Navigation

الوجه المُتحوّل لجنيف الدولية

"من داخل جنيف": الجفاف وانعدام الأمن الغذائي

قبل بضعة أسابيع، حضرتُ الإحاطة الأسبوعية لوكالات الإغاثة التابعة للأمم المتحدة في جنيف. وخلال ذلك اللقاء، توقعت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية احتمال فشل موسم الأمطار القادم في الصومال، الذي من المنتظر أن يكون في شهر أكتوبر المقبل.

هذا المحتوى تم نشره يوم 02 يوليو 2022 - 09:30 يوليو,

شهدت جميع بلدان القرن الإفريقي حالة جفاف طويلة. فالصومال على سبيل المثال، شهدت أربعة مواسم من دون تساقطات مطرية، ما أجبر آلاف الأشخاص على مغادرة مناطقهم لقلة المحاصيل، وتعرّض ماشيتهم للمخاطر، لذلك فإن مجرد التفكير في احتمال عدم  هطول الأمطار لفترة طويلة في المستقبل يعد أمرا مُرعبا.

أردتُ أن أعرف، إذن، كيف يمكن للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية التنبؤ بذلك، قبل وقت طويل من حدوثه؟وأيضا التعرف على كيفية تعامل وكالات الإغاثة التابعة للأمم المتحدة العاملة على عين المكان مع هذه التوقعات؟وما هي بصدد فعله للاستعداد لمواجهة هذه الاحتمالات؟

لمعرفة ذلك، انضم إلينا بوب ستيفانسكي، أخصائي المنظمة العالمية للأرصاد الجوية المعني بملف الجفاف وتغيّر المناخ والزراعة في بودكاست "من داخل جنيف"، إلى جانب رانيا داغاش، نائبة المدير الإقليمي لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) لشرق وجنوب أفريقيا. وفي يوم منفصل، أنضمت أيضا إلى الإحاطة الاعلامية للأمم المتحدة، للتحذير من ارتفاع مستويات سوء تغذية الأطفال في الصومال.

هنا، يُمكنكم الاستماع إلى البودكاست كاملا (بالانجليزية):

محتويات خارجية

علامات تحذير متناسقة

لكن لنتوقف أوّلا عند توقعات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية. فكما أوضح ستيفانسكي في بودكاست "من داخل جنيف"، فإن صحة هذه التوقعات - مثل جميع التوقعات الأخرى المتعلقة بالطقس - ليست مضمونة بنسبة 100%. لكن هذه المنظمة تقوم بجمع وتحليل بيانات الطقس والمناخ من المكاتب الوطنية للأرصاد الجوية في جميع أنحاء افريقيا، وتنتج عن هذه البيانات توقعات موسمية، تشير جميعها إلى "حدوث تساقطات مطرية أقل من المعتاد" في شهر أكتوبر المقبل.

يقول ستيفانسكي، معلقا على ذلك، إنه «سبب حقيقي للقلق». إذن، هل يحدث هذا بسبب التغيّر المناخي؟ بالتأكيد يمكن أن يكون. نحن نعلم أن تغيّر المناخ مرتبط بالظواهر الجوية شديدة التقلّب؛ في بعض الأحيان تتخذ شكل العواصف العنيفة، ولكن في بعض الأحيان أيضا تتجلى من خلال الجفاف الشديد. وعلى مدى العقود الماضية، تراجعت مستويات هطول الأمطار عبر منطقة القرن الأفريقي.

وأوضح ستيفانسكي: «لقد لاحظنا انخفاضًا في هطول الأمطار خلال السنوات القليلة الماضية»، كما «سجلنا تراجع كمية الأمطار ما بين 2٪ إلى 7٪ كل عشر سنوات».

ربما لا يبدو هذا كثيرًا، ولكن بشكل تراكمي، فإن الانخفاض المطرد في هطول الأمطار على مر السنين سيجعل من المستحيل زراعة بعض المحاصيل، وستُصبح بعض الأراضي الزراعية غير صالحة للاستخدام أصلا.

احتياجات فورية

لكن نقص المياه له تأثير فوري أيضا. وتُعلن وكالات الإغاثة تباعا عن ارتفاع أعداد الأشخاص الذين يُجبرون على مغادرة قراهم، ويقطعون مسافات طويلة بحثا عن الطعام والماء. كانت داغاش، من اليونيسيف، عندما انضمت إلينا خلال إعداد بودكاست "من داخل جنيف"، قد عادت لتوها من زيارة لمركز تغذية تابع لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة. قالت داغاش: "رأيت صبييْن، توأميْن يبلغان من العمر عاما واحدا، ويُعانيان هما وأمهما من سوء التغذية الشديد. وقد سارت الأم بابنيْها مسافة 160 كيلومترا للوصول إلى منطقة يُوجد بها مركز لتوزيع الطعام". 

منذ عدة أشهر، تحذّر وكالات الإغاثة التابعة للأمم المتحدة من توسّع ظاهرة سوء التغذية في المناطق المتضررة من الجفاف في إقليميْ الساحل والقرن الأفريقي. وقد أدى ارتفاع أسعار الوقود الناجم عن تعطيل جائحة كوفيد - 19 لسلاسل التوريد إلى زيادة تكلفة الإغاثة الانسانية بالفعل. والآن، جعل حصار روسيا لصادرات الحبوب الأوكرانية الوضع أكثر خطورة. 

ويشتري برنامج الغذاء العالمي الكثير من الحبوب التي يوزعها من أوكرانيا. وبدلاً من زيادة دعمه للمجتمعات المتضررة من الجفاف، اضطر البرنامج  إلى تقليص الحصص الغذائية الموجهة إلى أكثر الأفراد ضعفاً وهشاشة في العالم.

في الوقت نفسه، تعاني العديد من ميزانيات المعونة (في جنوب السودان، واليمن، ومالي، والصومال) من نقص في التمويلات. ويتلقى المستفيدون في بعض هذه المناطق  جزءًا بسيطًا فقط مما قدرت الأمم المتحدة أنهم يحتاجون إليه، وكان قد تم إعداد هذه الميزانيات قبل أن يؤدي الغزو الروسي إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود.

تحويل الانتباه

خلال الأشهر الأخيرة، رحّب كبار مسؤولي المعونات الانسانية في جنيف علنًا بالدعم الكبير الذي حصل عليه الأوكرانيون. أما في الخفاء، فإنهم كانوا يشعرون أيضًا بقلق بالغ من أن الدعم الذي تشتد الحاجة إليه بلا شك لأوكرانيا سيصرف الانتباه بعيدًا عن الأزمات الانسانية الأخرى في بقية أنحاء العالم.

قال لي أحد كبار مسؤولي الأمم المتحدة: «تواصل الحكومات إخبارنا بأن الدعم لأوكرانيا لن يكون على حساب التزاماتها الانسانية في مواضع أخرى»، لكنه استدرك قائلا: «حتى الآن، لا نرى الدليل على ذلك».

ماذا يعني ذلك بالنسبة لدغاش وزملائها في اليونيسف؟ تقول نائبة المدير الإقليمي لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة: «نحن قلقون للغاية من عملية صرف الأنظار عن أزمات أخرى، ونحن مُنزعجون بشأن الموارد المحولة التي ستذهب إلى أوكرانيا».

وبالنسبة إليها، فإن "الأمر لم يعد يتعلق بالاستعداد لمواجهة آثار الجفاف وانعكاساته، بل نبذل جهودا من أجل التوقي من المجاعة".

استجابة طارئة قصيرة الأجل، مقابل تغيّر طويل الأجل

على المدى القصير، تقول وكالات الإغاثة إنه من الضروري جمع التبرعات الضرورية لتلبية الاحتياجات في منطقة القرن الأفريقي ومنطقة الساحل على الفور. وإذا لم يحصل ذلك، فإن مئات الآلاف من سكان هذه المناطق، وكثير منهم من الأطفال، يُواجهون خطر المجاعة.

ومع ذلك، يبدو من الواضح، على المدى الطويل أن أجزاء من القارة السمراء قد لا يكون بمقدورها في المستقبل الاستمرار في استغلال المساحات الزراعية بنفس الطريقة المعتمدة حتى الآن. ويقول ستيفانسكي وزملاؤه في المنظمة العالمية للأرصاد الجوية: "إن المجتمعات الزراعية والرعوية ستحتاج إلى الدعم للتكيّف مع التغيرات المناخية".

إذا أرادت المجتمعات المحلية البقاء على الأرض التي زرعوها منذ أجيال متعاقبة، فستكون هناك حاجة إلى محاصيل أكثر مرونة، وقد يتعيّن عليهم  العثور على مصادر أخرى للمياه. وبالفعل، تساعد منظمة اليونيسيف بعض المجتمعات المحلية على حفر آبار جديدة. وفي بعض الحالات، يتعيّن عليهم الحفر لعمق يصل إلى.. كيلومترين!

في الوقت نفسه، يجب معالجة تغيّر المناخ بشكل صحيح. وفي مؤتمر الأطراف "كوب 26" اتفقت الحكومات على ذلك. والآن يجب ترجمة هذه القناعة إلى عمل حقيقي. إذ لا تستطيع الصومال والدول الأخرى المتضررة من الجفاف تحمّل انخفاض حاد في معدلات هطول الأمطار .

وهناك شيء آخر يتفق المجتمع الإنساني على أنه سيساعد الآلاف، وربما الملايين من البشر الذين يواجهون الآن المجاعة: رفع الحصار على سلاسل التزود بالحبوب، وإنهاء هذه الحرب الحمقاء تمامًا وغير المبررة، في آخر المطاف.

مقالات مُدرجة في هذا المحتوى

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟