Navigation

"نكروزيا".. في انتظار وفاة مثالية

Helen James /swissinfo.ch

ماذا لو كان من المُمكن ترتيب الموتة المثالية بشكل مُسبق؟ في هذه الحلقة الجديدة من سلسلة الخيال العلمي التي نقترحها عليكم، نهتم بـ "نكروزيا"NecrosIA ، وهي خدمة روبوتية فاخرة للمُساعدة على الانتحار. ولكن عندما يتم استخدام أحدث أنظمة الذكاء الاصطناعي على العملاء والعميلات، يُصبح الموت الطوعي أكثر صعوبة مما كان متوقعًا..

هذا المحتوى تم نشره يوم 03 ديسمبر 2021 - 09:57 يوليو,
تُو ووست (النص)، هيلين جيمس (الصور)

"وقتك ثمين، فلا تضيّعه في ترتيب وفاة مثالية. ولأن كل دقيقة من لحظاتك الأخيرة يجب أن تكون ساحرة، انسَ همومك ودعْ خدماتنا الفاخرة تهتم بكل شيء.

"نكروزيا"  NecrosIA، الشركة الرائدة في مجال الروبوتات للمساعدة على الانتحار".

يوتوبيا وديستوبيا الغد: مسلسل خيال علمي استشرافي جديد تقدمه لكم SWI swissinfo.ch

مدينة فاضلة أم واقع فاسد؟ حلم أم حقيقة؟ تضعنا الثورة التكنولوجية المُعاصرة في مواجهة أسئلة جوهرية حول مستقبل البشرية. هل ستكون التقنيات الجديدة حليفنا أم عدونا؟ كيف ستغير هذه التقنيات دورَنا في المجتمع؟ هل كُتِب علينا أن نتطور إلى نوع من البشر الخارقين، أم أننا سنكون خاضعين لقوة الآلات؟

"يوتوبيا وديستوبيا الغد"هي سلسلة فريدة من قصص الخيال العلمي القصيرة التي طورتها SWI swissinfo.ch للإجابة على هذه الأسئلة بطريقة مُبتكرة ومُتبصِرة. وبفضل إبداع مجموعة من كتاب الروايات الخيالية وتعاون الباحثين والمهنيين السويسريين العاملين في المجالات التي تم طرحها في القصص، سوف نحاول أن نتخيل ونفهم احتمالات قدرة التكنولوجيا على تشكيل حياتنا. سوف تكون كل قصة خيال علمي مترافقة مع مقالة واقعية بالتعاون مع علماء سويسريين بارزين لفهم ما يحدث في بعض مجالات البحث الأكثر تطوراً وإثارة لخيالك!

End of insertion

ألقيتُ بالورق المقوى الصقيل على المنضدة في غرفة الفندق حيث وضعتُ للتو حقائبي. على ظهر الورقة، وبأحرف قُزحية، كلمتان صغيرتان ثقيلتان بنفس القدر الذي يكتنزه العبء الذهني وحجم الإرث الذي تريد والدتي أن تتركه لي: "اتصل بي".

لم أسمع صوتها منذ شهور. منذ أن غادرتُ مكتبها مُوصدة الباب بقوة. حتى أكون صادقة، لم أعد أتذكّـر النبرة الأصلية لصوتها، تلك النبرة السابقة، التي كانت تغمُرني بالتهويدات والضحكات. إن مُركِّـب الصوت الذي تستخدمُه منذ سنوات لا يُنصف المرأة العظيمة التي أنجبتني. جميع أصدقائي الذين اكتشفوه (أي مُركِّـب الصوت) وأصيبوا بالغثيان أو وجدوا أنه من المُضحك التلاعب بكلمات مثل "هوكينغ" [في إشارة إلى الباحث ستيفن هوكينغ، الذي توفّي بسبب إصابته بتصلب جانبي ضموري] لم يكونوا يتجاوزن عادة مرحلة العشاء العائلي في بيتي.

خلعتُ حذائي المخصّص لممارسة رياضة المشي، ومعطفي المشمّع مع قبعته وسروالي الخاص بالتجوال لمسافات طويلة قبل الاستلقاء على السرير لمُعاينة جدول أعمالي لليوم التالي. مجموعة من المُعمّرين البالغين من العمر مئة سنة يُريدون تسلق جبل ماترهورن ثم الهبوط من القمة ببدلة طيران مُجنّحة للاحتفال بعيد ميلاد أحدهم.. هذا هو الحدث الثالث من هذا الصنف الذي أقوم بتنظيمه هذا العام، وكأن هذه الفئة من العُملاء ينشرون المعلومة فيما بينهم ويتبادلون بطاقتي التعريفية. أشعة الشمس وقوة الرياح والملف الشخصي لكل مشارك: أتحقق من مؤشرات الأمان الخاصة بي. تُفلت منّي ضحكة ساخرة بطعم المرارة. من المُمكن "تحسين" مجانين أصحّاء لكي يعيشوا إلى أجل غير مسمى والتحليق في الجو، ولكن لا وجود لعلاج " لداء شاركو – ماري -توث" الذي أصبتِ به والذي يُسمّركِ في كرسيك المتحرك؟ في أي عالمٍ حملتِ بي يا أمّي؟

أولى تباشير الفجر البرتقالية تدغدغ إطار النافذة. أؤجّل المكالمة مع "نكروسيا" NecrosIA . لا شك في أن والدتي تنشط لإجرائها على الرغم من الوقت المبكر. هي لا تفهم لماذا لم أعد للنوم في المنزل، ولماذا لا أرغب في استلام إدارة الشركة المزدهرة التي أنشأتها.

أغرق في نوم بلا أحلام وأستيقظ مُنتفضة. أتلمّس تلقائيًا التجويف الموجود خلف شحمة أذني اليمنى بإصبعي، لكن يتّضح أن بشرتي ناعمة وطرية.. بل عذراء. أتنهّد وأستنشق الهواء ثم أبدأ في إجراء المكالمة.

"آلو، أمّي؟

- كنت أنتظر مكالمتكِ. في الواقع، أنا في انتظاركِ. هل ستأتين إلى سريري؟

 - نعم ، لكنني لا أوافق على قرارك.

- أيّهما؟ ذلك المتعلق بمن سيمُوتُ الليلة، أم ذلك الذي سيُورّثكِ الشركة؟

- جميع قراراتك!".

لم أستطع منع نفسي من رفع نبرة صوتي. جهازي يطلب مني الانتقال إلى الفيديو. أقوم بتبديل طريقة الاتصال وتظهر والدتي على كرسيها المتحرك، وهي متكورة أكثر من أي وقت مضى. الأضواء الثلاثة الخاصة بالشريحة المزروعة خلف الأذن تُظهر لونا أخضر ساطعا، وهي علامة على أن الروبوت النانوي المتّصل بقاعدة دماغها سوف يبث تعليماته المُميتة في الوقت المحدد سلفا.

"انظري إليّ يا ليديا"، هذا ما قاله لي صوتها الاصطناعي آمرًا. انظري إليّ وستجدين أنني في سلام مع قراري بوضع حدّ لحياتي. سأترك خلفي شركة متعددة الجنسيات سليمة وناجحة. قسمُ "ما بعد الإنسانية" لدينا يُموّل ذاتيًا بفضل قسم "إيتيرنيتي". عندما يبدأ عملاؤنا بالجنون لأنهم لا يستطيعون الموت بشكل طبيعي، فإنهم يشترون أحد روبوتات القتل الرحيم لدينا. حتى تكون الإمكانية متاحة لهم. هذا يُريحهم كثيرًا، كما تعلمين. إنها ضمانة بأنهم يستطيعون المغادرة قبل فقدانهم لعقولهم.

- أمي ، هذا لا يغيّر شيئًا بالنسبة لي. أنا أعرف كل هذا بعدُ ولا أريده.

- ليديا، ليست لديّ ثقة إلا فيك. لم ترتكب "نيكروسيا" NecrosIA إلا خطأ واحدًا فقط في التقدير من بين آلاف عمليات القتل الفعلية، يجب الاستمرار في تجويدها.

- إنه أمر مستحيل يا أمي. اسمعي، لا أشعر بالرغبة في التخاصم معك، وخاصة اليوم. يُمكنكِ أن تجبريني على مشاهدة انتحارك، ولكن لا يُمكنك إرغامي على أن أتقلد دوركِ كمديرةٍ عامة. كل هذه الأموال، كل هذه المسؤوليات، كل هذا الضغط الإعلامي ...

- إنها أقل خطورة من نشاطك كدليلة جبلية. أنت تُعرّضين حياتكِ للخطر كل يوم.

صوتها يتحوّر، وتأتي صورتها مشوشة، ثم تغمرني حالة من الوهن وأغوص في الظلام. عندما أفتح عينيّ، أكتشف أنها تجلس في كرسيها التنفيذي، محاطة باللجنة المعنية بتجديد رخصة الاستغلال. نبرة صوتها الرتيبة لا تكشف عن ابتهاجها الذي أخمّنه:

"أعضاء اللجنة الأعزاء، كما ترون، بعد الحادثة التي تعرّضت لها في أعالي الجبال، أعربت ابنتي عن الرغبة في وضع حد لحياتها وقامت بتفعيل عملية القتل الرحيم. يرسُو روبوت نانوي في منطقة ما تحت المهاد (وهي حلقة الوصل بين الجهاز العصبي الذاتي والجهاز الإفرازي من خلال الغدة النخامية – التحرير) ويقوم بسلسلة من الاختبارات. في حالة شبه واعية، يكشف لنا المريض عن جزء من تطلعاته العميقة. إن السيناريوهات الإرشادية (أو المُوجّهة) كالسيناريو الذي شاهدتموه للتّو يقوم بتغذية قاعدة البيانات العالمية الخاصة بنا وتجويد معايير الإذن بالقتل. إن الواقع المتمثل في أنها لا تقبل قراري الوهمي الخاص بالقتل الرحيم يؤدي إلى إطلاق جولة من عمليات التحقق الإضافية. إجمالا، تقوم وحدة الذكاء الاصطناعي المركزية لدينا - التي تتواصل مع كل روبوت نانوي - بإجراء عدة تريليونات من الاختبارات بكل موضوعية. وعند وجود أدنى شك، نُبقي الشخص على قيد الحياة".

تُومئ الرؤوس بالموافقة. عالم روبوتات، عالم أخلاقيات، طبيب، أخصائي نفسي.. تخصّصات الحاضرين متنوعة، لكن أيّا منهم لم يلاحظ أيّ منهم بريق الانتصار في نظرة أمي الحادة. فانتباههم يتركز على جسدي المتهالك الذي لن يتسلق مستقبلا أي قمة مغطاة بالثلوج وعلى شريحتي (المزروعة خلف أذني) والتي يُصرّ ضوءُ مصباحها الصغير الأخير على عدم التحول إلى اللون الأخضر.

بغمضة عين قوية، تأمر المديرة نقّالتي المتحركة ذاتيا بإعادتي إلى غرفتي الذهبية في المستشفى. غدا، ستقوم بإخراجي منها لتعرضني على ممثلي وسائل الإعلام.

اذهبي إلى الجحيم، أمي، أنتِ و"نكروسيا"! لا شيء يربطني بالحياة بعدُ سوى إفراطك في الحذر.

*          *          *

(*) عندما كانت طفلة، كانت تو ووست تريد أن تُصبح رائدة فضاء (يا للصورة النمطية!) أو جامعة قمامة (وظيفة في الهواء الطلق، يا للروعة!). ولكن بعد دراسة الرياضيات، ثم الحوسبة المستدامة، نشطت في مجال الإدارة العمومية. خلال مختلف هذه المسارات المتشعبة، استمرت بعض السمات قائمة: تذوقها للخيال العلمي وتفاؤلها الذي لا ينضب. فضلا عن لهجتها، السويسرية جدا.

مقالات مُدرجة في هذا المحتوى

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟