Navigation

الكُلُّ يراقبني

swissinfo.ch / Michele Andina & Helen James

في القصة الأولى في سلسلة الخيال العلمي الجديدة التي تقدمهاswissinfo.ch ، "يوتوبيا ودستوبيا الغد"، يساند فريق من الباحثين الذين يُحَقِّقون في مقاطع فيديو تم التلاعُب بها من خلال تقنية "التزييف العميق" خلال جائحة كوفيد-19 رئيستهم الجديدة، ليكتشفوا بالنتيجة شيئاً مُخيفاً عنها يُعَرِّض العَمَلَية بأكملها - مع فريق العمل المَعني - للخطر .

هذا المحتوى تم نشره يوم 24 أغسطس 2021 - 11:00 يوليو,
كيت ووكر (النص)، ميكالي أندينا (الرسوم)

عقارب الساعة تشير إلى 7:52 صباحاً. ريجي تبحث عن هاتفها الجوال وهي تغالب النعاس.

لم يكن العمل من المنزل هو حلمها الكبير، لكنها وجَدَت فيه مزايا بلا شك. فالعمل من السرير يعني أن بوسعها اختصار روتينها الصباحي إلى ثماني دقائق سريعة فقط. أما الدُش الصباحي فيبقى اختيارياً.

بعد أن وجد وعاء القهوة الساخن مكانه بالقرب من مرفقها، قامت ريجي بفتح جهاز الكمبيوتر وسجَّلَت دخولها إلى العديد من أنظمة الشبكات البعيدة، لِتُلقي بعدها نظرة على منصة اتصالات "سلاك" Slack [وهو تطبيق مُخصّص أساساً للتواصل بين فرق العمل الواحد أو الموظفين بداخل الشركة الواحدة] للحصول على تعليمات حول العمل الذي يتعيّن عليها تنفيذه اليوم. كانت آنّابيل قد بعثت إليها بقائمة مهامٍ طويلة ذيلتها بعبارة "لا تخذليني"!

قلَّبَت ريجي عينيها ببعض الانزعاج، ولكنها كانت تريد أن تثير إعجاب رئيستها أيضاً. ها قد مَرّ شهران على بدء عملها دون أن تجتمع معها على تطبيق "زووم" إلا نادراً. لكن ريجي كانت ترى في آنّابيل نموذجاً يُحتذى به، مع إجادتها لسبع لغات، وسيرتها الذاتية المثيرة للاعجاب التي تؤشر لخبرة مثبتة في مجال التخابر والتحليل، وترؤسها لفريق بَحث عَبر وطني للتعامل مع الدعاية والمعلومات المضلّلة - وهي لم تُكمل سنّ الثلاثين بعد.

يوتوبيا وديستوبيا الغد: مسلسل خيال علمي جديد تقدمه لكم SWI swissinfo.ch

مدينة فاضلة أم واقع فاسد؟ حلم أم حقيقة؟ تضعنا الثورة التكنولوجية المُعاصرة في مواجهة أسئلة جوهرية حول مستقبل البشرية. هل ستكون التقنيات الجديدة حليفنا أم عدونا؟ كيف ستغير هذه التقنيات دورَنا في المجتمع؟ هل كُتِب علينا أن نتطور إلى نوع من البشر الخارقين، أم أننا سنكون خاضعين لقوة الآلات؟

"يوتوبيا وديستوبيا الغد"هي سلسلة فريدة من قصص الخيال العلمي القصيرة التي طورتها SWI swissinfo.ch للإجابة على هذه الأسئلة بطريقة مُبتكرة ومُتبصِرة. وبفضل إبداع مجموعة من كتاب الروايات الخيالية وتعاون الباحثين والمهنيين السويسريين العاملين في المجالات التي تم طرحها في القصص، سوف نحاول أن نتخيل ونفهم احتمالات قدرة التكنولوجيا على تشكيل حياتنا. سوف تكون كل قصة خيال علمي مترافقة مع مقالة واقعية بالتعاون مع علماء سويسريين بارزين لفهم ما يحدث في بعض مجالات البحث الأكثر تطوراً وإثارة لخيالك!

End of insertion

في رأس قائمة آنّابيل، كان هناك خطاب متداول عبر الانترنت يُزعم أنه لفيكتور أوربان. الفيديو بدا طبيعياً للوهلة الأولى، وليس فيه ما يثير الشُبهات. لكن متى حَدَث وأن أصدَرَ رئيس وزراء المجر دعوة إلى اللاجئين؟ بَعْض النقرات القليلة بدأت تشير إلى مجموعة من القراصنة الروس سيئي السُمعة، لكن المُهِمة الفِعلية هنا لم تكن أبداً مَعرِفة مَنْ يقف وراء هذا العمل، لكن لماذا؟ ما هي الفائدة التي ستعود على روسيا من مجرّ أكثر ليبرالية؟ أو من أوربان غاضب؟

استدارت ريجي من محطة عملها وأخرجت جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص بها وسجلت الدخول إلى الإنترنت المظلم (The Dark Web). وفي غرفة دردشة جيدة الحماية كتبت عبارة:

(أوربان ليبرالي/ مؤيِّد للهجرة في مقطع فيديو بتقنية التزييف العميق. من المستفيد (من شيء من هذا القبيل)؟)

وفقاً لساعتها، كان الوقت مبكراً جداً لِتَوَقُّع أي ردود، إلا في حال طوَّر أصدقاؤها في شرق آسيا اهتماماً مفاجئاً بالمجر.. حان الوقت إذن للاستمرار مع قائمة آنّابيل – وكما يبدو فإن المعركة ضد الأخبار المزيفة لا نهاية لا.

بِحلول وقت الغداء، استطاعت ريجي كَشف زَيف ستة مقاطع فيديو زُعِمَ أنها لساسة من الدرجة الثانية، يهتفون فيها بِشعارات مُناهضة للاتحاد الأوروبي، وكادت أن تنسى طلبها في غرفة الدردشة. على عكسها، لم ينسَ زملاؤها الغريبو الأطوار المهوُوسون بالشبكة المظلمة الموضوع بتاتاً، حيث كان منتدى peelthis.onion يطن باستمرار مع تَدَفق مشاركات مُحققي القرصنة الألكترونية على الموقع.

بالنسبة لخطاب أوربان المزعوم، تم الكَشْف عن "البصمات الروسية" على يد مُتَسَللين أكثَر خِبرة من ريجي، كانوا يستعرضون مهاراتهم الرقمية في نِزاع واضح على التفوق. رغم ذلك، لم تتفق الآراء على الدافع من وراء هذا الفيديو، كما أن قائمة الفيديوهات السريعة الإنتشار التي كان يتعيّن على ريجي التحقق منها لاتزال طويلة.

كان اتصالها مع آنابيل عَبر تطبيق زووم رديئاً كالعادة. لذا، وبعد عدّة محاولات فاشلة، عادت الاثنتان إلى استخدام تطبيق "سلاك" (slack). من جانبها، لم تستطِع ريجي أن تفهم أبداً كيف يمكن لرئيستها إدارة هذه المهمة التقنية بنجاح من داخل شقة تكون فيها إشارة الواي فاي (WiFi) ضعيفة بهذا الشكل، بِصَرف النظر عن المنظر الخلاب لبحيرة زيورخ. لكن آنّابيل بَدَت سعيدة بعمل ريجي، وهو ما كان واضحاً من خلال تزايد حجم العمل المُلقى على عاتقها.

فجأة، ظَهَر إشعار على الشاشة. هل تستطيعين التحدث؟ أعني عَبْر الهاتف. كان المُتَصل هو سايمون، الذي كان يُفتَرَض أن يكون زميلها في المكتب، لو لَم يتم توظيفهما في منتصف الجائحة.

بدأ هاتفها بالرنين قبل أن تتمكن من الرد حتى

 "سايمون، ماذا يجري"؟

"هل لازلتِ تَعمَلين على تلك الاكتشافات التي أرسلتها آنّابيل؟"

"نعم! يبدو أنني لَنْ أنتهي منها أبداً".

"هل يُمكنكِ أن تُؤَجلي العمل عليها لفترة وَجيزة للتَحَقُّق من فيديو سارسله لك"؟

"بالتأكيد. ما الذي أبحث عنه؟"

"هذا ما لا أريد أن أخبرك به الآن. أريد أن أعرف ما إذا كنتِ سَتَرين ما أرى. ما عليكِ سوى تشغيل خوارزميات الكَشف المُعتادة والعودة إليّ عند الانتهاء، هلا فعلتِ ذلك؟ واحرصي على استخدام ‘تلغرام’ فقط بهذا الخصوص من فضلك".

                                                                                                                                     *         *          * 

استندت ريجي إلى الوراء فاغرة فاهها ومدّت يدها نحو هاتفها. "سايمون. إنها آنّابيل، أليس كذلك؟ إنها ... "

"ليست حقيقية؟ هذا ما يبدو لي أيضاً".

الشيفرة المصدريّة... إنها غير مفهومة تماماً. ما الذي يختبيء وراء ذلك"؟

"هذا ما نحتاج إلى اكتشافه".

"نحن؟ ولكننا مبتدؤون"!

"أو قد نكون عَديمي الأهمية لدرجة أن أحداً لن يهتم بنا. هذا الموضوع يجب أن لا يصل قرب المكتب".

"أي مكتب" تجيب ريجي وهي تضحك. "غرفة نومي"؟

 خارج نافذتها، كانت الغيوم المُنذرة بحلول عاصفة تتجمّع فوق الجبال الواقعة في جهة الجنوب الشرقي.

"هذا أمر خطير يا ريج. نحن لا نعرفُ معَ مَنْ نتعامل".

"لنَعُد إلى البداية إذن. ما الذي نعرفه عن ‘آنّابيل’ أو الشركة؟ دعنا نبدأ من المعلومات المعروفة لدينا وننطلق من هناك. من المُفتَرَض أن نكون مُحَللين، لنبدأ بالتحليل إذن".

                                                                                                                *            *          *


Michele Andina - swissinfo.ch

كانت ريجي تقطع شرفتها جيئة وذهاباً في محاولة يائسة لتجنب النزول إلى الشارع وشراء علبة سجائر من المتجر الكائن هناك. فبعد ثلاثة أيام من تحليل ومعالجة البيانات على مدار الساعة، لم تحرز هي أو سايمون تقدماً يُذكَر فيما يتعلق بـ آنّابيل. ومن الواضح أن مَن ظنّوها رئيستهم لم يكن لها وجود، لكنهما لم يقتربا من معرفة هوية الطرف الذي ابتكرها، أو لماذا.

ما توصل الإثنان إلى معرفته هو أن "آنّابيل" كانت موجودة منذ فترة طويلة - فآثارها على شبكة الإنترنت تعود إلى أكثر من عشر سنوات. لهذا السبب، قررت ريجي التصعيد واستدعاء اللاعبين الكبار للإستفادة من مصادرهم في شبكة الإنترنت المظلم (The Dark Web)، سواء وافق سايمون أم لا.

عندما رَنَّ جرس الباب، كانت ريجي غارقة في أفكارها. مع ذلك، سَجَّل صوت الرَنين في دماغها نَمط مُشابهاً لنداء الإستغاثة S-O-S ("أنقذوا أرواحنا") الذي يُرسَل عن طريق شفرة "مورس"، ما دفعها للتوجّه إلى جهاز الاتصال الداخلي (إنترفون). لكنها عندما أمعَنَت النَظَر، لم تَستَطِع تحديد هوية الرجل الظاهر على الشاشة بسبب نظارته الشمسية وكمامته الطبية التي فرضتها ظروف الوباء.

"من هناك"؟ قالت

"سيدة نويباور، أنا من جهاز المخابرات. هل يُمكنني أن آخذ دقيقة من وقتك"؟

"المخابرات"؟

"الأمر يتعلق بأنشطتك على الإنترنت. هلا سمحت لي بالدخول"؟

                                                                                                               *          *          *

بمجرد رحيل ‘العميل’ الشبح، أحكمت ريجي إغلاق الباب. ولأول مرّة منذ انتقالها إلى هنا، استخدمت جميع الأقفال الثلاثة لذلك. لكنها لم تشعر بالأمان رغم ذلك.

قبل أن يدخل في صُلب الموضوع، بدأ السيد برونَّر - إذا كان هذا هو اسمه الحقيقي - بالسخرية من الحياد السويسري لبعض الوقت. لم يكن من الواضح بالنسبة لـ ريجي ما إذا كان السويسريون مُحايدين بالفعل، أو مُنزعجين فقط من عدم كونهم جزءاً من تحالف "العيون الخمس". لكن ما بات واضحاً تماماً الآن هو أنها قامت بنكش "عش الدبابير".

Michele Andina - swissinfo.ch

"لقد لفتت أنشطتك على الإنترنت انتباهي لأنها قد تتداخل مع أحد مجالات اهتمامي. "أنت تقومين بتحليل تقنية التزييف العميق، أليس كذلك؟" سألها ‘برونَّر’

"نعم، هذا صحيح."

"وماذا عن أنشطتك في الإنترنت المُظلم؟ ألا تعاقب الشركة التي تعملين فيها على ذلك؟ "

" الإنترنت المظلم"؟

"لا تعتقدي أنني غبي. لقد كنت تطرحين الأسئلة في المنتدى، أليس كذلك"؟ سألها وهو ينظر إليها بعيونه الزرقاء الشاحبة. "أنصحك بالكف عن ذلك".

راجعت ريجي المحادثة التي دارت بينها وبين ‘برونَّر’ في ذهنها وهي تمسح المنتدى بحثاً عن أدلة في الآراء المدونة من قِبَل أصحاب نظريات المؤامرة التي تجاهلتها سابقاً بوصفها هراء. أما فريقها، فبدأ بجمع تلك الإشاعات بحماسة مُشابهة لإنصار جماعة ‘كيو أنون’ (QAnon)، وقدَّم إليها ملفات بحثية كاملة. كان الأمر يتعلق بعلاقات مشبوهة وأسرار مظلمة. وكما بدا واضحاً الآن، كانت شركة ريجي مُمَوَلة من قِبَل شركات وهمية تابعة لشركات وهمية أخرى مدعومة بشكل وثيق من وكالات الاستخبارات الأنجلو - أمريكية.

في مدونتها، كتبت ريجي السؤال التالي:

هل اكتشفنا شيئاً عن التزييف العميق لا يُريدنا جهاز المخابرات معرفته؟

الردود بدأت تنهال على الفور، لكن رداً واحداً فقط لفت انتباهها.

برون بير:  أرى أنك لستِ معتادة على الأخذ بالنصائح. قلت لك أن تكُفّيِ عن الخوض في هذا الموضوع"....

في تلك اللحظة، دوّى صوت رهيب خلفها وتطايرت شظايا الخشب. وعندما استدارت حولها بفزع سمعت أصواتاً خشنة تأمرها بـ "عدم الحركة"!

---------------------------------------------------------------------------------------------------------------

كيت ووكر ، صحفية بريطانية مستقلة غطت رياضة المحركات الآلية في صحف مثل "فاينانشال تايمز" و"نيويورك تايمز" وشبكة التلفزيون الرياضية "أي أس بي أن." وهي تهوى أيضاً كتابة الروايات الخيالية.

ما مدى واقعية القصة التي قرأتها للتو؟ في المقال التالي، يشرح اثنان من كبار خبراء التزييف العميق في سويسرا سبب سهولة خداع العين البشرية ونَشر المعلومات المضللة من خلال مقاطع الفيديو المزيفة:



متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟