Navigation

هل ينجح المعرض الوطني القادم في التخفيف من حدّة جنون العظمة السويسري؟

ضربة البداية للمعرض الوطني القادم ستكون في "هاوس غافالينغ" Haus Gawaling، وهو عبارة عن بيت ريفي (شاليه) سويسري تم تحويله إلى مركز للجالية التبتية. وسيقدم المركز برنامجاً ثقافياً خاصاً به، إذ يعتزم المنظمون أن يكون المعرض القادم محلياً وكونيّا في آن واحد. Eduardo Simantob, swissinfo.ch

 خلال المعرض الوطني "إكسبو 02"، أي قبل عشرين عاماً من الآن، قدمت سويسرا نفسها للعالم كبلد غني مُبهر وعظيم يحتضن المستقبل الرقمي بعقل منفتح للغاية. لكن المعرض الوطني السويسري القادم "نكسبو" (Nexpo)، المقرر افتتاحه في عام 2028، يُواجه واقعاً مغايراً تماماً.

هذا المحتوى تم نشره يوم 25 سبتمبر 2021 - 11:00 يوليو,

رغم أن الافتتاح الرسمي للمعرض الوطني السويسري المقبل "نكسبو" لن يتم قبل سبع سنوات من الآن، فإن الاستعدادات له جارية على قدم وساق.

وفي إطار الترتيبات الجارية، استضاف "هاوس غافالينغ" Haus Gawaling، وهو منزل تبتي يقع في قرية ماتون الصغيرة الواقعة في جبال الألب في كانتون غراوبوندن (يبلغ عدد سكانها 50 نسمة)، واحدة من الفعاليات القيّمة على انطلاق المعرض، حيث رافقت مجموعة من حوالي خمسين مدعواً، معظمهم من الفنانين وأمناء المعارض والمهندسين المعماريين، منظمي "نكسبو" في رحلة قصيرة عبر الجبال. وانتهى اليوم بعشاء تبتي تقليدي وبعرض مرتجل للشاعر والمغني الأفرو-أمريكي، ميكي بلانكورابط خارجي.

الهدف من هذا النموذج المصغر الشامل والذي يكاد يكون طوباويا هو تجسيد ما سيكون عليه المشروع الكبير؛ حيث قام المخرجان الفنيان الشابان، فريدي فيشلي ونيلز أولسن، ببرمجة سلسلة من "رحلات الاستكشاف" في جميع أنحاء البلاد، بحثًا عن "معالم سويسرا الغد، بما تتضمنه من المعالم الحالية والحديثة" على حد السواء.

قد تأخذ هذه المعالم حيّزاً من المعرض الرئيسي الذي من المتوقع أن يقام في عام 2028، والذي سيتوزع على جميع أنحاء البلاد. وسيتمحور المفهوم الجديد للمعرض على الدوْر الذي يمكن أن تلعبه المدن. وكان رؤساء بلديات أكبر عشر مدن سويسرية - بازل وبرن وبيل/بيان وجنيف ولوزان ولوغانو ولوتسيرن وسانت غالن وفينترتور وزيورخ - عن اتخاذ مبادرات على هذا الصعيد، وذلك خلال اجتماع غير رسمي عُقد في عام 2016.

ومن المفترض أن يرشح عن عمل هذه البنية اللامركزية إلى حد بعيد، إنشاء المعرض نفسه بشكله النهائي، ووضع آلياته بأكملها، وذلك في نقض كامل لفكرته التي تم الكشف عنها في عام 2002. هذا، وقد انضمت فعلياً إلى المشروع بعض المدن الأصغر أيضاً، مثل خور ونوشاتيل وآراو.

هل نطوي الصفحة؟

"إكسبو"،رابط خارجي كما تسمى هذه المعارض الوطنية ذات الأهداف العالمية في نطاقها، هي فكرة مبتكرة يعود تاريخها إلى القرن التاسع عشر – علماً بأن أول معرض تم تسجيله هو معرض براغ العالمي الذي أقيم في وقت مبكر من عام 1791. وتُعتبر هذه المعارض بمثابة عرض (وطني) للإنجازات والتطلعات (العالمية) لدولة ذات عزيمة وإصرار، التي تحققت في حقبة معينة.

في المتوسط، تقيم سويسرا معرضاً من هذا النوع مرة واحدة كل خمسة وعشرين عاماً، وذلك منذ الدورة الأولى للتظاهرة التي أقيمت عام 1883 في زيورخ. وكان المحور الرئيسي لتلك الدورة هو أهمية التعليم في دفع النمو الاقتصادي.

لكن هذه النظرة التقدمية وُضعت جانباً خلال المعارض اللاحقة (جنيف 1896؛ برن 1914؛ زيورخ 1939)، والتي تأثرت تأثراً كبيراً بأفكار القوة الحربية؛ لا سيّما وأن الأحداث الجارية في تلك الأوقات كانت قد فرضت إسقاطاً معيناً لمبدإ الاعتماد على الذات في قضايا الدفاع. ولكن، وفي أول معرض لها بعد نهاية الحربرابط خارجي، أقيم في لوزان عام 1964، أجرت سويسرا استطلاعاً مُحوسباً لآراء مجتمعها، مسلّطة الضوء على كل ما كان يُعتبر آنذاك "قيماً سويسرية". ورغم أنها حاولت بذلك إبراز صورة مستقبلية لنفسها، إلا أن هذا المشروع، الذي أطلق عليه اسم "مشروع غاليفر" لم يأتِ بالنتائج المتوقعة، بل وتم فرض الرقابة على جزء منهرابط خارجي

يريد كل من فريدي فيتشلي (على اليسار) ونيلز أولسن الإسهام في جسر الفجوة القائمة بين المراكز الحضرية والأرياف السويسرية. Michelle Nicol, Nexpo

وعلى الأرجح أنّ أكسبو 02رابط خارجي يظل، حتى الآن، المعرض الأكثر تعرّضاً للانتقاد؛ فقد عرض فكرة عن سويسرا تم ابتكارها في عقد التسعينيات. ولكن بحلول وقت الافتتاح، كانت هذه الفكرة قد عفا عليها الزمن؛ نتيجة الأحداث التي جرت في ذلك الوقت، مثل هجمات 11 سبتمبر والحرب على الإرهاب، التي غيّرت المنظور العالمي برمته. على الصعيد الداخلي، تزعزعت صورة الأمة الواقعة في جبال الألب بسبب الفضائح الوطنية التي لا تعد ولا تحصى انهيار شركة "سويس إير"رابط خارجي، والكشف، في نفس الوقت، عن أوجه مخفية من العلاقات التي أقامتهت سويسرا مع ألمانيا النازيةرابط خارجي مما أجبر المصارف السويسرية آنذاك على التعامل أخيراً مع قضية "ودائع ضحايا الهولوكوست النائمةرابط خارجي"، والتي كانت هذه المصارف قد أخفت وجودها.

لم تكن إسقاطات اليوتوبيا المعمارية الرقمية المُصابة بجنون العظمة تتلاءم مع لحظة من البحث عن الذات الوطنية والتعامل الجاد مع الماضي القريب للبلاد، حيث تم تحدي أفكار "القيم السويسرية" والروايات الرسمية بعد كشف زيفها على ضوء الوقائع والحقائق بشكل شبه يومي.

على أرض الواقع

بالمقارنة مع الدورة السابقة للمعرض، فإن طموحات"نكسبو" تبدو أكثر انسجاماً مع الأوضاع الحالية، رغم أن مُبتكري مفهومها الأساسي هم أنفسهم من قاموا ببلورة مفاهيم "إكسبو 02"، بقيادة مؤرخ الفن جوري شتاينر. يقول الفنان يوهانس غيسرابط خارجي، العضو في الفريق المفاهيمي الذي كان حاضراً أيضاً خلال زيارة موقع بلدة ماتون، "ولكن من أجل وضع هذا المفهوم موضع التنفيذ، كان لا بد لنا من الاستعانة بخبرات جيل الشباب".

في سن الخامسة والثلاثين، يقدّم كلّ من فيتشلي وأولسنرابط خارجي خبرتهما في المعارض والأبحاث وفهم الفنون والعلوم والهندسة المعمارية التي تم تطويرها داخل المعهد التقني الفدرالي العالي في زيورخ. ولكن رؤيتهما للمدن ليست مقيدة بالأفكار التي حولت مفكرين مثل الأمريكية - الهولندية ساسكيا ساسينرابط خارجي أو الإسباني مانويل كاستيلزرابط خارجي إلى مفكرين مشهورين قبل عشرين عاماً، مشيرين بذلك إلى ظاهرة الهجرة وظهور شبكة من المدن، على حساب الدول الوطنية، باعتبارها المحركات الرئيسية للعولمة.

يقول فيتشلي: "نحن لا نعوّل كثيراً على المدن لنجاح المعارض. معظم هذه المعارض هي إلى حد ما أحداث ترويجية، بينما نحن، على صعيد آخر، مهتمون أكثر بالعناصر المختلة وظيفياً للمدن، وكيفية استفادتها من خبرات الريف، واضعين جانباً الغطرسة الحضرية التي يُضرب بها المثل".

بالمناسبة، ما الذي تعنيه "الغطرسة الحضرية" في هذا السياق؟

يُجيب فيتشلي: "بالنظر إلى أن المبادرة تأتي عادةً من المدن، أعتقد أنه من المهم زيارة أماكن مثل ماتون والتعلم من الحلول المجتمعية القائمة هناك، بدلاً من تبني نهج استعماري، عبر تصدير فكرة المدينة إلى مكان من هذا القبيل".

ويضيف قائلاً: "للمدن تاريخها الخاص، وهناك سلسلة من الدراسات التي تبحث في انتقال السلطة من الدول القومية إلى المدن. الريف يزداد فقراً بينما رؤساء بلديات المدن هم من يرسمون معالم المستقبل".

ويلاحظ فيتشلي وأولسن أيضاً تحوّلاً آخر كان ظاهراً ولكنه أصبح أكثر وضوحاً مع حلول الجائحة الصحية. في هذا الصدد، يعتبر المدير الفني المشارك للمعرض الوطني أنه "إذا كانت الرقمنة قد أطلقت فعلياً هذا التحوّل، حيث لم تعد هناك أهمية لمكان العمل، فقد أدت الأوبئة إلى تسريع مساره، لا سيّما وأن صخب المدينة يدفع الناس أكثر فأكثر إلى العيش في الضواحي، فربما تكون الضواحي هي المستقبل"، على حد رأيه.

المدينة مقابل خطوط القتال القُطرية

واجه المفهوم المتمحور حول المدينة مؤخراً خطاباً مضاداً عبر الرؤية الاستراتيجية الحديثة التي أعلن عنها في اليوم الوطني السويسري (1 أغسطس) حزب الشعب السويسري (يمين محافظ). وفي رسالة بالفيديورابط خارجي، وجّه رئيس الحزب، ماركو كيازا، أصابع الاتهام إلى من اعتبرهم "أعداء الشعب" السويسري، وهم سكان المدن، الذين وصفهم بـ "الطفيليات".  

يعترف فيتشلي بوجود جبهة ومشكلة مباشرة بين المدينة والبلاد ككل، فمن الواضح جداً أن كيازا يشير إلى نفس المكان الذي يعمل عليه منظمو" نكسبو". وعلى الرغم من أنه لا يعتقد أن هذه هي أكبر مشكلة تواجهها سويسرا اليوم، إلا أنه يشعر بالفضول لمعرفة كيفية تطور النقاش بهذا الشأن.

ويعتبر فيتشلي "أن النقاش سيولّد دون أدنى شك الكثير من النقد والتعليقات والآراء والأفكار المختلفة، والتي قد تكون هي أيضاً لها تبريراتها. كما أنه قد يكشف عن وجود بعض الفجوات في الريف أو الضواحي والتي لا ينبغي للمدن تجاهلها بل الانصات إليها بآذان صاغية - فالهدف هو بدء حوار"، كما يقول.

عموما، يتوقع فيتشلي وأولسن المُساعدة في العمل على سد هذه الفجوة طوال فترة الإعداد لمعرض "نكسبو"، وليس فقط في المعرض نفسه. "ولكن من أجل ذلك، نحتاج إلى العمل من خلال منظور دولي وبطريقة أكثر عالمية من معرض "إكسبو 02" الأخير"، كما يقول.

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد:

اكتب تعليقا

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟