Navigation

سويسرا في مواجهة تَحديات "خضرنة" مؤسساتها المالية

التمويل يلعب دوراً في زيادة تلوّث كوكب الأرض أو يساهم في تنظيفه. Keystone / Andre Coelho

تنتظر الشركات المالية، والحكومة، والهيئات التنظيمية في سويسرا مُهمة كبيرة تتمثل في تحويل البلاد إلى مركز مالي مُستدام. لكن الشكوك تتزايد في أوساط مجموعات الضغط.

هذا المحتوى تم نشره يوم 15 ديسمبر 2021 - 09:00 يوليو,
swissinfo.ch

يَطمَح مَركَز إدارة الثروات الرائد عالميّاً في أن يصبح رائداً في مجال التمويل الأخضر أيضاً، وذلك من خلال توجيه استثماراته وأنشطتة المالية إلى مشاريع صديقة للمناخ عبر القروض والسندات، وصناديق الاستثمار العامة وغيرها من الأدوات المالية.

وفقاً لتعريف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يهدف التمويل الأخضر  إلى "تحقيق النمو الاقتصادي مع الحَد من التلوث وانبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وتقليل النفايات إلى الحد الأدنى، وتحسين كفاءة استخدام الموارد الطبيعية".

في أعقاب الدورة السادسة والعشرين لمؤتمر الأطراف المُنخَرِطة في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ (COP26) التي اُختُتِمَت مؤخراً في مدينة غلاسكو الاسكتلندية، ظَهَرت موجة من المُبادرات الجديدة. وهكذا، قَدَّمَت الجمعية السويسرية للتمويل المستدامرابط خارجي (Swiss Sustainable Finance) التي تضم جهات فاعلة من القطاعين الخاص والعام، بالإضافة إلى أوساط أكاديمية وعدد من المُستثمرين، خارطةَ طريق للوصول إلى الهَدَف المُتَمَثل في الوصول  إلى مركز تمويل مُستدام. وجاءَ ذلك في أعقاب مجموعة من التوصيات الصادرة عن جمعية إدارة الأصول السويسريةرابط خارجي.

بالإضافة إلى ذلك، أطلقت الحكومة السويسرية، ومعها مصرفيْ، اتحاد المصارف السويسرية "يو بي أس" (UBS) و"كريدي سويس" (Credit Suisse) صندوقاً استثمارياً بقيمة مليار فرنك سويسري للاستثمار في مشاريع اجتماعية وبيئية في البلدان النامية.

محتويات خارجية

وتريد الحكومة السويسرية أيضاً إصدار سندات فدرالية صديقة للبيئة بحلول نهاية العام المُقبل، كما تفكر في اتخاذ تدابير لمكافحة المُنتجات المالية الخضراء المُزيفة (أو ظاهرة ‘الغسيل الأخضر’).

بدورها، قامت منظمة السلام الأخضر (Greenpeace) البيئية غير الحكومية مؤخراً بتقييم 51 صندوقاً مستداماً في سويسرا ولوكسمبورغ، وَوَجَدَت أن أداءَها "لا يرتقي إلى المستوى المطلوب". وبحسب المنظمةرابط خارجي، فإن "ما يُسمّى بالاستثمارات المُستدامة المعروضة حالياً ليست كذلك إلّا بالكاد، كما أنها تُلحِق الضرر بالمناخ أيضاً".

استثمارات ضارة

من جانبها، تشكك المنظمات غير الحكومية وجماعات الضَغط في وعود القطاع المالي. وهي تجادل بأن على المصارف ومجموعات التأمين وصناديق التقاعد البَدء بالتصرف بشكل أفضل أولاً، قبل إنشاء سوق مُربِحة في مجال التمويل المستدام.

من جانبه، وصف الصندوق العالمي لِحِفظ الحياة البريةرابط خارجي جهود المصرف الوطني السويسري (SNB) والهيئة الفدرالية لمراقبة الأسواق المالية (فينما) بـ "القاصرة إلى حَدٍ كبير في مجال مكافحة أزمة المناخ وفقدان التنوع البيولوجي".

وفي ذات السياق، اتهمت منظمة "تحالف المناخرابط خارجي" (Climate Alliance) غير الحكومية المركز المالي السويسري بالمُساهمة في وَفَيات الأطفال الناجمة عن سوء التغذية في جميع أنحاء العالم، من خلال استثماراته في مشاريع الوقود الأحفوري.

"الكلمات وحدها لا تكفي، فَنَحن نواجه أنشطة غسيل خضراء ضخمة في القطاع المالي"، كما قال البروفيسور مارك تشيسني، رئيس مركز الكفاءة للتمويل المستدام في كلية الأعمال والاقتصاد والمعلوماتية بجامعة زيورخ. وكما أضاف: "على القطاع المالي الذي يريد أن يكون صديقاً للبيئة حقاً أن يتوقف عن تمويل الطاقات المُستَمَدّة من الوقود الأحفوري".

وفقاً لـ تشيسني، فإن الأنشطة المالية الحالية للبنوك العالمية الكُبرى واالمصرف الوطني السويسري (SNB)، في شكل قروض واستثمارات، تتوافق مع زيادة في متوسط درجة الحرارة العالمية بحلول نهاية هذا القرن، والتي تتجاوز بكثير عتبة 1,5 إلى درجتيْن مئويتيْن المنصوص عليها في اتفاق باريس في مؤتمر الأطراف 21.

كذلك وجدت دراسة استقصائية أجرَتها وزارة البيئة السويسرية أن الجهات الفاعلة المالية تستثمر في الوقود الأحفوري أكثر بكثير من استثمارها في مصادر الطاقة المُتجددة، لا بَل أنها قد تُساهم في توسيع إنتاج الفحم والنفط.

انتقاء مشاريع سهلة التنفيذ

في حديثه خلال قمة "بناء الجسور" (Building Bridges) التي انعقدت في جنيف من 29 نوفمبر إلى 2 ديسمبر 2021، والمُكَرَّسة لتعزيز التمويل المُستدام في السوق السويسرية، حَثَّ باتريك أودييه رئيس مبادرة بناء الجسور ورئيس مجلس إدارة  بنك ‘لومبارد أودييه’ الخاص البنوك السويسرية على "إقران أقوالها بالأفعال" بشأن الوعود المناخية من خلال انتقاء "المهام أو المشاريع التي يمكن تنفيذها بسهولة"، مثل الإلغاء التدريجي للاستثمار في إنتاج الفحم. كما طالب البنوك بتقديم خِطَط مَلموسة لتقليل آثار بصمتها الكربونية. لكنه لم يصل إلى حد الدعوة لِوَضع حدٍّ لجميع استثمارات الوقود الأحفوري.

تعتقد مجموعة الاستشارات الألمانية ‘زيبرابط خارجي’ (Zeb) أن وجود البنوك بِحَدِّ ذاته سوف يكون مُهدَّداً في حال فشلها في الخروج من الاستثمارات التي تلحق الضَرَر بالمناخ. وحول ذلك، قال ديرك هولاندر، الشريك الأقدم في المجموعة: "إذا لم تنجح الجهات الفاعلة بسرعة، فإن التدخل الشامل من قبل السياسيين والجهات الرقابية مع اللوائح المُناظرة لَنْ يكون بعيداً على الأرجح".

على الجانب الآخر، من غير المُحتَمَل أن يحدث ذلك في سويسرا خلال هذا العام أو العام المقبل - هذا إن حَدَث أصلاً. كما لَنْ تَكتَمِل المُراجعة التي تجريها الحكومة لمعرفة ما إذا كانت هناك حاجة إلى قوانين مالية جديدة لإنفاذ معايير التمويل المُستدام قبل نهاية عام 2022.

ورغم أن المؤسسات المالية مُلزَمة بإبلاغ هيئة الإشراف على الأسواق المالية عن المخاطر التي تشكلها أنشطتها على البيئة، إلّا أن سويسرا غالباً ما تعتمد على تقاليدها المُتمثلة في التنظيم الذاتي للشركات. وكما قالت دانيلّا شتوفَّل وزيرة الدولة للشؤون المالية الدولية في قمّة ‘بناء الجسور’: "في الوقت الحالي، لا يوجد أي تنظيم إلزامي في سويسرا. نحن نؤمن بالأسواق. والأمر متروك لكل طَرَف فاعل ليُقَرِّر ما إذا كان يريد أن يكون وَسَط الحَشد أو خارجه".

أحد الأمثلة على هذا التنظيم الذاتي، هو نظام "درجات المناخ" المُقتَرَح الذي أعلن عنه وزير المالية أولي ماورَر، والذي يهدف إلى قياس مدى توافق المُنتجات المالية مع هدف باريس للمناخ المتمثل في الحد من الاحترار العالمي إلى 1,5 درجة مئوية. ومن المتوقع أن يتم العمل بهذا النظام بحلول صيف عام 2022.

"مزحة سيئة"

لكن تشيسني ليس مُنبهراً بذلك. "التنظيم الذاتي لا يُجدي نفعاً. هذه مزحة سيئة"، كما يقول. "ما يجب فعله في سويسرا هو تطوير علاماتٍ لتحديد جَودة المُنتجات المالية المُستدامة. وهنا يجب اشراك مُتخصصين مُستقلين لا تتضارب مصالحهم مع عملية التطوير هذه".

في حال تمكنت سويسرا من التغلب على تحديات إنشاء مركز تمويل مستدام عالمي، فإن المكافآت تبدو واعدة. ووفقاً لمُنظمي قمة "بناء الجسور"، ارتفع الاستثمار المُستدام في سويسرا بين عامي 2019 و2020 بنسبة 31% ليصل اليوم إلى 1,52 تريليون فرنك سويسري (1,65 تريليون دولار أمريكي). لكن الافتقار إلى المُعطيات المَرجعية يجعل تقييم هذه المنتجات صَعباً في الوقت الحالي.

وبحسب باتريك أودييه، الذي يترأس الجمعية السويسرية للتمويل المستدامرابط خارجي أيضاً، فإن تنفيذ التزامات مؤتمر الأطراف للمناخ (كوب26) "سوف يَخلق ويُدَمّر أقسام كاملة ذات قيمة اقتصادية ومالية". وكما أضاف: "على الجانب الإيجابي، ووفقاً لتقديراتنا، يخلق التحول المناخي فرصة بقيمة 5,5 تريليون دولار سنوياً [في جميع أنحاء العالم]".

بالإمكان استثمار جزء من هذا المبلغ للإرتقاء بسويسرا إلى المستوى المُتَوَقَّع منها كَمُصَدِّرة للتكنولوجيا المتطورة الخضراء. وتشير دراسة صادرة عن بنك لومبارد أودييهرابط خارجي وجامعة أكسفورد إلى أن سويسرا، وبالمُقارنة مع العديد من الدول الأخرى، فَقَدَت وبشكل مُتزايد ميزتها التنافسية بهذا الصدد منذ عام 1995. مع ذلك، تتوفر هناك أيضاً إمكانية لِسَد هذه الفَجوة مع دول مثل ألمانيا، من خلال تعزيز الابتكار في عدد من المجالات، مثل الطاقة الشمسية وتوربينات الرياح.

ويُقَدِّر تقريرٌ صادر عن مؤسسة الاستثمار المستدام ‘إيثوس’ (Ethos) رابط خارجي بأن من شأن شركات التصنيع السويسرية الكبرى مُجتمعة، أن توَفِر مبلغ 34 مليار فرنك سويسري سنوياً (في تكاليف الطاقة والمياه والأرض على سبيل المثال) من خلال إنفاق 28 مليار فرنك سنوياً للوصول إلى صافي انبعاثات صفرية.

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟