Navigation

"لها تأثير، ولكن .. "

تأثير الانتفاضة امتد خارج حدودها الجغرافية، لتفسح المجال للتكهن حول طبيعة تأثيرها وما سيؤدي إليه على مختلف الصعد swissinfo.ch

قبل أن تنتهي فترة الأسبوعين التي أعلن الدكتور أسامة الباز أن الولايات المتحدة ستتحرك في غضونها بشكل ملموس، قرر وزراء خارجية الدول العربية في اجتماعهم يوم الأربعاء تشكيل لجنة برئاسة السيدة حنان عشراوي تتوجه إلى واشنطن لحث إدارتها على التدخل بفاعلية في الصراع العربي الإسرائيلي وإلا "تعرضت مصالحها للخطر".

هذا المحتوى تم نشره يوم 26 أغسطس 2001 - 20:43 يوليو,

الملفت للنظر في المحاولتين هو اختفاء ما يمكن أن نسميه بمفاتيح الحل في الصراع العربي الإسرائيلي، أي الشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن، ومرجعية مؤتمر مدريد الذي شهد انطلاق العملية السلمية حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن.

فبينما نوه الدكتور أسامة الباز في حديثه مع إحدى شبكات التلفزة الأمريكية إلى خطورة امتداد آثار الانتفاضة لتعمل على دعم التيار الأصولي ما قد يؤدي إلى زعزعة أنظمة الحكم، حسب قوله، فإن الأكثر إثارة هو تركيز الوفدين على مصالح واشنطن في المنطقة، فهل تحولت المرجعية إلى حماية المصالح الأمريكية بدلا من المطالبة بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني؟

تفاعل مع الانتفاضة

اهتز الشارع العربي تفاعلا مع الانتفاضة وشهدت عواصم العديد من الدول مظاهرات تضامنا مع ضحاياها، وساعدت الفضائيات المستقلة على توضيح الصورة كاملة للرأي العام العربي، حتى تحولت إلى حديث الناس اليومي، فلم يكن أمام الإعلام الحكومي إلا متابعة الأحداث كي لا يتهم بالتقصير أو التعتيم، كما ظهرت أغنيات تندد بالسلوك الإسرائيلي وتعكس الروح المتعاطفة مع الانتفاضة.

إلا أن صبر الحكومات العربية قد نفذ على ما يبدو من ذلك المد المعنوي للانتفاضة وارتفاع أصوات الشارع العربي باتخاذ مواقف أكثر فعالية، فعمدت بعض الدول إلى منع المظاهرات بصفة عامة، واكتفت القليل منها بأن تكون داخل إطار محدود كنوع من التنفيس.

وإذا كانت الحكومات الأوربية مثلا تحسب لشعوبها ألف حساب، وتخشى من ردة فعل الرأي العام الذي يسقط حكومات ويقيل وزراء بل ويحاكمهم إذا ثبت تورطهم وإدانتهم، فمن ماذا تخشى الأنظمة العربية وهي التي اعتمدت على الانقلابات والبطش أما للوصول إلى الحكم أو لتثبيت أرجلها فيه لأجيال وعقود؟

أخطار ومخاوف

المراقبون اختلفت آرائهم حول تأثير الانتفاضة على الشارع العربي، فمنهم من يرى بأن تأثيرها كان وقتيا محدودا اقتصر على الفترة الأولى، ثم انصرف الناس إلى حياتهم اليومية التي لها مصاعبها ومشاغلها في اغلب الدول العربية، إلى جانب يأس الجماهير من إمكانية تحقيق أية خطوات إيجابية لصالح الانتفاضة، بعد أن عجزت الحكومات العربية من تقديم شيء سوى التصريحات والوعود، وهي، أي الحكومات، التي تسيطر على مجريات الأمور وعلى تحركات الشارع العربي، وخاصة السياسة منها، ولم تنجو من ذلك حتى النقابات والجامعات التي من المفترض أن تكون لها استقلاليتها، فغاب تضامن النقابات العمالية العربية مع العمال الفلسطينيين الذين حرمتهم الانتفاضة من مصدر رزقهم، ولم يتمكن طلاب الجامعات العربية من مساندة زملائهم الفلسطينيين الذين حرمتهم القوات الإسرائيلية من استكمال دراستهم.

ويرى الدكتور حسني عبيدي مدير مركز الدراسات والبحوث حول الوطن العربي والمتوسط في جنيف أن النقابات العربية لا تمثل إلا نفسها ولها علاقات وطيدة مع السلطة أكثر من علاقتها مع الفئة العمالية التي تمثلها وبالتالي فهي مقيدة ولا تستطيع التحرك في نطاق أوسع من المرسوم لها،
أما فتور الشارع العربي فيرجع حسب رأي الدكتور عبيدي إلى ما يصفه بحالة التنويم التي يخضع لها الرأي العام بسبب خطأ النظام السياسي العربي، الذي يخشى من تأكيد فشله على الصعيد الداخلي في حل مشاكل المواطن العربي وانعكاس ذلك على سياسته الخارجية التي هي مرآة السياسة الداخلية.

في المقابل يرى الدكتور محمد المسفر أستاذ العلوم السياسية في جامعة قطر أن ردود فعل الشارع العربي من المحيط إلى الخليج كانت متساوية في بدايات الانتفاضة، والمستقبل ينتظر تفعيل هذا الشعور لخدمة الشارع العربي، أما الكبت والقهر الذي يعاني منه لتأييد الانتفاضة مراعاة للتوجهات الأمريكية في المنطقة فهي التي ستؤدي إلى الانفجار، مشيرا إلى أمثلة من التاريخ العربي الحديث في مختلف دول المنطقة.

محاولات التأثير بتغيير لغة الخطاب

أما تغيير لغة الخطاب السياسي العربي وعدم استخدام "الشرعية الدولية وقررات الأمم المتحدة ومرجعية مؤتمر مدريد" في لغة الحوار مع واشنطن فترجع حسب رأي الدكتور المسفر إلى الفهم السياسي للأنظمة العربية الذي يسعى إلى إثارة الرأي العام الأمريكي للتحرك دفاعا عن مصالح واشنطن في المنطقة، إلا أن الدكتور المسفر يرى أن هذه المصالح الأمريكية في مأمن، فأساطيلها تحيط بالمنطقة علاوة على أن الإرادة السياسة العربية ليست قادرة على اتخاذ القرار، على الرغم من أن المصالح العربية تواجه بالفعل مخاطر اقتصادية بالدرجة الأولى، كما أن الأنظمة العربية أيضا مهددة لذا تحاول تثبيت نفسها الآن ومستقبلا استنادا إلى العون الامريكي.


وإذا كان الدكتور عبيدي يرى أن العمل الفلسطيني الديبلوماسي الجيد هو الدعم الوحيد للانتفاضة فان الدكتور المسفر يضيف بأن ما يمكن أن يضر بها هو أن تطعن من الظهر من بعض الأنظمة العربية ومن وصفهم بالعملاء في صفوف الفلسطينيين، أما تحقيق الإنجازات، حسب رأي الدكتور المسفر فليس بالقرارت السرية بل بموقف حاسم، يتركز على إجماع عربي مطلق برفع الحصار عن العراق، وامتداد الساحة العربية بين بغداد ودمشق والقاهرة والرياض على أسس اكثر ثباتا، ومقاطعة إسرائيلية حاسمة، مؤكدا على أن الغرب لا يحترم الضعيف.

ويبقى الشارع العربي على الرغم من كل ما يعاني منه في حياته اليومية مراقبا لما يحدث للفلسطينيين، وشاهدا على كيفية تحرك المساعي العربية التائهة بين محاولات مختلفة تتفاوت في أهدافها بين معلن وخفي، وفي المقابل ترصد الأطراف الدولية الأخرى ما يحدث على الساحة العربية محاولة إحكام سيطرتها على كافة الخيوط والمحاور، لكن نصف قرن من الصراع العربي الإسرائيلي وما آل إليه حتى الآن كفيل بفتح صفحة جديدة ليس في تاريخ الصراع فحسب، بل في تاريخ المنطقة العربية برمتها.

تامر أبو العينين

مقالات مُدرجة في هذا المحتوى

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟