Navigation

الدستور السويسري.. حلّ وسط بين الديمقراطية والفدرالية

كانت صياغة الدستور الفدرالي لعام 1848 بمثابة إنجاز عبقري في مهد الدولة الفدرالية السويسرية. فقد حرص واضعوه على أخذ الكانتونات بعين الاعتبار ومهّد بالتالي الطريق لميلاد أوسع ديمقراطية مُمكنة، لكنها كانت بعيدة عن بلوغ الكمال. فقد تبع ذلك حدوث أزمات وشيء من الظلم. 

هذا المحتوى تم نشره يوم 06 يونيو 2022 - 17:35 يوليو,
كلود لونشان (النص)، كارلو بيزاني (فيديو)، رينات كونتسي (الفكرة)

في 12 سبتمبر 1848، تبنى اجتماع ممثلي الكانتونات "Tagsatzung"  التابع للكنفدرالية السويسرية أول دستور للدولة الفدرالية الحديثة. تمت صياغته من قبل ممثلي جميع الكانتونات الذين التقوا في المكان الذي يُعرف اليوم بمطعم  "Zum Aeusseren Stand". وخلال خمسين يومًا، تم وضع  أول أساس للديمقراطية السويسرية، أي قانونها الأساسي.

بعد يومين فقط من اعتماد الدستور الفدرالي رسميًا، تمت الدعوة لأول انتخابات برلمانية، وكانت هذه العلامة الأكثر وضوحًا للديمقراطية الفتية التي تم رسم معالمها للتو. فقد كان من المقرر انتخاب ممثلي الشعب حسب الكانتون.

بعد ذلك، كان على الأعضاء في مجلسي النواب والشيوخ تشكيل الحكومة الفدرالية، أي السلطة التنفيذية على المستوى الوطني بشكل مشترك.

سلسلة "بؤر ساخنة في الديمقراطية السويسرية" مع كلود لونشون

صُمّمت هذه السلسلة متعددة الأجزاء لتتناسب تماماً مع كاتبنا: فالخبرة متعددة الجوانب التي يتمتع بها كلود لونشون تجعل منه شخصا مؤهلا لاستنطاق تلك الأماكن التي شهدت أحداثاً هامة.

لقد ساهم لونشون بصفته مؤسساً لمركز أبحاث الديمقراطية gfs.bern بالعاصمة برن في رفع مستوى الدراسات السياسية في سويسرا إلى مستوىً جديد. وهو يُعدّ اليوم أكثر المحللين السياسيين خبرةً في سويسرا. كما أنه مؤرخ. ومن خلال جمعه بين هذين المجالين، يقوم لونشون باعتباره واحداً من "جوالة المدينة" منذ أمد بعيد، بتنظيم جولات تاريخية عبر أزقة ومعالم العاصمة برن وغيرها من المواقع السويسرية، وهي الجولات التي تلقى إقبالاً واسعاً.

"لونشون يصنع الديمقراطية"، هكذا كتب أحد الصحافيين ذات مرة بشأن "جولات المدن" التي يُتيحها لونشون انطلاقا من برن.

فضلاً عن ذلك، فإن لونشون مدّون متحمّس: حيث يتناول في مدونة زوون بوليتيكون Zoonpoliticon رابط خارجي موضوعات خاصة بالعلوم السياسية. وبوصفة أحد "جوالة المدينةرابط خارجي"، فإنه يستنطق تلك الأماكن، التي لعبت دوراً هاماً في تطور الديمقراطية في سويسرا.

كما أنه ينشر مقالات دورية في منصات فيسبوكرابط خارجي، وإنستغرامرابط خارجي، وتويتررابط خارجي.

End of insertion

وكانت هذه الأحداث بالفعل المحاولة الثالثة لإنشاء ديمقراطية حديثة: الأولى بدأتها فرنسا عام 1798 لكنها فشلت فشلاً ذريعاً بعد خمس سنوات. أما المحاولة الثانية، فقد بدأتها الكانتونات الأولى التي تم تشكيلها ديمقراطياً في عامي 1830 و 1831 ولكنها غرقت في مقاومة المحافظين والراديكاليين.

نجحت المحاولة الثالثة لأنها كانت تسوية حكيمة بين مبادئ الديمقراطية النقية والفدرالية البحتة

End of insertion

نجحت المحاولة الثالثة لأنها كانت تسوية حكيمة لمبادئ الديمقراطية النقية والفدرالية البحتة. أعطت هذه الديمقراطية الدولة الفدرالية الناشئة أكبر سوق داخلي للاقتصاد الصناعي الناشئ بمباركة الدبلوماسية من بريطانيا العظمى.

لكن كل هذا لم يحدث دون المرور بالحرب الأهلية الأخيرة في سويسرا. لقد حدث ذلك قبل أقل من عشرة أشهر من تأسيس الدولة الجديدة. وكان للصراع القصير، الذي أودى بحياة 90 شخصًا، تأثير كبير على سير البلاد.

تجربة محفوفة بالمخاطر

ما نجحت سويسرا في القيام به عام 1848 فشل في كل مكان آخر. لقد كانت هناك بالفعل ثورات بورجوازية في مدن مثل باريس وميونيخ وبرلين وفيينا وباليرمو والبندقية. لكنها لم تؤسّس دولة دائمة. فقد تمكنت الأنظمة الملكية من استعادة السلطة في كل الحالات.

ضربةٌ عبقرية وعمل فني: أول دستور فدرالي كما رسمه الفنان لورينتس لوتي. Nationalmuseum

كانت القفزة إلى الحداثة الديمقراطية محفوفة بالمخاطر أيضًا في سويسرا، لأنه لم يكن بإمكانها إلغاء المعاهدة الفدرالية لعام 1815، التي سنها مؤتمر فيينا. وتم الاستمرار بموجبها.

حققت انتخابات عام 1848 انتصارًا ساحقًا للديمقراطيين الأحرار (Freisinnigen) وهو الاسم الذي أطلق على تجمّع الليبراليين والراديكاليين بعد توحّدهم في كيان جامع، وحصلوا على  أغلبية بحوالي 70٪ في البرلمان.

بناء على ذلك، استطاع الديمقراطيون الأحرار تشكيل الحكومة الفدرالية وفق أفكارهم الخاصة. إذ حصل كل من كانتون برن وزيورخ وفو على مقعد دائم في الحكومة الفدرالية، بينما كان على الكانتونات الأخرى أن تتقاسم المقاعد الأربعة المتبقية. وحصلت الأقليات الناطقة بالفرنسية والإيطالية على مقعد واحد والكاثوليك على حقيبتين وزاريتين.

محتويات خارجية

تم انتخاب سبعة وزراء من الديمقراطيين الأحرار في 16 نوفمبر 1848، وكانت هذه الهيمنة على السلطة بمثابة دلالة واضحة على مدى التأييد السياسي، حيث مثلوا الليبراليين المعتدلين والراديكاليين. حينها، شعر الديمقراطيون الأحرار بالسيادة الكافية لإلغاء المعاهدة الفدرالية القديمة.

النموذج الأمريكي

إثر ذلك، أصبحت مدينة برن مقر البرلمان والحكومة. لم تُصبح عاصمة البلاد، لكنها كانت المدينة الفدرالية على الأقل.

على الرغم من تبني النموذج الأمريكي، كانت هناك نقطتان شائكتان: تصميم مبنى البرلمان وانتخاب الحكومة الفدرالية.

في حالة البرلمان، تم اتخاذ القرار أخيرًا لصالح نظام متوازن من غرفتين. ظلت الكانتونات ذات سيادة طالما لم يتعلق الأمر بقضايا وطنية. بالنسبة للحكومة الفدرالية، لم تكن هناك انتخابات شعبية على غرار النموذج الأمريكي. وبدلاً من ذلك، تقرر تشكيل حكومة جماعية من قبل البرلمان.

مع ذلك، اتفق زعماء الديمقراطيين الأحرار فيما بينهم على أن جميع أعضاء الحكومة الفدرالية سيستقيلون في نهاية الفترة التشريعية التي مدتها ثلاث سنوات ويترشحون بعدها لمجلس النواب. وأن أولئك الذين سيتم انتخابهم لعضوية البرلمان سيكونون - وحدهم - مؤهلين لإعادة انتخابهم ضمن تشكيلة الحكومة الفدرالية.

شكّل هذا الإجراء المكون من مرحلتين ما يسمى بالانتخابات التكميلية، والتي ظلت سارية حتى تسعينيات القرن التاسع عشر، دون الاستناد إلى أساس دستوري. بعد ذلك، تم إلغاء الانتخابات التكميلية لأنها تتعارض مع مبدإ الفصل بين السلطات.

لم يكن اعتماد الدستور الجديد خاليا من العقبات. لأن "الشعب" بالمعنى السياسي للكلمة لم يكن موجودًا بعدُ. كانت هناك شعوب كانتونات فقط. في النهاية، أيّدت خمسة عشر كانتونا ونصف  كانتون واحد (مقابل ستة كانتونات ونصف كانتون واحد) تبني الدستور. وكان هذا التأييد كافيًا لاجتماع ممثلي الكانتونات للقبول بالدستور الجديد.

كان على الكانتونات الخاسرة أن تقرر ما إذا كانت تريد قبول القرار الشامل بروح الديمقراطية أم لا. وفي نهاية المطاف، اضطرت الكانتونات المعارضة إلى القيام بذلك أيضا. لقد كانت هذه ساعة الصفر في مسار السياسة السويسرية الحديثة.

حدود الديمقراطية المبكرة

لم تكن الديمقراطية التي ُولدت عام 1848 كاملة. من منظور اليوم، عاب هذه الديمقراطية غياب حق المرأة في التصويت. مجتمع الرجال، الذي قويت شوكته خلال الحرب الأهلية، لم يطرح حتى هذا السؤال.

كما لم تكن هناك استفتاءات منظمة حتى عام 1874، ولم تكن هناك أيضا محكمة فدرالية ثابتة حتى ذلك الحين. وحتى القانون الجنائي، فقد ظل حينها من اختصاص الحكومة الفدرالية.

أنظمة الحكم الجمهورية

سويسرا لا تتناسب مع النظام الكلاسيكي للجمهوريات، الذي ينقسم إلى برلماني ورئاسي.

على الرغم من أن الحكومة الفدرالية لا يتم انتخابها بشكل مباشر من قبل الشعب، إلا أنه لا يُمكن للبرلمان إعادة انتخاب هذه الحكومة بشكل فردي أو كلي بعد انتهاء فترة ولايته. لقد حدث ذلك في أربع مناسبات فقط: أولاً في عام 1854 مع الوزير أولريخ أوكسينباين، ومؤخراً مع الوزير الفدرالي كريستوف بلوخر في عام 2007.

هذا هو الحال في أنظمة الحكومات الإدارية التي يمكن فيها انتخاب الحكومة من قبل البرلمان ولا تتأثر الحكومة بأي مشروع سحب ثقة برلماني. كقاعدة عامة، فإن هذا النوع من الحكم يٌسمى حكومات جماعية، كما هو الحال في دول مثل سويسرا أو جنوب إفريقيا وبوتسوانا. تم اختراع هذا النظام في فرنسا عام 1795، لكنه لم يُمارس هناك لفترة طويلة.

سرعان ما أدى الخلل الفادح في دستور 1848 إلى حدوث أزمة دستورية فعلية. لأنه عندما تأسّست الدولة، كان من المفهوم أنها دولة مسيحية. وشكل هذا استثناء اليهود. إثر ذلك، هددت فرنسا والولايات المتحدة وهولندا الديمقراطية الفتية بعقوبات اقتصادية حتى يتم وضع اليهود الأجانب على قدم المساواة مع المسيحيين السويسريين. ولم يتم حتى التفكير في التعديل الدستوري الضروري.

لذلك، تم في عام 1866، إجراء أول مراجعة صغيرة للدستور، مع استفتاءات على تسع مواد أخرى. تحت الضغط الدولي، تم تمرير حرية الاستيطان في كامل التراب السويسري لجميع اليهود. ومع ذلك، لم يحصلوا على الحقوق الكاملة كمواطنين حتى عام 1874.

أبٌ دستوري بنهاية مأساوية

الشخصية التراجيدية للدولة الفدرالية الفتية كانت أول عضو  في الحكومة الفدرالية في برن، أي أولي أوكسينباين. بعد فترتين في المنصب، كان الأب الدستوري الحقيقي لعام 1848 الضحية الأولى للإجراء الذي يقضي بإجراء الانتخابات على مرحلتين.

لقد أدار الراديكاليون البارزون ظهورهم لأوكسينباين لأنه أيّـد تأسيس حزب كبير في كانتون برن يتألف من الراديكاليين والليبراليين والمُحافظين.

بعد ذلك، التحق أول قائد للجيش الفدرالي بعد تنحيه للعمل في صفوف الجيش الفرنسي، حيث ترقى إلى رتبة جنرال. ذلك أن الأمر الذي لا يُمكن تصوره اليوم - أي الخدمة في جيش أجنبي - لم يُحظر في سويسرا إلا في عام 1874.

كاد المؤرخون أن ينسوا أمر أوكسينباين، حتى أعٌيد اكتشافه مؤخرًا في كتاب رابط خارجيسلّط الضوء على سيرته الذاتية. وفي عام 2023، أي في الذكرى السنوية الخامسة والسبعين بعد المئة للدستور الفدرالي لعام 1848، سيستعيد الرجل المكانة التي يستحقها في تاريخ الكنفدرالية.

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟