Navigation

"إيـران - نجاد": أسئلة كبرى، ومخاطر أكبر

المهندس محمود أحمدي نجاد، الرئيس السادس للجمهورية الإسلامية في إيران Keystone

أثار انتخاب المهندس محمود أحمدي نجاد رئيسا للجمهورية الإسلامية في إيران تساؤلات متعددة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 01 يوليو 2005 - 11:11 يوليو,

ولعل أهمها يتعلق بمصير القوى الإصلاحية في البلاد، وانعكاسات الهيمنة المطلقة للمحافظين على السياسة الخارجية واحتمالات التعاطي الغربي مع الوضع الجديد.

ثلاث أسئلة كبرى أثارها "تسونامي" فوز المحافظ الأصولي المتشدد محمود أحمدي نجاد في إنتخابات الرئاسة الإيرانية:

1- ماذا حل بالقوى الإصلاحية، التي سيطرت طيلة 8 سنوات (1997 – 2005) على 80 في المائة من أصوات الرأي العام الإيراني، ولماذا تعّرض الزعيم المحافظ البراغماتي هاشمي رفسنجاني إلى تلك الحملات السياسية والشخصية والانتخابية المدمرة، برغم علاقاته الوثيقة بأركان النظام الديني؟

2- ماذا يعني إنتصار المحافظين، الذي أصبح كاملاً الآن، بالنسبة لإيران والمنطقة والعالم؟

3- أي نهج سيتبع الغرب الأميركي والاوروبي إزاء إيران "الجديدة"؟

الانقلاب التدريجي

نبدأ مع السؤال الاول حيث سنكتشف سريعاً أن الإصلاحيين كانوا ضحايا ومذنبين في آن حيال التدهور السريع الذي آلوا إليه.

هم مذنبون لانهم منذ الفوز الكاسح للرئيس الأصلاحي محمد خاتمي بالرئاسة عام 1997، طغى عليهم التردد والتذبذب والخوف من مجابهة القوى المحافظة التي تحكم قبضتها على السلطة الدينية (مرجعية الفقيه) والامنية والأستخبارية والعسكرية والمالية.

كانت توقعات الشبان الإيرانيين، الذين يشكلّون غالبية الـ 65 مليون مواطن إيراني، كبيرة بأن تتمكن السلطة الزمنية المنتخبة من الشعب، من انتزاع الصلاحيات من السلطة الدينية التي تعتبر نفسها "منتخبة من الله" بشكل أو بآخر، لتحقيق طموحاتهم بالحرية والخبز.

لكن، خلال كل مجابهة مهمة، كان الإصلاحيون يتراجعون والمحافظون يتقدمون. كان الإصلاحيون (أو خاتمي وبعض قادتهم على الأقل) يغلبون شعار الوحدة على الصراع، فينتصر المحافظون لمجرد أنهم يهددون بتغليب الصراع على الوحدة.

هذا لا يعني أن الإصلاحيين لم يحققوا أية إنجازات. فالبرلمان الاصلاحي قام خلال السنوات الاربع الاخيرة بإصدار قوانين ليبرالية عدة حررت حرية الصحافة، وجعلت إيران عضوا في معاهدات الامم المتحدة التي تحظر التعذيب والتمييز بين الجنسين. كما حظر البرلمان على الشرطة دخول الجامعات، وتقدم بمشروعي قانونين للحد من سلطة المجالس غير المنتخبة لصالح المؤسسات الديموقراطية.

أجل، الاصلاحيون فعلوا كل ذلك. لكن المحافظين فعلوا ما هو أهم من ذلك: إنهم أجهضوا كل هذه المشاريع في مهدها، سواء من خلال مجلس الاوصياء، او مجلس صيانة الدستور، أو مرجعية ولاية الفقيه نفسها.

وهذا ما جعل 80% من الايرانيين الذين صوتوا لخاتمي والاصلاحيين "يملّون" من كل اللعبة السياسية. لم يكن قمع المحافظين هو سبب الملل، بقدر ما كان إستسلام الإصلاحيين لهذا القمع، وترددهم في خوض المجابهات.

فالاصلاحيون، وبصفتهم أبناء ثورة 1979 الاسلامية الخمينية، وجدوا أنفسهم عالقين في "منزلة ما بين المنزلتين": لا هم قادرون على حمل المحافظين على تحقيق الاصلاحات بالتي هي أحسن ديمقراطياً، ولا هم مستعدون لمنازلتهم بالتي هي أسوأ شعبياً، خوفا من إنهيار النظام على رؤوس الجميع.

وهكذا، عـوّّد الرئيس خاتمي الناس طيلة السنوات الست الماضية على التهديد بالاستقالة، كما عودّهم على التراجع عن هذه الاستقالة. وهكذا أيضا، كان المحافظون يفيدون من هذا المأزق التاريخي للإصلاحيين بتحويله الى فرصة تاريخية لهم.

الإصلاحيون كانوا مذنبين إذاً. لكنهم في الوقت ذاته سقطوا ضحية مخطط حاكته يد المحافظين بعناية فائقة، ونفذته على مراحل مدروسة بدقة بالغة.

بداية المخطط كانت مع الانتخابات البلدية التي جرت عام 2003. في تلك الانتخابات، إمتنع غالبية الايرانيين عن التصويت، تاركين بذلك المجال لنحو 10 الى 15% من الناخبين، الذين يشكلون النواة الصلبة للمحافظين، بالسيطرة على معظم البلديات.
هذا النصر البلدي غير المتوقع، فتح شهية المحافظين على نصر برلماني أرادوه متوقعاً.

وحسبة المحافظين هنا كانت بسيطة: إذا ما قصمنا ظهر الاصلاحيين في المرحلة الاولى من العملية الانتخابية (عبر إستبعاد معظم قادتهم من الترشيح) وفشل هؤلاء في التصدي لهذه الخطوة، فإن غالبية الشعب الأيراني التي فقدت الامل، او تكاد، في قدرة ممثليهم الاصلاحيين على تحقيق مطالبهم في الحرية والخبز، ستقاطع أيضا الانتخابات التشريعية. وهذا سيؤدي الى سقوط البرلمان، ومن بعده منصب الرئاسة، ثمرة يانعة في احضاننا.

وهذا ما حدث بالفعل في الفترة الفاصلة ما بين 2003 و2005.

أسد همايون، الباحث الايراني في مؤسسة الدراسات الاستراتيجية في واشنطن، يفسر أسباب هذا المخطط المحافظ بالقول ان المحافظين "لم يعودوا قادرين على قبول تطبيق أية إصلاحات، أو يسيروا الى أي حل وسط". لماذا؟ لأنهم، برأيه "تحولّوا الى طبقة أو شبه طبقة داخل الاسلام الشيعي. فهم، الى جانب تمتعهم بالامتيازات الاقتصادية الشاسعة، يؤمنون بأن ولي الفقيه يختاره الله ليقود المسلمين، وله وحده الحق بتفسير تعاليم الاسلام". وبالتالي، لن يقبل المحافظون في يوم ما بأن يخضعوا للدستور الوضعي، ولا بإنهاء الازدواجية في النظام الايراني بين مؤسسات الدولة والثورة، الا إذا كان ذلك في صالحهم".

وينحو أحد رجال الدين الشيعة البارزين في لبنان (طلب إغفال أسمه) المنحى ذاته. فهو يقول: "إن فكرة ولاية الفقيه خلقت في إيران (ما أسماه) "نخبة ديكتاتورية" تحكم من فوق بأسم الله، ومن تحت بإسم الشيطان الاقتصادي والنفعي".

ومع مثل هذه التركيبة المعقّدة التي تتشابك فيها "السماوات مع القبوات" (على حد تعبيره)، لا مجال للحلول الوسط. نعم، المحافظون يميلون أحيانا الى التفاوض والنقاش، لكن ليس بحثا عن تسويات، بل لمجرد اللعب على الوقت والتلاعب بالتناقضات".

ويضيف أنه "كان يتعيّن دوماً على الاصلاحيين لا المحافظين أن يخشوا الحرب الاهلية. فالمحافظون لا يسيطرون على القوات المسلحة والميليشيات وأجهزة الامن والقضاء فحسب، بل أيضا عل نحو 7 ملايين ناخب. وهؤلاء، وعلى عكس العشرين مليون ناخب الذين إنتخبوا خاتمي، كتلة متراصة يمكن ان تتحّول بسهولة إلى جيش إيديولوجي- طبقي- أمني شرس".

أبعاد ومضاعفات

هذا عن السؤال الاول. ماذا الان عن السؤالين الباقيين حول معنى إحكام المحافظين قبضتهم على كل مفاصل السلطة؟

بالنسبة للداخل الإيراني، تبدو الصورة شبه واضحة: حكم شعبوي جسده خطاب الرئيس الجديد نجاد الانتخابي، الذي ركز فيه على نقاط ثلاثة: إستقطاب جماهير الفقراء، إستثارة القومية الفارسية القوية، والعودة للطهرانية الإسلامية. وبالطبع، وكما مع كل نظام شعبوي آخر، يتمثل الوجه الأخر لشعار "سلطة الجماهير" (التي يجسدها الزعيم)، في قمع كل أشكال المعارضة ومصادرة الحريات بإسم مصلحة الشعب او الثورة، وإستبدال شرعية السلطة الديموقراطية بـ "شرعية" الخوف والإرهاب.

هكذا كان حال كل الثورات في التاريخ التي كانت تنتقل من أشكال الحكم الديمقراطي مع بداية الثورة إلى الحكم الشعبوي، ومن ثم إلى الديكتاتوري، بعد تركيز أسس النظام الجديد: من روبسبيير في الثورة الفرنسية، إلى ستالين في الثورة الروسية، وهتلر في الثورة الألمانية.

وبالمثل، فإن علاقات إيران مع الخارج العربي المجاور والبعيد، لن تكون أفضل حالاً. صحيح أن أحمدي نجاد اعرب عن حرصه على إقامة اوثق العلاقات مع الدول العربية والأسلامية ووضع الخليج العربي على رأس اولوياته، لكن الصحيح أيضاً أن طبيعة السياسات الداخلية هي التي تقرر طبيعة السياسات الخارجية.

فإيران ن كما هو معروف، لم تنفتح على جيرانها وتقيم معهم علاقات شبه طبيعة إلا خلال عهود القادة الواقعيين (رفسنجاني) أو الإصلاحيين (خاتمي). والان، يتعين على أحمدي نجاد وصحبه من غلاة المتشددين أن يثبتوا أنهم يمكن ان يكونوا استثناء لهذه القاعدة.

خـطـر داهـم

تبقى العلاقات مع الغرب. هنا يبدو الخطر داهماً على نظام الملالي. إذ الإحتمال سيكون كبيراً من الأن فصاعداً أن يقترب الموقف الأوروبي شيئاً فشيئاً من الموقف الأمريكي، خاصة في ضوء الصدمة الكبيرة التي شعر بها الأوروبيون لوصول أحمدي نجاد إلى السلطة.

وفي حال إنقلبت هذه الصدمة إلى سياسة، ستبرز للمرة الأولى إستراتجية كبرى غربية مشتركة جديدة لمجابهة المحافظين الإيرانيين، تستند إلى توجيه ما يشبه الإنذار النهائي لهم بوقف البرنامج العسكري النووي مقابل إنقاذ غربي للإقتصاد الإيراني، وإلا فسيواجه النظام عقوبات إقتصادية ودبلوماسية كاسحة، تسفر في النهاية عن النتائج نفسها التي أسفرت عنها في الإتحاد السوفييتي عشية إنهياره.

البداية قد تكون في نقل الملف النووي الأيراني إلى مجلس الأمن الدولي. ومن بعده ستكر حبات سبحة الخنق الإقتصادي والدبلوماسي البطيء.

وهنا، وإذا ما وضعنا في الاعتبار أن إيران تحتاج إلى أكثر من 20 مليار دولار سنوياً لتوفير وظائف لنحو مليون شاب ينضمون كل عام إلى سوق العمل، وزهاء 70 مليار دولار لتجديد البنى التحتية المدنية والنفطية، إضافة إلى ترتيبات طارئة لوقف هدر عشرات مليارات الدولارات سنوياً على جمعيات خيرية وهمية، وخفض حجم التضخم ( 15 % ) ومعدل البطالة ( 12%)؛ وإذا ما تذكرنا أن كل ذلك غير ممكن من دون الإستثمارات الاجنبية التي لن تأتي إلا إذا ما تصالحت إيران مع الغرب، وعلى رأسه أمريكا، فإننا سندرك حينها مدى المخاطر الجمة التي سيتعرض لها النظام الأيراني في الداخل عبر هذه الإستراتيجية.

المخرج الوحيد من هذا المصير الداكن، هو أن يعمد نظام الملالي إلى مفاجأة العالم من جديد، ولكن هذه المرة بالتنازلات لا بالتصعيد، فيعمد إلى إبداء الليونة في الملف النووي وفي السياسات الإقليمية إزاء العراق ولبنان، في مقابل تعهد أمريكي يضمن أمنه ومساعدات إقتصادية اوروبية.

لكن، هل هذ النظام قادر حقاً على إستبدال القنبلة بالزبدة على هذا النح، بدون أن يخسر قاعدته الأيديولوجية، وبدون أن تنفجر التناقضات فيه بين محافظين متطرفين ومحافظين أكثر تطرفاً، ثم بينه وبين غالبية الشعب الإيراني؟

سعد محيو - بيروت

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟