Navigation

أقطاب التجارة السويسرية تتأقلم مع واقع الحرب الجديد

جنيف (في الصورة) وتسوغ هما الموقعان الرئيسيان في سويسرا لتجارة نسبة لا يُستهان بها من السلع الأساسية الروسية مثل النفط الخام والحبوب والزيوت النباتية. © Keystone / Leandre Duggan

بعد أن اتخذت سويسرا يوم 28 فبراير الماضي خطوة تاريخية لفرض عقوبات اقتصادية على روسيا لمُواءمتها مع أوروبا والولايات المتحدة، يتعيّن على منظومتها لتجارة السلع - وهو أشبه شيء بعجلة مُسنّنة رئيسية للصادرات الروسية - أن يتكيّف مع تبعات هذه الخطوة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 07 مارس 2022 - 08:33 يوليو,

يتعدّى نشاط سويسرا التجاري بشكل كبير حجمها الجغرافي، حيث كانت تتم فيها إلى وقت قريب إدارة ثلاثة أرباع النفط الخام والمنتجات النفطية الروسية، وحيث يقع فوق أراضيها المقر الرئيسي للشركة القائمة على مشروع خط أنابيب الغاز الروسي نورد ستريم 2 المثير للجدل. وفي سياق التطور المتسارع للأحداثرابط خارجي، أفيد يوم 1 مارس الجاري أن شركة نورد ستريم 2 التي تتخذ من تسوغ مقرّاً لها، قد استغنت عن خدمات أكثر من 140 من موظفيها نتيجة للعقوبات التي تم فرضها على روسيا.

وتُعتبر سويسرا أيضاً مركزاً رئيسياً للنشاط التجاري المتعلّق بالحبوب والزيوت النباتية الروسية والأوكرانية. وتساهم الخدمات المصرفية المتخصصة هنا في توفير القروض والائتمانيات للتجار، كما تغطي شركات الشحن جزءاً مهماً من نظام التداول والتبادل التجاري.

محتويات خارجية

وبعد أن أعلن الرئيس السويسري إينياتسيو كاسيس أن بلاده ستجمد الأصول الروسية على الفور، وذلك رداً على الغزو الروسي لأوكرانيا، أخبر العديد من التجار SWI swissinfo.ch أنهم يقومون بتقييم الوضع وأنهم سيلتزمون بتطبيق العقوبات الدولية.

ولكن تداعيات الوضع الحالي انعكست سلباً على العمليات التجارية، بما في ذلك الوصول إلى مصادر السلع وتوفير القروض، وكذلك على عقود التأمين والشحن.

"تكمن المشكلة في كيفية الاستمرار في التجارة مع الشركات لأننا لا نستطيع إجراء تحويلات برقية مع المصارف الروسية التي لم تعد مرتبطة في نظام "سويفت" SWIFT " كما تقول فلورنس شورتش ، الأمينة العامة للجمعية السويسرية للتجارة والشحن، التي تُعتبر مجموعة الضغط في هذا القطاع.

وباستثناء كندا، التي أعلنت يوم 1 مارس الجاري حظراً على النفط الروسي، لم تستهدف العقوبات الدولية السلع على وجه التحديد بغية الحد من تأثير ارتفاع السعر على المستهلكين. لكن الإجراءات الأخيرة التي تم اتخاذها، لعزل بعض المصارف الروسية عن نظام سويفت – النظام الرئيسي للاتصالات المالية العالمية - ومنع البنك المركزي في البلاد من استخدام احتياطاته، من شأنها أن تؤدي إلى تعقيد المعاملات مع مُورّدي السلع الروسية.

محتويات خارجية

يوم الإثنين 28 فبراير الماضي، أعلن كل من مصرفيْ "سوسيتيه جنرال" Société Générale و"كريدي سويس" Credit Suisse، وهما بنكان رئيسيان يقدمان القروض والائتمانيات لتجار السلع، أنهما سيُوقفان تمويل التداولات الروسية. وفي العادة، يعتمد التجار على خطوط ائتمان قصيرة الأجل لتمويل المعاملات قبل سداد مستحقاتها كاملةً عند تسليم البضائع. ويؤدي عدم القدرة على توفير مثل هذه الائتمانيات إلى تعقيد النشاطات التجارية، بما في ذلك شحن السلع التي يُمكن أن تتراوح ما بين منتجات الطاقة وحتى الإمدادات الغذائية والمعادن.

كما وضعت المجموعتان الماليتان الكبريتان "إي إن جي" ING و" رابوبنك" Rabobank حداً للقيّمين على صفقات السلع الأساسية الروسية من الحصول على الائتمانيات اللازمة. وكان البنكان الروسيان "غازبرومبانك" Gazprombank و"سبيربانك" Sberbank، اللذان لهما فروع في سويسرا وكانا مُدرجين في قائمة العقوبات الأمريكية، قد عرضا قبل نشوب الحرب في أوكرانيا، تقديم خدمات التمويل التجاري.

وفي ظل الضغوط المتزايدة التي تحدّ من إمكانية الحصول على الائتمانيات، وتفاقم زيادة عزلة روسيا وانهيار الروبل، الذي فقد حتى يوم 1 مارس الجاري 30 % من قيمته مقابل الدولار، فضّلت العديد من شركات السلع الأساسية عدم التعليق على مجريات الأمور.

استجابات في زمن الحرب

"ترافيغورا" Trafigura هي واحدة من الشركات العديدة التي تتخذ من جنيف مقراً لها وتتعاطى في تجارة نفط الأورال الخام، وهو عنصر أساسي لمصافي التكرير الأوروبية، والتي تشمل أيضاً مصافي "غلينكور" Glencore و"فيتول" Vitol و"غونفور" Gunvor. وفي بيان أرسلته عبر البريد الإلكتروني صرّحت شركة "ترافيغورا" بما يلي: "نواصل مراقبة الموقف عن كثب والتأكد من أن أي معاملات نقوم بها تخضع للمتطلبات والعقوبات التنظيمية المعمول بها".

ويوم الأربعاء 2 مارس، أعلنت شركة "ترافيغورا" أنها جمّدت استثماراتها في روسيا في أعقاب غزو موسكو لأوكرانيا، وكانت بصدد مراجعة قيمة حصتها البالغة 10 في المائة في مشروع نفط "فوستوك" Vostok Oil التابع لشركة "روسنفت" Rosneft في المنطقة القطبية الشمالية. وفي وقت سابق من الأسبوع الماضي، أعلنت شركة النفط البريطانية العملاقة "بريتيش بتروليوم" أنها ستتخلى عن حصتها التصويتية البالغة 19.75% في "روسنفت"، وكانت شركة "شل" قد تخلّت عن حصصها الروسيةرابط خارجي، قبل حظر روسيا بيع الأصول الوطنية.

محتويات خارجية

في غضون ذلك، صرحت شركة "غلينكور" في منتصف فبراير الماضي بأنها باعت حصة من أسهمها التي تشكل نسبة الأقلية في شركة "روسنفت"، وهي شركة صغيرة لإنتاج النفط، بعد أن تم إدراج اسم مؤسّسها على لائحة عقوبات الاتحاد الأوروبي العام الماضي. كما تمتلك شركة "غلينكور" نسبة 10.55% من أسهم En + ، وهي مجموعة للطاقة الكهرومائية والمعادن بالإضافة إلى حصة أخرى في شركة "روسنفت". وفي بيان رابط خارجيصدر مساء الثلاثاء 1 مارس، قالت الشركة: "ليس لدينا وجود تنفيذي في روسيا وانكشافنا التجاري ليس ذا أهمية بالنسبة لشركة غلينكور".

أما سادس أغنى أعيان روسيا، والمؤسّس المشارك في شركة "غونفور"، غينادي تيمشينكو، فقد باع حصصه في الشركة في عام 2014 بعد إدراجه في قائمة عقوبات أمريكية سابقة بعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، وربط أنشطته التجارية ببوتين.

وفي حين قلّل بعض تجار الطاقة من شأن تأثير العقوبات، صدرت تقاريررابط خارجي يوم 1 مارس تشير إلى استمرار نشاط تجارة النفط في روسيا، وارتفع سعر خام برنت، وهو المؤشر الدولي، إلى ما فوق 112 دولاراً للبرميل، وهو مستوى لم يشهده العالم منذ عام 2014.

ما هو الواقع الجديد؟

بالنسبة إلى جياكومو لوتشياني، خبير تجارة السلع، فإن التجار يستجيبون حالياً لنوايا معظم الحكومات الغربية، المتحفظة على رفع الأسعار بعد أي تخفيضات في إمدادات الطاقة. وفي الوقت الحالي، تحافظ هذه الحكومات على تدفق المنتجات من روسيا، وإن كان ذلك بتكاليف معاملات أعلى.

لكن الخبير يتوقع أن يتغيّر هذا الوضع على المدى الطويل.

ويقول لوتشياني: "في المستقبل، سنشهد إجراءات وسياسات متعمّدة للحد وبشكل تدريجي من اعتماد (الغرب) على النفط والغاز الروسيين، وربما يؤثر ذلك على النفط أكثر منه على الغاز، عن طريق تثبيط تصدير المنتجات النفطية من روسيا".

ويعني ذلك أن التجار سيعمدون إلى تأمين احتياجاتهم من واردات النفط الخام من أجزاء أخرى من العالم، بما في ذلك من الدول الأعضاء في منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك"، وهي تكتل احتكاري من الدول الرئيسية المصدرة للنفط. ويوم 2 مارس، اتفق ما يُعرف بـ "أوبك + الدول النفطية"، المكون من أعضاء منظمة أوبك بقيادة السعودية ومن أعضاء من خارج المنظمة، على التمسك بزيادات قليلة من إنتاجها.

لكن لوتشياني يضيف أنه، وكما حدث في الفترة التي أعقبت فرض الولايات المتحدة عقوبات على فنزويلارابط خارجي في عام 2019، قد ينتهز بعض التجار الفرصة للتجارة مع روسيا.

ويقول إن "الصين والهند دولتان تمارسان التجارة بذكاء ولن ترغبان في دفع نفس السعر" مقابل النفط بمجرد أن يُصبح من الصعب على التجار الغربيين التعامل مع روسيا، وهو ما سيجبر هذه الأخيرة على تصدير نفطها بأسعار منخفضة بشكل حاد. ويضيف لوتشياني قائلاً: " حينذاك، سيتطلع الصينيون بالتأكيد إلى حسومات كبيرة في الأسعار وكذلك سيفعل الهنود". تجدر الإشارة هنا إلى أن كلاً من الصين والهند لم تفرضا عقوبات على روسيا.

الضغوطات على سوق الحبوب

بالإضافة إلى انقطاع الإمدادات في منتجات الطاقة، يتوقّع تجار المنتجات الزراعية في سويسرا أيضاً تأثير العقوبات على تمويل التجارة في هذا القطاع، لا سيما بعد توقف الإنتاج في أوكرانيا، إثر ترك العمال وظائفهم للتوجه إلى الخطوط الأمامية أو الفرار من الحرب.

وتقول شورتش: "(هذه القضايا) ستؤثر على الدول كافة لأن روسيا وأوكرانيا تُساهمان كثيراً في توفير الحبوب والحبوب لبقية العالم". وباعتبارهما تباعاً أول وخامس أكبر منتجي القمح، فإن إنتاج كل من روسيا وأوكرانيا يمثلان معاً رُبُع الإنتاج العالمي. لذلك، "إذا ارتفعت أسعار السلع الأساسية المُيسّرة فستكون هذه مشكلة كبيرة"، على حد قولها.

وبالفعل، فإن أسعار القمح والذرة آخذة في الارتفاع، وهناك قلق متزايد من أن الاضطرابات في الإمدادات ستؤثر على الأمن الغذائي، لا سيما في دول الشرق الأوسط وأفريقيا، التي تُعتبر من أكبر المشترين للحبوب الروسية.

ويقول إيفو سارجانوفيتش، المحاضر في برنامج تجارة السلع بجامعة جنيف: "كلما استمرت الحرب، كلما كانت هناك اختناقات" في إمدادات السلع الغذائية. ويضيف قائلاً: "سيتعيّن على المشترين إما دفع المزيد، وإما التحول إلى مصادر بديلة وإما في نهاية المطاف استنفاد المخزون الذي يملكونه".

وبالفعل، أصبح التجار يقومون بشراء القمح والذرة من رومانيا وشراء شحنات أصغر من الذرة الفرنسية بغية بيعها في أوروبا. ومن المتوقع أن يوفر القمح المستورد من الأرجنتين وأوروغواي بدائل للأسواق في الدول الأكثر بُعداً من أوروبا.

مشاكل الشحن

تعد الصعوبات في شحن المواد الغذائية والسلع الأخرى بمثابة اختبار إضافي في مجال آخر متعلق بمنظومة تجارة السلع في سويسرا التي تؤوي شركة "إم إس سي" MSC، وهي أكبر شركة شحن في العالم. ووفقاً لتقريررابط خارجي صادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، تحتل سويسرا، الدولة غير الساحلية، المرتبة الثالثة عشرة بين أكبر الاقتصادات المالكة للسفن، متقدمةً بذلك على كل من هولندا وإيطاليا وروسيا.

ومع اشتداد الاضطرابات على طرق التجارة عبر البحر الأسود، شهدت ارتفعت تكاليف الشحن ارتفاعاً ملحوظاً. كما تعرّضت السفن، من بينها سفينة كانت قد استأجرتها شركة التجارة العالمية "كارغيل" Cargill، للقصف، في حين تفرض شركات التأمين دفع الأقساط المتوجّبة على السفن وترفض تغطية تلك المُبحرة إلى المنطقة. نذكر هنا أن شركة الشحن "إم إس سي" لم تستجب لطلبات التعليق على هذا الأمر.

وتقول شورتش إنه مع وجود عدد من السفن العالقة في مناطق الموانئ الأوكرانية المحاصرة مثل أوديسا وماريوبول، فإن بوادر أزمة جديدة في مجال النقل البحري بدأت تلوح في الأفق.

وتضيف الأمينة العامة للجمعية السويسرية للتجارة والشحنرابط خارجي قائلة:" نواجه مشكلات كبيرة فيما يتعلق بالشحن خاصة بعد التعافي من أزمة جائحة كوفيد - 19، التي شهدنا خلالها نقصاً في الإمدادات". "اليوم، لدينا مرة أخرى مشكلة مع سلاسل التوريد".

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

اكتب تعليقا

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟