Navigation

"استدارة" واشنطن نحو آسيا قد تـؤثــّـر على توجّهاتها في الشرق الأوسط

رغم كل التغييرات المرتقبة، لا ينتظر المراقبون أن يطرأ أي تغيير على التزام أي إدارة أمريكية بالحفاظ على أمن إسرائيل ووجودها (في الصورة: لقاء جمع الرئيس الأمريكي باراك أوباما برئيس الوزراء الإسرائيلي في واشنطن يوم 30 سبتمبر 2013) Keystone

أجل، أمريكا في حالة انحدار نسبي، لكن هذا لايعود إلى صعود الصين والهند والبرازيل وبقية سرب النمور، بل إلى أوضاع الولايات المتحدة الداخلية، على الصعيدين السياسي والإقتصادي وحتى الثقافي. فآسيا الصاعدة لا تزال في حاجة إلى سنوات عدة كي تصل إلى موازنة القوة الأمريكية عسكرياً واقتصاديا.

هذا المحتوى تم نشره يوم 22 نوفمبر 2013 - 11:00 يوليو,
سعد محيو - بيروت, swissinfo.ch

وكما هو معروف من خلال تجارب التاريخ ودروسه، فإن انحدار قوة عظمى لا يُؤدّي بالضرورة إلى زوالها من الوجود، إلا إذا ما برزت قوة أو قوى أخرى قادرة على الحلول مكانها، وهذا ما لا يبدو حالياً في أي أفق قريب أو على الأقل خلال عقدين أو ثلاثة عقود من الآن.

هذا التمييز بين التراجع والإنسحاب ضروري كي لا يقع المرء في استنتاجات متسرّعة، لطالما تكررت خلال نصف القرن المنصرم حول نهاية "الباكس أمريكانا" في العالم. صحيح، كما يقول الباحث مايكل هدسون، أن العالم يشهد تحولات ضخمة في موازين القوى بسبب صعود القوى الكبرى الآسيوية الثلاث (الصين والهند واليابان) معاً للمرة الأولى في التاريخ، إلا أن الصحيح أيضاً، أن أيّا منها أو حتى كلها مجتمعة، لا تطمح ولا هي قادرة على الحلول مكان الزعامة الأمريكية في العالم في المرحلة الراهنة.

أوباما والشرق الأوسط

الآن، وطالما أن الصورة على هذا النحو، كيف يُمكن تفسير ما نرى من انحسار أمريكي حقيقي وكبير في الشرق الأوسط، تجلى بأوضح صورة في تراجع الرئيس أوباما عن حماية خطوطه الحمر في سوريا وخطوطه الزرق (الديمقراطية) في مصر وتونس وحتى في منطقة الخليج، ثم عن خطوطه البيضاء (السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين)؟ أليس كل ذلك دليلاً على الإنحدار التاريخي الأمريكي؟

الجواب: كلا! أو ليس بعد على الأقل. فالتراجع ( Retrenchment) أو تقليص الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط، ناجم عن جملة عوامل تتعلق كلها بقيام إدارة أوباما منذ سنوات خمس بإعادة رسم الأولويات الأمريكية في العالم، وليس بالتخلي عن زعامة هذا العالم، لا بل إن الهدف هو تعزيز وتقوية هذه الزعامة.

الخبيران الاستراتيجيان البارزان في الشؤون الأمنية الأمريكية، شون بريملي وإيلي راتنر يلخصان هذه الأولويات الجديدة بالنقاط الرئيسة التالية:

- أوباما وصل إلى الحكم وهو على قناعة بأن حربي العراق وأفغانستان منعتا الولايات المتحدة من تركيز الموارد في آسيا، التي تعتبر منطقة مركزية للمصالح الإستراتيجية والإقتصادية الأمريكية، وهذا دفعه إلى إعادة ترتيب أولويات الولايات المتحدة والإعتراف بالحقائق الجيو- سياسية المتغيرة للقرن الحادي والعشرين.

- هذا التوجه الجديد لا يقتصر على الجوانب العسكرية، بل يطال أيضاً المجالات الإقتصادية والدبلوماسية والأمنية وتعزيز العلاقات مع الحلفاء التقليديين وبناء علاقات أعمق مع القوى الصاعدة، بما في ذلك الصين، وتنويع المواقع العسكرية للولايات المتحدة. كما أنه (أي التوجه) يهدف إلى التركيز على الأهمية الجيو- سياسية لمنطقة المحيط الهندي، بوصفه الطريق الرئيسي للتجارة العالمية. وقد دعمت واشنطن تطور علاقات أكثر وثوقاً بين الهند وبلدان جنوب ووسط آسيا.

- واشنطن لا تسعى إلى حفز دول كفييتنام والفيلبين وغيرها على تحدي الصين، بل تعمل على  بناء نظام إقليمي آسيوي تحكمه القواعد والمؤسسات، بما في ذلك مؤسسة الحوار الإستراتيجي والإقتصادي الأمريكي - الصيني وحوار الأمن الإستراتيجي. والواقع، أن السنوات الأربع الماضية شهدت قفزة نوعية في الإنخراط الأمريكي الإيجابي مع بكين، أكثر من أي مرحلة أخرى في تاريخ العلاقات بين البلدين.

- في حقبة التقشف المالي الذي تمر بها الولايات المتحدة، سيتطلب التركيز على منطقة آسيا - الباسيفيك خفض الإلتزامات الأمريكية في باقي مناطق العالم، وأيضاً على الطلب من حلفائها وشركائها في هذه المنطقة تحمُّل مسؤوليات إضافية. وهكذا يتعيّن على جيوش دول مثل أستراليا واليابان وسنغافورة وكوريا الجنوبية وتايلاندا، أن تساهم بشكل أكبر في الأمن الإقليمي على مستويات متوافقة مع إمكاناتها.

هذه هي قواعد الإستدارة شرقاً نحو آسيا التي بدأت إدارة أوباما بتطبيقها، وهي تتكوّن، كما هو واضح، من عنصرين إثنين: العمل على إصلاح وتصحيح مسار الإقتصاد الأمريكي في الداخل، وتقليص النفقات والأعباء والإلتزامات الأمريكية في الخارج، وهذا يشي بأننا نقف بالفعل أمام مرحلة جديدة في التوجهات الخارجية الأمريكية، قوامها الضبط الإقتصادي "القومي" في الداخل وخفض الإلتزامات (والحروب) الأمريكية في الخارج وإعادة تركيب نظام العولمة الأمريكي، بما يخدم هدفين في آن معا: احتواء صعود الصين ومواصلة  ترسيخ الزعامة الأمريكية على العالم.

الإستدارة والشرق الأوسط

لكن، ما تأثيرات سياسة "الإستدارة" الأمريكية (Pivot) نحو آسيا على توجّهات واشنطن في الشرق الأوسط؟ الواقع، أن الولايات المتحدة تعتبر أصلاً أن منح الأولوية في سياستها الخارجية لمنطقة آسيا -الباسيفيك، فرض عليها سحب كل قواتها من العراق وأفغانستان وإغلاق ملف الحرب فيهما، التي استنزفت الخزينة الأمريكية بمبلغ تجاوز التريليوني دولار.

وبالطبع، حين تقرر واشنطن الإنسحاب من هاتين الحربين ونقل الموارد منهما إلى منطقة الباسيفيك، فلا يتوقع أحدٌ منها أن تنغمس في وقت قريب في حروب أو نزاعات أخرى في الشرق الأوسط، إلا إذا ما تطلّب الأمن القومي ذلك أو تعرَّض وجود إسرائيل أو المصالح النفطية إلى تهديد جدي. وهذا بالتحديد على أي حال، ما فعلته إدارة أوباما خلال السنتين الماضيتين.

فهي لم تلعب في حرب إسقاط القذافي، سوى دور داعم لفرنسا وبريطانيا، لا بل لم تتدخل عسكرياً هناك، إلا بعد أن بدا واضحاً أن حليفتيها غير قادرتين على حسم الأمور بمفردهما. كما أنها رفضت التدخل ضد الجهاديين الإسلاميين في مالي، وقذفت العبء كله على الطرف الذي له أكبر المصالح في الموارد الطبيعية لمنطقة الساحل الإفريقية، أي على فرنسا. ثم إنها (أي الإدارة) قاومت كل الضغوط التي مارستها عليها كل المؤسسات الأمريكية تقريباً، من البنتاغون إلى السي.أي. آي ووزارة الخارجية، لتزويد بعض أطراف المعارضة السورية بالأسلحة المتطورة، خوفاً من أن يقودها ذلك إلى التورط بالتدريج في الأزمة السورية.

بعد العراق وأفغانستان، يفعل باراك أوباما تماماً ما فعله ريتشارد نيكسون بعد فييتنام، حين عمد هذا الأخير إلى تقليص الإلتزامات الأمنية - العسكرية الأمريكية المباشرة في العديد من بقاع العالم و"لزّمها" إلى قوى إقليمية مُوالية للولايات المتحدة، شاه إيران وإسرائيل في الشرق الأوسط، والبرازيل في أمريكا اللاتينية وتركيا في البلقان وآسيا الوسطى وحلف الأطلسي في أوروبا وجنوب إفريقيا والمغرب في القارة السمراء.

والآن، يُتوقع أن يفعل أوباما الأمر نفسه في الشرق الأوسط، الذي كان محور الإهتمامات المركزية الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة في عام 1991. فهو سيعتمد أكثر فأكثر على تركيا في منطقتي الشرق الإسلامي (الدول العربية ودول آسيا الوسطى)؛ وسيكون مهتماً أكثر من أي وقت مضى بدمج إسرائيل في المنظومة الإقليمية الشرق أوسطية من خلال دفعها إلى التحالف مع الدول العربية و(مجدداً) مع تركيا؛ وسيُواصل العمل على "تفليس" إيران وتجويعها بهدف دفعها في نهاية المطاف إلى الجثو على ركبيتها أو التعرُّض إلى الإنفجار من داخلها، في حال لم تتوصل المفاوضات الراهنة معها إلى "صفقة كبرى" جديدة. وكل ذلك، بهدف تقليص الأعباء الأمريكية في هذه المنطقة ونقل الموارد الضخمة التي خُصّصت لها في السابق إلى منطقة آسيا - الباسيفيك وإلى الداخل الأمريكي.

بالطبع، هذا لا يعني أن أمريكا ستُدير الظهر للشرق الأوسط. فطالما أن هناك قطرة نفط واحدة هناك، ستبقى هذه المنطقة كأمن قومي أمريكي على رأس أولويات الولايات المتحدة، بسبب الدور الكبير للنفط في تحديد من سيكون الأقدر على الإمساك بقارة أوراسيا من عنقها (خصوصا أن من يُمسك بهذه القارة يحكم العالم). وبالمثل، طالما أن إسرائيل باقية على خريطة الشرق الأوسط، فستكون أي إدارة أمريكية مُلزمة بالإهتمام بهذه المنطقة لاعتبارات محلية أمريكية واستراتيجية عامة وأمنية.

في المقابل، لن تعني هذه الإستمرارية في الإهتمام أنه لن تكون هناك تلاوينُ جديدة في السياسة الأمريكية الشرق أوسطية، خاصة في ما يتعلق بمنطقة الخليج العربي. فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة ستبقى اللاعب الإقليمي الرئيسي في الخليج، إلا أنها ستكون حريصة على أن لا تتوسع مظلتها الأمنية ضد الخصوم الخارجيين الذين يُهددون دول المنطقة، لتصبح تورطاً غير مرغوب فيه في النزاعات الداخلية، التي قد تنشب في هذه الدول.

مملكة البحرين نموذج أوّلي على هذا التطور. فعلى رغم أن واشنطن لم تقف علناً إلى جانب الإنتفاضة الشعبية البحرينية، إلا أنها لم تقف أيضاً إلى جانب الحل الأمني - المخابراتي الذي تبنَّته الحكومتان البحرينية والسعودية، وواصلت المطالبة بحل سياسي للأزمة، وهذا موقف لم يكن مُتصوّراً من جانب واشنطن.

نحو فيينا 1815 جديدة؟

هذه المعطيات مُجتمعة تشي بأن الولايات المتحدة ربما تكون راغبة بالفعل في وضع ترتيبات جديدة لمنطقة الشرق الأوسط، تحفظ مكانتها فيها كقوة عظمى مُهيمنة من جهة، وتُسهّل عليها نقل الموارد إلى كلٍّ من الداخل الأمريكي ومنطقة الباسيفيك، من ناحية أخرى.

لكن، هل تصل مثل هذه الترتيبات المفترضة إلى مستوى مؤتمر فيينا الأوروبي الذي انعقد عام 1815؟ للتذكير: عُقد مؤتمر فيينا الذي ترأسه رجل الدولة النمساوي ميترنيخ، في الفترة الممتدة من سبتمبر 1814 إلى يونيو 1815، وكان هدفه تسوية العديد من القضايا الناشئة عن حروب الثورة الفرنسية والحروب النابليونية وتفكك الإمبراطورية الرومانية المقدسة.

أسفر هذا المؤتمر عن إعادة رسم الخريطة السياسية للقارة العجوز وعن إنشاء مناطق نفوذ، لكل من فرنسا والنمسا وروسيا وبريطانيا، تتوسط فيها تلك الدول في حلّ المشاكل المحلية والإقليمية. وكان مؤتمر فيينا نموذجاً لعُصبة الأمم (1919) والأمم المتحدة (1945)، بسبب هدفها في إحلال السلام من جانب جميع الأطراف.

ديفيد أغناتيوس، الكاتب الأمريكي في صحيفة واشنطن بوست كان أول من توقَّع أن تدفع الولايات المتحدة نحو عقد مثل هذا المؤتمر "بهدف العمل على إقامة نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط"، على حدّ تعبيره، إنطلاقاً من المفاوضات الراهنة بين إيران والغرب، لا بل هو ذهب أبعد من ذلك حين طالب السعودية بـ "التخلي عن هوسها بالهلال الشيعي، في مقابل تخلي إيران عن طموحاتها الثورية". كما طالب الرئيس أوباما بدعوة قادة حلفاء أمريكا في الشرق الأوسط، تركيا والسعودية ودولة الإمارات ومصر وإٍسرائيل، إلى مؤتمر قمة في كامب ديفيد لمناقشة هذا المشروع الإقليمي الجديد.

لكن، هل هذه الفكرة الكبرى قابلة حقاً للتنفيذ؟

بالعودة إلى مؤتمر فيينا، لابد من التذكير بأن هذا اللقاء، الذي كان الأول من نوعه في تاريخ العلاقات الدولية، لم ينعقد سوى بعد هزيمة النزعة التوسعية الفرنسية التي خلّـفت دماراً شاملاً في القارة الأوروبية.

فهل وصلت قِوى الأمر الواقع في الشرق الأوسط (أمريكا وإسرائيل) والقوى الثورية المراجعة (إيران ومعها من وراء الكواليس روسيا والصين) إلى القناعة بأن نزعتها التوسعية فشلت وبات عليها بالتالي البحث عن وفاق إقليمي - دولي جديد للمنطقة، شبيه بوفاق فيينا قبل قرنين؟

من المحتمل جدا أن يتبيّن العالم الخيط الأبيض من الأسود في هذا الأمر في المفاوضات الأمريكية - الإيرانية، سواء السرية منها أو العلنية والتي ستتكثف فيها أدوار كل اللاعبين الدوليين المعنيين بالمنطقة، من روسيا والصين إلى الإتحاد الأوروبي.

لكن، يمكن القول من الآن، أن العقبات تبدو كأداء أمام هذا المشروع الضخم لتأسيس نظام إقليمي شرق أوسطي جديد، يحل مكان كلٍ من النظام الإقليمي العربي الذي انهار بعد حربي 1967 والكويت والذي تأسس أصلاً على النظام الإقليمي البريطاني - الفرنسي مع سايكس وبيكو، إذ أنه يتعيّن على المشروع المرتقب أن يحل أولاً المسألة النووية في كل المنطقة، وليس فقط في إيران (أي تسوية قضية الأسلحة النووية الإسرائيلية) وأن يسوي القضية الفلسطينية العالقة منذ قرن ويُرضي حلفاء أمريكا الواجفين من أيّ "مساومة كبرى" بين واشنطن وطهران (تركيا، السعودية، إسرائيل، مصر).

وفوق هذا وذاك، سيكون على المشروع نيل موافقة صقور الكونغرس الأمريكي واليهود الليكوديين في الولايات المتحدة وإسرائيل ونسور الحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى مباركة روسيا والصين والإتحاد الأوروبي.

حتى الآن، لم يتحدث أي مسؤول أمريكي عن مؤتمر فيينا الشرق أوسطي هذا، لكن مجرد تغيّر أولويات الولايات المتحدة على هذا النحو الجذري ورغبتها في مشاركة أطراف دولية وإقليمية منافسة لها في حل أزمات المنطقة (كما حدث في سوريا)، يعني أن الأبواب باتت مفتوحة بالفعل أمام بدء التفكير (وربما العمل) على ترتيبات إقليمية - دولية جديدة في الشرق الأوسط.

قد لا يحدث ذلك اليوم أو غدا، لكنه سيحدث حتماً إذا ما بقيت الأولويات الأمريكية الجديدة على حالها ولم تتغير مع أي إدارة أمريكية أخرى، لأن بديلها سيكون تنافسا قاتلا بين القوى الإقليمية والدولية الكبرى على ملء ما ستعتبره "فراغاً أمريكياً" في الشرق الأوسط.

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟