Navigation

كيف عاش بلدٌ بلا مستعمرات مرحلة تصفية الاستعمار

حصة تدريب على الرماية في إطار أنشطة الجمعية الخيرية السويسرية في الجزائر العاصمة، في أربعينيات القرن العشرين. Archivio federale svizzero

قبل ستين عاما، حصلت الجزائر على استقلالها من فرنسا. وبالنسبة للمُغتربين السويسريين المقيمين هناك، كان هذا التاريخ أيضًا بمثابة نهاية حقبة. وقفة أخرى مع قصة العلاقة الغامضة التي تربط سويسرا بالاستعمار.

هذا المحتوى تم نشره يوم 25 يوليو 2022 - 13:15 يوليو,

في بداية عام 1942، كتب إعلامي في صحيفة "غازيت دي لوزان": «لقد فوجئت كثيرا، عندما شاهدت سهل الساحل الخصب جدًا، وقد ازدان بمزارع الكروم التي كانت تغطي هكتارات شاسعة من الأراضي، ونصبت فيه لافتة تشير إلى: زيورخ، على بعد 10 كيلومترات».

في ذلك الوقت، كان هناك حوالي ألفيْ سويسري يعيشون في الجزائر. وكان الأمر يتعلق بواحدة من أكبر المستعمرات السويسرية في الخارج، وثاني أكبر مستعمرة في إفريقيا بعد المغرب. وكانت الروابط مع سويسرا لا تزال قوية، حتى وإن كانت رمزية، على الرغم من الارتكاز القوي في السياق الاستعماري الجزائري.

أصول المستعمرات السويسرية

تعود أول تدفقات الهجرة السويسرية إلى الجزائر إلى منتصف القرن التاسع عشر، وقد أعقبت مباشرة الاحتلال الفرنسي. وكانت فرنسا تدعم بقوة الهجرة القادمة من سويسرا وألمانيا، جزئيًا لتعويض التدفقات العفوية من إيطاليا وإسبانيا ومالطا.

وتؤكد المؤرخة ماريسا فويس، مؤلفة دراسة عن الوجود السويسري في هذا البلد: «يُمكننا الحديث عن شكلين من الهجرة السويسرية في الجزائر». من ناحية، هناك أناس يغادرون بلادهم هربًا من الفقر. هذا هو الحال بالنسبة للعديد من المهاجرين من كانتوني فاليه وتيتشينو.

ومن ناحية أخرى، هناك رواد أعمال سويسريون يستثمرون رؤوس أموال خاصة في الجزائر. الحالة الأكثر شهرة هي مستعمرة سطيف، حيث منح نابليون الثالث عشرين ألف هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة لمستعمر من جنيف. وكان هنري دونان، مؤسس الصليب الأحمر، أحد موظفيه.

"نهج شبه استعماري"

ليس لدى الكنفدرالية أجندة استعمارية بحتة. ومع ذلك، فإن الحالة الجزائرية توضح كيف تتسلل سويسرا إلى البنية الاستعمارية (الفرنسية في هذه الحالة)، إما من خلال المبادرات الاقتصادية أو من خلال وجود المهاجرين والمهاجرات السويسريين. وتتحدث ماريسا فويس هنا عما تسميه «نهج شبه استعماري».

فالأهمية المتزايدة التي باتت تحظى بها الجاليات السويسرية في الخارج منذ بداية القرن العشرين، والدور الذي أنيط بالمهاجرين كسفراء للقيم السويسرية وكنقطة إسناد للتوسع التجاري لسويسرا، ساهم أيضا في إنجاح هذا النهج.

من ناحية أخرى، فإن الشعور بالانتماء إلى ما يُعرف بـ "سويسرا الخامسة" (تم استخدام المصطلح منذ عام 1938، عندما أصبحت اللغة الرومانشية اللغة الوطنية الرابعة) يضمن التماسك الداخلي للجالية خاصة خلال السنوات الصعبة أثناء الحرب العالمية الثانية.

وجاء في مقال نشرته صحيفة "غازيت دي لوزان" أن «السويسريين الذين يعيشون في المقاطعات الفرنسية الثلاث الكبرى في شمال إفريقيا مرتبطون ارتباطًا وثيقًا بالقنصلية السويسرية في الجزائر العاصمة، ويتمتعون بروح وطنية عالية». 

مخيم لقضاء العطلة لفائدة الجالية السويسرية سنة 1941 في بوزريعة قرب الجزائر العاصمة. Archivio federale svizzero

بين سويسرا الخامسة والمساعي الحميدة

تزامنت نهاية الحرب العالمية الثانية مع انبعاث حركة الاستقلال في الجزائر من جديد. وحافظت الجالية السويسرية على مسافة من الصراع. وتشير ماريسا فويس إلى أنه «في البداية، كان هناك انطباع بأن هذه مرحلة مؤقتة لن تؤثر على حياة المستعمرة».

ولكن، مع استمرار الصراع، ازدادت التوترات والمخاوف. وازدادت طلبات استرداد الجنسية السويسرية، وبدأت السلطات السويسرية تواجه مشكلة الإعادة إلى الوطن.

لكن برن كانت أيضًا منخرطة في الحرب الجزائرية، وإن كان على مستويات أخرى. فقد قامت الدبلوماسية السويسرية بدور رائد في المفاوضات التي أدت إلى توقيع اتفاقية إيفيان في عام 1962 التي تنص على وقف إطلاق النار بين فرنسا والحكومة الجزائرية المؤقتة. إنها خطوة حاسمة على طريق استقلال الجزائر، الذي أٌعلن في 3 يوليو من نفس العام.

كانت سويسرا أيضًا البلد الذي لجأ إليه العديد من الجزائريين. ويبدو أن قرار حمل السلاح ضد القوة الاستعمارية الفرنسية اتخذه قادة جبهة التحرير الوطني الجزائرية في عام 1954 في العاصمة برن، وبالتحديد خلال الأدوار النهائية لكأس العالم لكرة القدم.

توقعات مخيبة للآمال

كان استقبال اللاجئين من الجزائر والجهود التي بذلتها السلطات السويسرية لإقامة علاقات طيبة مع الحكومة الجزائرية المؤقتة يرميان إلى حد كبير إلى حماية مصالح السويسريين في الجزائر.

ومع ذلك، يشك المغتربون من الرجال والنساء في موقف برن المُحايد في الصراع، خاصة وأن دور مفاوض الدبلوماسية السويسرية كان يعرّض المستعمرة السويسرية لتهديدات منظمة الجيش السري (اختصارا OAS)، شبه العسكرية السرية التي كانت تقاتل ضد الاستقلال.

فقد تضرر  المغتربون السويسريون في الجزائر بشدة من حرب الاستقلال؛ ففي عام 1961 وحده، قتل 14 سويسريا وسويسرية وحصلت 10 حالات اختطاف في صفوف هذه الجالية. وتلاحظ ماريسا فويس أن «سياسة المساعي الحميدة، التي كان الغرض منها ضمان علاقات مستقبلية مع الدولة الجديدة، انتهت في الواقع إلى نقيض توقعات الجالية السويسرية في الجزائر».

خروج السويسريين من الجزائر

ابتداءً من عام 1956، تجاوز عدد المغادرين للجزائر عدد الوافدين إليها، وأصبحت مسألة إعادة المواطنين السويسريين إلى بلادهم أولوية. وفي عام 1958، تم إنشاء صندوق تضامن لصالح السويسريين في الخارج بدعم من الكنفدرالية.

وقاد التوقيع على اتفاقيات إيفيان، والاضطرابات التي أعقبت الإعلان عن الاستقلال، وتأميم ممتلكات الرعايا الأجانب في عام 1963 إلى الهجرة الجماعية الدائمة للأوروبيين والأوروبيات من هذا البلد الشمال الإفريقي.

ومع أن الكنفدرالية قدمت مساعدة للراغبين في العودة إلى وطنهم، لكن المغادرة كانت غالبا ما تعني بالنسبة لأولئك الذين غادروا الجزائر، غالبًا ما كانت المغادرة تعني التخلي عن جميع ممتلكاتهم. وحاولت برن تنظيم إعادة الممتلكات المنقولة إلى الوطن، ولكن بالنسبة للتعويض عن العقارات المؤممة، لم يؤت الهجوم الدبلوماسي السويسري أُكله، وكان تأثيره محدودا.

كما باءت محاولات حل المشكلة بموجب اتفاقية تجارية مع الجزائر بالفشل. على العكس من ذلك، ساد خوف من أن تؤدي هذه القضية إلى تدهور العلاقات بين البلدين.

مع ذلك، اختارت برن نهجًا براغماتيا. فمع الجزائر، من الضروري «التحلي بالصبر والتسامح والكرم، كما هو الحال مع طفل صعب»، كما كتب السفير أوليفييه لونغ، كبير مفاوضي سويسرا السابق بشأن اتفاقيات إيفيان في مذكرة أعدها عام 1968.

"أجانب في بلدهم"

من وجهة نظر السويسريين المقيمين في الجزائر والذين عادوا إلى بلدهم، فإن الحالة أبعد ما تكون عن أن تكون مُرضية، كما أن إعادة الإدماج كانت أصعب مما كان متوقعًا، حيث شعر الكثيرون أنهم «أجانب في بلدهم». وواجهت الصورة المثالية لسويسرا الخامسة (أي السويسريين المقيمين في الخارج) اختبارا صعبا.

وإدراكًا منها لضعف فرص نجاح المفاوضات مع الجزائر، طالبت جمعية السويسريين الذين سُلبت ممتلكاتهم في الجزائر وفي مناطق أخرى وراء البحار (يُشار إليها اختصارا بـ Assaom) من الكنفدرالية التعويض عن تلك الممتلكات. ومع ذلك، رفضت برن ذلك خشية إضعاف موقفها التفاوضي وإيجاد سابقة يُمكن أن تؤدي إلى صدور مطالبات من طرف مجموعات أخرى.

مُستعمرات معزولة لفترة طويلة

استمرت المناقشات لعقود، كما تم تقديم مطالب السويسريين في الجزائر إلى منظمة السويسريين في الخارج. وأُدرج الموضوع مرارًا وتكرارًا على جدول أعمال المؤتمرات السنوية للسويسريين في الخارج. وانضمت جمعية السويسريين الذين سُلبت ممتلكاتهم في الجزائر وفي مناطق أخرى وراء البحار إلى جمعيات مماثلة في البلدان الاستعمارية السابقة في أوروبا، مما جعل موقف برن أكثر صعوبة.

ولكن ما يجب تسجيله هو أن محاولات الكنفدرالية المتكررة للحصول على تعويضات من الجزائر أو فرنسا باءت بالفشل. وكان لابد من انتظار عام 1989، لتتخلى الحكومة الفدرالية أخيرًا عن مُطالباتها بالتعويض من الجزائر. وفي عام 2000، أغلق مؤتمر السويسريين بالخارج أيضا الملف الجزائري نهائيا.

خلاصة القول، تظل هذه الحالة رمزا لصعوبة تعامل المستوطنين السابقين مع عملية تصفية الاستعمار. وفي هذا، لا تختلف أوضاع سويسريي الجزائر  عن السكان الذين أعيدوا للبلدان الاستعمارية. والفرق هو أن سويسرا، كما تلاحظ ماريسا فويس، قد عاشت عملية «إنهاء الاستعمار بدون أن تستعمر غيرها من البلدان».

الكتاب

ماريسا فويس: "الموروثات الاستعمارية، سويسرا- الجزائررابط خارجي. دار النشر:سيزمو، 2021.

روابط ذات علاقة

End of insertion

(نقله من الفرنسية وعالجه: عبد الحفيظ العبدلي)

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟