Navigation

ثورة ديمقراطية صامتة في أوروبا

مظاهرة نظمت في بروكسل يوم 9 مايو 2002 بمناسبة "اليوم الأوروبي للحرية والسلام والديمقراطية". مع اندلاع الحرب في أوكرانيا، تتزايد الرغبة في مزيد من المشاركة السياسية داخل الاتحاد الأوروبي. Keystone / Stephanie Lecocq

لقد أدت الحرب التي شنتها روسيا على أوكرانيا إلى إحداث تغيّر في موازين القوى داخل أوروبا. ففي بلدان الاتحاد الأوروبي، تتزايد الرغبة في مشاركة الشعب في اتخاذ القرارات السياسية كما تتنامى المطالبة بها. وقد كان أحد العلامات الفارقة ذلك الاقتراع الذي أجري في سويسرا يوم 15 مايو الجاري بشأن تمويل الوكالة الأوروبية لمراقبة الحدود "فرونتكس".

هذا المحتوى تم نشره يوم 18 يونيو 2022 - 09:00 يوليو,

فقد شهدت عطلة نهاية الأسبوع الثاني من شهر مايو الماضي تمكن الناخبين والناخبات في بلد من بلدان القارة لأول مرة من إبداء رأيهم حول تطوير إحدى الوكالات التابعة للإتحاد الأوروبي. واللافت للنظر في هذا الشأن هو أن هذا الاقتراع الشعبي لم يُجرَ في إحدى دول الاتحاد، بل في سويسرا. ولقد أعرب 71،5% من الناخبينرابط خارجي عن تأييدهم لتطوير الوكالة الأوروبية لحرس الحدود وخفر السواحل المعروفة باسم "فرونتكس" التي تضطلع بمهمة مراقبة الحدود الأوروبية الخارجية. وتشارك سويسرا بصفتها إحدى الدول الأعضاء في اتفاقية شنغن في تمويل هذه الوكالة.

ومن الجدير بالذكر أن هذا القرار بشأن وكالة "فرونتكس" يمثل الاقتراع الشعبي الثالث والستين الذي تجريه إحدى دول القارة الأوروبية بشأن مسألة أوروبية خلال الخمسين عاماً الأخيرة. ولقد تم إجراء ثلاثة عشر اقتراع منها في سويسرا، وهي الدولة غير العضو في الاتحاد الأوروبي، والتي لم تُجر أبدا - على العكس من العديد من الدول الأخرى - اقتراعاً وطنيا مباشراً حول مسألة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

ألبرتو أليمانّو zVg

إلا أن الرأي العام الأوروبي لا يُلقِي بالاً لهذه الإنجازات الديمقراطية. ذلك أن الأنظار كلها موجهة الآن نحو الحرب الروسية في أوكرانيا وما يترتب عنها من عواقب. فأوروبا منشغلة حالياً بتأمين نفسها بصورة أفضل في مواجهة روسيا.

"إن الحرب في أوكرانيا تغيّر الوعي الأوروبي حالياً بوتيرة عالية"، على حد قول ألبرتو أليمانو، أستاذ القانون بجامعة نيويورك. وتتمثل إحدى النتائج المباشرة في التوسع الحالي لحلف شمال الأطلسي العسكري الغربي نحو الشمال، ليشمل دولتين كانتا حتى الآن مُحايدتين، وهما فنلندا والسويد.

كذلك الحال بالنسبة للدنمارك، التي سوف تُجري اقتراعاً في شهر يونيو المقبل بشأن تقاربها مع السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة للإتحاد. "إن الصراع الدائر في أوكرانيا، لا يخصها وحدها، بل إنه اختبار لصلابة كل شيء نؤمن به، المبادئ والديمقراطية وحقوق الإنسان والسلام والحرية"، على حد تصريحات رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن حينما أعلنت عن ذلك الاقتراع الشعبي المرتقب بشأن أوروبا. وتبعا لذلك، سوف يشهد شهر يونيو بالفعل الاقتراع الأوروبي الرابع والستين.

محتويات خارجية

من جهته، يعتبر الخبير في الشؤون السياسية، الدنماركي-البريطاني مات كفورتروب، الذي يقوم بالتدريس في جامعة كوفنتري البريطانية، هذه القرارات الشعبية دليلاً واضحاً على مقاومة الاستبداد، الذي استشرى في الأعوام الأخيرة على مستوى العالم، ويقول: "يُثبت لنا التاريخ كيف يصبح الحكام في وقت الأزمات فقط على استعداد لاقتسام سلطتهم مع المواطنين والمواطنات. إننا نعيش الآن مثل هذه الأوقات".

وينعكس هذا على الاتحاد الأوروبي أيضاً. فمؤخراً أصبح الحافز الديمقراطي الحالي ملموساً، خاصةً بعد الإعلان عن نتائج ما يُعرف باسم "مؤتمر المستقبل". حيث أعلن الرئيس المشارك في المؤتمر ورئيس الوزراء البلجيكي السابق غي فيرهوفشتات، بعد إعلان النتائج: "إن الحرب على أوكرانيا تبين أنه على الاتحاد الأوروبي أن يُطور من نفسه".

فبخلاف مشاركة ممثلي مؤسسات الاتحاد الأوروبي من سبع وعشرين دولة عضوة، شهد المؤتمر الذي انعقد قبل عام أيضاً مشاركة 800 مواطناً ومواطنة من جميع أنحاء أوروبا وقع اختيارهم عن طريق القرعة العشوائية.

ولقد تم التفاهم بشأن 325 مقترحاً محدداً على الأقل، من بينها إصلاحات ديمقراطية محورية، مثل اعتماد اقتراعات شعبية على المستوى الأوروبي، ووضع قوائم انتخاب مشتركة لانتخابات برلمان أوروبا، وإلغاء مبدإ الإجماع (المعمول به حاليا) في الكثير من المجالات السياسية.

دانيالا فانشيتش zVg

في سياق متصل، تصرح دانيلا فانشيك، التي تابعت مؤتمر المستقبل من داخل المنتدى الفكري "الديمقراطية العالمية" بمدينة كولن الألمانية: "لقد حانت لحظة القفزة الديمقراطية النوعية في أوروبا"، وتضيف موضحةً: "إن الفيصل حالياً هو إقناع أغلبية من حكومات الدول الأعضاء، بالموافقة على عملية تعديل للاتفاقيات" السارية.

بالفعل، تتفق أغلبيات داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي الأساسية حول المطالب الهامة التي أقرها "مؤتمر المستقبل". كما يدعم البرلمان الأوروبي الدعوة لانعقاد الجمعية الدستورية. فبعد ذلك بعدة أيام، أعلن إيمانويل ماكرون، الرئيس الفرنسي الذي أعيد انتخابه مؤخراً والرئيس الحالي لمجلس أوروبا: "علينا أن نجري إصلاحات على نصوصنا. وأحد هذه الطرق نحو الإصلاح المرجو تتمثل في الدعوة لانعقاد إحدى الجمعيات لمراجعة الاتفاقيات".

صحيح أن الدول الصغرى العضوة في الاتحاد الأوروبي تُعارض هذا التطور، لأنها تخشى من أن يؤدي تعزيز الآليات الديمقراطية على المستوى الأوروبي إلى إضعاف نفوذ الدول نفسها. ولكن المواطنين والمواطنات يرون أن "مؤتمر المستقبل" يطرق أبواباً مفتوحة. وهذا ما أوضحته إحدى الدراسات الحديثة التي أجراها مركز "gfs.bern" لاستطلاعات الرأي والأبحاث في العاصمة السويسرية.

محتويات خارجية

فبحسب هذه الدراسة، تؤيد أغلبيات واضحة من المواطنين والمواطنات في جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، إمكانية المشاركة في اتخاذ القرار مستقبلاً حول المسائل ذات الطابع الأوروبي، سواء كان ذلك في إطار اقتراعات وطنية أو أوروبية مشتركة.

انطلاقاً من آخر اقتراع شعبي أجري في سويسرا حول وكالة "فرونتكس"، فإن هذه الدراسة الأوروبية المقارنة تحلل فضلاً عن ذلك مدى الرغبة في إجراء اقتراعات مماثلة بشأن هذه الوكالة الأوروبية في مختلف دول القارة. فباستثناء الدول الاسكندنافية وهولندا، تؤيد أغلبيات أوروبية أيضاً إمكانية إجراء استفتاء في هذا الصدد.

دانيال غراف livingpool-photography

ختاماً، يؤكد دانيال غراف من مؤسسة الديمقراطية المباشرة، وأحد المكلفين بإجراء تلك الدراسة، أن مثل هذه القرارات الشعبية "توضح مدى فعالية الاستفتاءات في إثارة النقاشات المجتمعية". كذلك، يقرر المسؤول الثاني عن الدراسة والخبير الاقتصادي لوتسويس مايسر بدوره: "إن أوروبا قد أصبحت ناضجة لممارسة الديمقراطية المباشرة. وتبرهن الدراسة على أن الناخبين يُمكنهم تكوين رأي سياسي والمشاركة بصورة أكبر".

انقر هنا للاطلاع على الدراسة التي أنجزها معهد gfs.bern لاستطلاعات الرأي والأبحاث (بالألمانية): 

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟