إلى ذلك، يجب على أمانة الدولة أن تأخذ سياسة المحكمة الإدارية الفدرالية في هذا المجال بعين الإعتبار. مع ذلك، فإن للمناخ المحيط أهمية أيضاً: فكلما ازداد عدد البلدان التي تُصنّف دولة ما على أنها آمنة، كلما ازداد عدد الدول الأخرى التي تحذو حذوها. وهذا هو السبب الذي جعل وكالات الإغاثة تعتبر أن قرار الدنمارك يُشكل "سابقة خطيرة".

وتقول أنجيلا ستيتلر، القانونية في المنظمة السويسرية لمساعدة اللاجئينرابط خارجي أنه «يُمكن لممارسات الدول الأخرى أن تلعب دوراً». وتشير إلى أنه في حال هَدَأَ الوضع في سوريا، فقد تغيّر السلطات السويسرية هي الأخرى طريقة تعاملها مع الإقامة المؤقتة.

وسويسرا لديها في الأصل ممارسة للترحيل، بحسب منطقة البلد المعني. إلى أفغانستان وليبيا والصومال والعراق، على سبيل المثال، تعتبر أمانة الدولة للهجرة أنَّ بعض المدن أو المناطق مُستقرّة. وبالتالي، يمكن ترحيل الأشخاص إليها في بعض الحالات. ولا يعني الأمر سوى بضع عشرات الحالات في السنة، لا سيما وأنَّ الترحيل غالباً ما يكون مستحيلاً لأسباب عملية ـ كأن لا يكون هناك وجود لمطار في المنطقة على سبيل المثال.

بشكل عام، هناك الكثير من الغموض حول أولئك الذين فرّوا، لأنَّ الأوضاع متقلبة في بلدانهم الأصلية، خاصة في الشرق الأوسط، وفقاً لأنجيلا ستيتلر. لنأخذ مثال أفغانستان، حيث ستنسحب آخر القوات الأمريكية بحلول شهر سبتمبر المقبل. ومن الواضح أنَّ طالبان ستستعيد السلطة أو ستجر الحكومة القائمة إلى حرب أهلية. 

وليست هذه المرة الأولى التي تُحدِث فيها الدنمارك انتهاكاً بشأن الترحيل. فقد سبق أن فعلت كوبنهاغن ذلك في عام 2014 مع إريتريا. وكانت الدنمارك أول دولة ترسل بعثة لتقصي الحقائق هناك لجمع معلومات على أرض الواقع. وانتهى تقريرها إلى أنَّ العودة إلى إرتيريا كانت مُمكنة في بعض الحالات. وانتُقِدَ التقرير بشدة على الصعيد الدولي، لا سيما من قبل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وسرعان ما نأت الدنمارك بنفسها عن التقرير، ولكن سياسيين من بلدان أخرى جعلوا منه مرجعاً. فأصدرت بريطانيا، بعد عام من ذلك، توجيهات جديدة أشارت بشكل صريح إلى تقرير الدنمارك. واليوم، تعتبر سويسرا أنَّ العودة إلى إرتيريا "معقولة".

ضغط من الشعبويين اليمينيين

لاقى قرار الحكومة الدنماركية الحالي بشأن سوريا انتقاداً حاداًرابط خارجي من قبل مجموعة من المتخصصين المذكورين في تقييم إدارة الهجرة الدنماركية. واشتكى الخبراء من عدم أخذ استنتاجاتهم بعين الاعتبار بما فيه الكفاية. وفي نهاية الأمر، يُظهر الانتقاد أنَّ القرار بتصنيف بلد ما أو منطقة ما على أنهما «آمِنَين» هو قرار سياسي بامتياز.

والمثير في هذه القضية، هو أنَّ الاشتراكيين الديمقراطيين (يسار) هم الذين يقومون بتطبيق القوانين الجديدة لسياسة اللجوء. ويعزو البروفسور ميكائيل باغسن كليتغارد، الذي يدير قسم السياسة والمجتمع في جامعة آلبورغ، هذا الوضع إلى التشكيلة السياسية الموجودة في البلاد: «من أجل الفوز بالأغلبية، انتقلوا بشكل كبير نحو اليمين فيما يتعلق بسياسة الهجرة».

في التسعينيات، كان الاشتراكيون الديمقراطيون متواجدين في السلطة بشكل واسع. ويقول البروفسور أنه خلال هذا العقد، بدأت مسألة الهجرة تهيمن على النقاشات، ما أدى إلى صراعات تيارات في داخل الحزب. كما شهدت السنوات الأخيرة أيضاً صعود حزب يميني شعبوي قام بتغذية هذه القضية على مر السنين. وبذلك، صارت سياسة الهجرة واللجوء، الصارمة جداً مقارنة مع باقي الدول الأوروبية، استراتيجية للاشتراكيين الديمقراطيين للثبات أمام الأحزاب اليمينية.

ويبدو أنَّ بعض الاشتراكيين الديمقراطيين يعتقدون أيضاً أنه يجب حماية دولة الرفاهية الدنماركية السخية، لا سيما من خلال وضع قيود على الهجرة. ومن خلال سياساتهم التقييدية للغاية، فهم يريدون "تجنّب استهداف الأحزاب اليمينية لهم"، بحسب الخبير السياسي الدنماركي. وحتى الآن، يبدو أنهم نجحوا. حيث وصل الاشتراكيون الديمقراطيون، في الوقت الحالي، إلى أعلى نسبة تأييد لهم منذ عدة عقود.

لن يكون هناك ترحيل من قبل سويسرا

هل سيشكل نموذج الدنمارك سابقة في أوروبا؟

معظم الدول لديها موقف حذر تجاه سوريا. في سويسرا أيضاً، لا شيء يُنذر بتغيير الممارسة المُتبعة حالياً. وكما تمَّ التأكيد لنا عبر رسالة بالبريد الالكتروني، فإن أمانة الدولة للهجرة والمحكمة الإدارية الفدرالية «لا تزالان تعتبران تنفيذ الترحيل إلى سوريا إجمالاً غير معقول، بسبب الوضع العام السائد بالنسبة للأمن وحقوق الإنسان بالإضافة إلى النزاعات المسلحة المستمرة في مناطق متفرقة من البلاد [...]». وهو ما ينطبق أيضاً على العاصمة دمشق.

كما كتبت أمانة الدولة للهجرة أنه «لكي تصبح العودة إلى سوريا معقولة بشكل عام، يجب أن يتحسن الوضع الإنساني والأمني على الأرض وأن يستقر الوضع على المدى الطويل». وبعد إعادة انتخاب بشار الأسد لولاية رابعة على رأس البلاد في 26 مايو الجاري، يبدو من المرجح ألا تُغيّر هذه الانتخابات، المرفوضة سلفا من قبل ثلاثة من الأعضاء الخمس الدائمين في مجلس الأمن الدولي، الطبيعة القمعية لنظام الأسد.

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد:

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟