Navigation

معاداة السامية في سويسرا

عندما اقترنت الهجماتٌ على المتاجر الكبرى بطابع معاداة اليهود

في العام 1934، وقبل أسبوع من أعياد الميلاد وُزِّعت منشوراتٌ جاء فيها: "لا تشترِ من متاجر اليهود الكبيرة، اشترِ بضاعةً متينةً من المحلات السويسرية الوطنية". Stadtarchiv Zürich
هذا المحتوى تم نشره يوم 15 أغسطس 2022 - 09:00 يوليو,
أنجيلا بْهيند

حوالي نصف المتاجر الكبيرة للبيع بالتجزئة في سويسرا أسسها مهاجرون يهود. في ثلاثينيات القرن الماضي تصاعد التحريض المعادي للسامية ضدّهم، فمنعت الحكومة الفدرالية توسعتها وإقامة متاجرَ أُخَرى.

في الحادي والعشرين من فبراير 1937 تجمّع في لوزان 4300 شخصٍ من العاملين غير الراضين في هذا القطاع المهني، ليتخذوا اجراءاتٍ ضد متجر Epa الذي كان يقدّمُ بضائع منخفضة السعر. اسم Epa هو اختصار لـ «Einheitspreis-AG» بالألمانية، والتي تعني بالعربية: "السعر الموحد-شركة مساهمة". قيل "يجب على الدولة أن تتدخل، فمتجر Epa يحطّم الطبقة المتوسطة، وذلك لأن هذه الطبقة بالضبط، هي من حملَ هتلر إلى السلطة في ألمانيا".

بفضل أسعاره المنخفضة جدًّا في فترة الأزمة الاقتصادية سرعان ما أكتسب Epa شعبيّةً، خصوصًا لدى عوائل الطبقة العاملة والعاطلين عن العمل، وقد كانوا كُثرًا؛ لكنه بسياسة السعر المنخفض التي اتبعها ألهب مشاعر التجار الصغار الذين كانوا متهيّئين للأزمة، وهي مشاعرُ كانت متوترة أصلًا ضد المتاجر الكبيرة.

لكن Epa، بالمقارنة مع الشركات الأُخَرى المنافِسة، كان يتعرض للانتقاد بشكلٍ خاص، حيث لم تجرِ محاربة تأسيس التعاونيات الاستهلاكية، أو المتاجرِ الأُخَرى، بالشكل الشديد الذي حورب به ظهور Epa بسعره الموحد لكل البضائع.

كان المثير للجدل في الطلب آنذاك هو أن الأمر يتعلق بالنسبة لمالكي Epa السويسريين، بمشغِّلَي المتاجر الكبيرة اليهوديَّيْن، "جوليوس بران" و"ماوس فرير". في العام 1930 افتتح هذانِ أولَ ثلاثة متاجر لـ Epa في زيورخ وجنيف ولوزان.

معاداة السامية كنقدٍ للحداثة

ينحدر "بران" من مدينة "رافيج" التي كانت آنذاك بْروسيّة (بولونيا حاليًّا). في العام 1896 افتَتح بران في زيورخ أوَّلَ متجرٍ كبير في سويسرا على الإطلاق. عائلتا "ماوس" و "نوردمان" المتحدّرتان من الألزاس استقرتا في البدء في "بيل"، وذلك قبل أن تفتتحا في العام 1902 أولَ متجرٍ مشتركٍ في لوتسيرن. حمل المتجر اسم "ليون نوردمان".

مركز تسوق ضخم: رسم لردهة متجر "بران" الذي افتتح في الثامن عشر من أبريل 1900 في شارع محطة القطار في زيورخ. تمثال المرأة الكبير من عمل النحات السويسري أوغوست بوش. Tages-Anzeiger, 1902

غالبية الرائدات والروّاد في تأسيس المتاجر السويسرية على أعتاب القرن العشرين كانوا ينحدرون من البلدان المجاورة، والكثير من هولاء كان من المهاجرات والمهاجرين اليهود الذين ينحدرون إما من غرب أو شرق بروسيا آنذاك، أو من الألزاس.

في مطلع القرن كان أبناء هذه الحرفة من الطبقة المتوسطة قد ردّوا بمقاومة قوية لظهور مثل هذه الشركات الكبيرة في مجال تجارة التجزئة السويسرية. واعتُبرت المتاجر الكبيرة "شركاتٍ عملاقة" أو "صالاتِ وحوشٍ مخيفة"، ونُظرَ إليها كـ"مُضرّةٍ بالاقتصاد القومي".

شوّش الاستهلاك الجماهيري المتزايد منظومة القيم الأخلاقية لبعض المعاصرين آنذاك، وخدَش شعورهم، فقد جاء مثلًا في تقريرٍ من زيورخ في العام 1901 بأنَّ "المتاجرَ الكبيرة تمثل بما لديها من بضائع فائضة خطرًا اجتماعيًّا كبيرًا، وإنها تسبب الكثير من الضرر". كما تعرضت إلى الانتقاد حرية الحركة المكتسبة حديثًا، والتي كان الغالب عليها نزعة الشراء عند النساء.

لكن لم يجرِ التشهير بالمبادئ الحديثة للأعمال، مثل الدعاية والإعلان، فقط على إنها "غير شريفة" و"غير مطابقة للواقع"، بل أيضًا على إنها بالتحديد طرق تجارة "يهودية". هكذا اتخذت حجج الخصوم طابعًا معاديًا للسامية.

المتجر "كاتدرائية تجارة العصر الحديث" (إميل زولا): في العام 1912 وسّع "يوليوس بران" متجرَه بمبنىً جديد يوحي بالقداسة، واحتوى آنذاك على ستة مصاعد الكترونية وردهتين وخمسة سلالم. (

في "بيل" مثلًا كانت قد شبّت في العام 1902 مقاومة قوية ضد متجَرَي "كنوبف" و"بران" ، ذاتي الملكية اليهودية. عقب ذلك أصدر الأمين العام آنذاك لرابطة حماية تجار التجزئة والحرفيِّين في "بيل" ومحيطها بيانًا ذا توجيه أخلاقي وتحريضٍ ضدَّ المتجرين "اليهوديّين" جاء فيه: "إنهما استلابٌ ثقافي و انبثاقٌ من إدمانٍ بشعٍ على الربح، ومجرّدُ أسواقِ أسلابٍ لا قيمةَ لها بالمقارنة مع المتاجر الباريسية".

معاداة الساميّة التي طبعت الانتقادات الموجهة للمتاجر االكبيرة، كانت أيضًا انتقادًا للحداثة الرأسمالية. المتجر الكبير بدا لمنتقديه ومنتقداته تجسيدًا "للوهم والخداع" و"المضاربات الرأسمالية الجشعة"، وذلك كما أوضح "ممثل الطبقة الوسطى"، الألماني "باول دَين" في العام 1899.

العلماء المعاصرون لذلك الوقت أدانوا اليهود باعتبارهم لاعبًا رئيسيًّا في هذا التحول. لقد أنزلوهم إلى طبقة تجار تتميز بالجشع واللاأخلاقية والتعدي على التجارة التقليدية والأطر الاجتماعية القائمة في ذلك الحين.

عندما حظرت الحكومة الفدرالية التوسع في إقامة المتاجر

بعد بضع سنواتٍ من الهدوء اندلعت في الثلاثينيات هجماتٌ على المتاجر من جديد. ففي أبريل 1933 دُهِنت متاجرٌ في "بادن" بعلامة الصليب المعقوف. وفي مايو دُهنت واجهاتُ عرْضِ البضائع لمتاجرَ مختلفةٍ في زيورخ بالصليب المعقوف أيضًا، ولُصقت عليها كتاباتٌ مثل: "لا تشتروا عند اليهود"، "اليهود الخنازير"، و"تفو على اليهود".  

تبنى "الجبهويون" السويسريون النقاط الأيديولوجية في برنامج حزب العمل القومي الاشتراكي الألماني (الحزب النازي)، والذي كان قد توجه مُبّكرًا ضد متاجر بيع التجزئة الكبيرة. باستثناء "رودولف كارشتات" و "تيودور آلتهوف" كان جميع أصحاب شركات المتاجر من عائلاتٍ يهودية توطّنت منذ أجيالٍ في الأقاليم الحدودية الشرقية لبْروسيا.

عمارة شامخة كنصب تذكاري كبير مع واجهات عرض ضخمة. كانت المتاجر في سنوات تأسيسها الأولى نقاط جذب عامة مثيرة للانتباه ومعالم سياحية، وجنّةً للتسوق في الوقت نفسه. متجر "ليون نوردمان" في لوتسرن، 1913. متحف "ماوس فرير" في جنيف. (خاص) (privat)

بعد وصول النازيين إلى السلطة في العام 1933، جرى تحطيم هذه الشركات بشكلٍ منهجي، وذلك عبر النهب والتجريد من الحقوق، والطرد والقتل الذي مارسه النازيّون بحق اليهود واليهوديات.

شعارات الجبهويين وأفكارهم العقائدية وجدت تأثيرها بشكلٍ خاص لدى تاجرات وتجار التجزئة الصغار المتضررين بشدة من الكساد الاقتصادي. "سويسرا الجديدة"، وهي حركة وطنية محافظة من حركات الطبقة الوسطى، ومقربة من الجبهويين، طالبت بمنع افتتاح وتوسيع المتاجر الكبيرة والمتوسطة وشركات السعر الموحَّد، أو انشاء فروعٍ لها، وذلك حتى العام 1945، وقد نجحت في ذلك، حيث تمت في أكتوبر 1933 الموافقة على ذلك بقرار حكومي عاجل أيدته أغلبية برلمانية كبيرة.

"رأسماليّون اسرائيليون خارقون"

على الرغم من هذا الحظر الصارم استمر الوضع بالتفاقم. بشعاراتٍ فعّالة وجدلٍ قوي حرّض تجار وحرفيو الطبقة الوسطى ضد Epa، فقد كُتِب مثلًا في جريدة "جورنال دو جنيف" في العام 1937 بأن هذه المتاجر "خطرٌ على السلام الاجتماعي في سويسرا، وإنها فكرة غريبة عن البلاد برأسمالٍ دولي وأساليبَ غير اجتماعية. إن انتشارها السريع دفع تجارة التجزئة المحلية إلى الفوضى والبؤس، وهي بالنسبة لتجار الحرفة وحرفيّيها مسألة حياةٍ أو موت".

رسميًّا، نأى المشاركون في هذه الحملة التي انطلقت من غرب سويسرا الناطق بالفرنسية، بأنفسهم عن أي شكلٍ من أشكال معاداة الساميّة. رئيس اللجنة حدد في تصويبه الذي جاء في "غازيت دو لوزان" بتاريخ 22 فبراير 1937 بأن المطالبة بإغلاق متجر Epa ليس المقصود منها معاداة الساميّة، بل مكافحة الطفيليّات، لذا فإنه سيكافح بكل طاقته هؤلاء الرأسماليين الاسرائيليين الخارقين الأجانب أو المجنَّسين حديثًا، والذين يحكمون عبر شركات السعر الموحد.

لم تطلب الحملة في العام 1937 من "جوليوس بران" و"ماوس فرير" أقل من تصفية Epa، وأن يغادرا  البلاد؛ وقد وصفتهما الحملة بأنهما "وحشان" و "سمكتا قرش".

"انجيلا بْهيند" مؤرِّخة ومؤلفة كتاب: "انتصار الحداثةرابط خارجي. المؤسسون اليهود للمتاجر الكبيرة في سويسرا 1890-1945". دار خرونوس 2021

End of insertion
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟