Navigation

ميراث ثقيل .. وتحديات بالجملة

تحديات جسيمة تنتظر الرئيس الفسلطيني محمود عباس (يمين) ورئيس وزرائه أحمد قريع والفلسطينيين برمتهم Keystone

تقف السلطة الفسلطينية أمام امتحانات عسيرة لعل أقربها أجلا الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة الذي يضع المواطن مباشرة أمام السلطة ومسيريها.

هذا المحتوى تم نشره يوم 12 يوليو 2005 - 08:48 يوليو,

كما يضع هذا الانسحاب، مهما كانت طبيعته وحجمه وشكله، التدبير الفلسطيني لشأنه اليومي أمام تحد خطير قد يبلغ ذروته إذا بدأ العقل الفلسطيني يقارن بين ما قبل الاحتلال وبعده...

في أول لقاء للمجلس المركزي الفلسطيني لمنظمة التحرير الفلسطينية في العاصمة التونسية، بعد التوقيع بالأحرف الأولى على اتفاقية أوسلو، وقبل أيام من حفل التوقيع في واشنطن، خاطب محمود عباس (أبو مازن) عراب الاتفاق، أعضاء المجلس بالقول "هذا الاتفاق بين يديكم، إما أن تأتوا من خلاله للشعب الفلسطيني بدولة مستقلة أو تذهبوا بقضيته إلى الضياع".

كان هذا الخطاب بداية سبتمبر 1993، أي قبل 14 عاما، كان أبو مازن رجل ما وراء الستار، وكانت القيادة الفلسطينية في حالة حصار رسمي، عربي ودولي، وكانت القضية الفلسطينية بعد حرب الخليج الثانية في مهبّ الريح.

واليوم، أصبح أبو مازن، الرجل الأول في القرار السياسي الفلسطيني، ورئيسا للسلطة الوطنية الفلسطينية. أما منظمة التحرير الفلسطينية والقيادة الفلسطينية، فهي في حالة احتضان رسمي عربي ودولي، لكن القضية الفلسطينية لا زالت في مهب الريح، وسلطتها التي أفرزها الاتفاق، تكاد تتهاوى.

إرث تركة ثقيلة..

بعد 13 عاما من قيام السلطة الفلسطينية، يجد الفلسطينيون أنفسهم في مناطق الحكم الذاتي بلا سلطة تحميهم، هياكل واقفة بقوة الأشياء، ويسمعون أحمد قريع (أبو علاء)، رئيس حكومة السلطة يُـهدد بتجميد حكومته إذا استمرّت حالة الفوضى والفلتان الأمني، ووزير داخليتهم نصر يوسف يشكو لهم تسيُّـب الأجهزة الأمنية، فيما يدعو قيادي بارز في حركة فتح، حزب السلطة، الأجهزة الأمنية الفلسطينية إلى كف أذاها عن المواطنين.

محمود عباس وأحمد قريع ونصر يوسف، ليسوا المسؤولين بحكم مواقعهم الحالية في السلطة عن هذه الحالة الفلسطينية المأساوية، لكنهم كانوا طوال السنوات الماضية رسميا بمواقع قيادية مسؤولة في السلطة أو في حزبها (حركة فتح)، وكانوا يشاهدون كيف ينمو أخطبوط الفساد في أجهزة السلطة، يتذمرون ويستنكرون في الجلسات الخاصة، ويحذرون في تصريحاتهم العلنية، وإن كانت أصابع من هنا أو هناك، كانت تومئ إليهم أيضا.

هؤلاء المسؤولون الأبرز حاليا في السلطة والقيادة الفلسطينية، ورثوا ترِكة ثقيلة، دون أن يكون لدى أي منهم معرفة دقيقة وحقيقية لخبايا خزائن استطاع قائد تاريخي للشعب الفلسطيني أن يكدسها، ولأوراق أن يلمها ويجمعها ولعلاقات أن يقيمها ويبنيها وينميها.

"خيوط عرفات"

كان ياسر عرفات زعيما حقيقيا للشعب الفلسطيني وأمينا على أهدافه الوطنية، لكنه ألغى المؤسسات وأذابها في شخصه، امتلك قدرات هائلة على خلق الخيوط والإمساك بها أو الامساك بخيوط بُـنيت دون أن يعرف وعلى فتح الخطوط وإغلاقها أو تجميدها إلى حين يحتاج لها.

لم تكن تلك منهجية ياسر عرفات فقط في سياسته وعلاقاته السياسية المحلية أو العربية أو الدولية، بل حتى في تدبير الشأن الداخلي لحركة فتح أو منظمة التحرير الفلسطينية، وفيما بعد للسلطة الفلسطينية. كان وحيدا في تدبير كل ما يتعلّـق بالعمل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والأمني والإنساني الفلسطيني، لا يشرك معه أحد حتى من كبار قادة العمل الفلسطيني إلا بما يعني كل واحد منهم في هذه اللعبة أو تلك، في هذا الملف أو ذاك.

ورغم هول ما شاهده عرفات وما اعترض طريقه طوال السنوات الخمس والثلاثين التي قاد بها العمل الفلسطيني، ورغم تعدد المسؤوليات وحجمها، ورغم تقدمه بالسن فيما بعد، فإنه كان "أمينا" لمنهجه لا يتزحزح عنه قيد أنملة، وحتى حين أجبرته الضغوطات الإسرائيلية والأمريكية والعربية عام 2003 على تعيين رئيس لحكومة يكون شريكا له في تدبير السلطة، وكان هو محاصَـرا بين جدران مقاطعته في رام الله لا يستطيع مغادرتها، لم يسلم رئيس حكومته، محمود عباس، أيا من الخيوط أو الخطوط إلا ما يعتقد أنها باقية بيده يحركها متى وكيفما يشاء.

وكان من السهل على محمود عباس التعاطي مع إرث ياسر عرفات في تدبير الشأن الحكومي أو تسيير المؤسسات التي أقيمت أو ميدان العلاقات مع الفصائل الفلسطينية أو علاقاته العربية أو الدولية، لكنه كان وسيبقى كغيره، عاجزا عن وراثة الخيوط غير المرئية التي كان يمسِـكها ياسر عرفات، ومكونات هذه الخيوط ودورها وكيف ومتى ولماذا يحرّكها ويسكِّـنها أو يُـلغيها.

لقد كانت تلك موهبة ياسر عرفات وتخصّـصه بإمتياز، وتنسجم مع شخصيته التي جبلت على الاحتياط والحذر من عدو أو خصم متعدّد الوجوه والاتجاهات والانتماءات، وحين عاد إلى مناطق الحكم الذاتي وأقام سلطته، كان يُـدرك أن دولته الموعودة لازالت بعيدة المنال، وأن حاجته للخيوط والخطوط ورجال مرتبطين به شخصيا، أكبر من حاجته لمؤسسات دولة وشفافية ورجال يضبطهم قانونها.

الفساد وسوء التدبير

طبيعة محمود عباس تختلف عن طبيعة ياسر عرفات وشخصيته، وبالتالي، منهجه وتعاطيه مع واقع قائم وطموح بناء أسس دولة مستقلة، لأنه لا يمكن أن يُـقيم دولة بلا مؤسسات ورجال دولة وإدارة دولة.

وحين حاول أن يُـعلن عهدا جديدا، وجد الواقع أقوى منه لكنه واصل محاولته، فأعلن إدخال قانون التقاعد في الإدارة للتّـمهيد لإقامة إدارة جديدة. وحين بدأ بالسفارات وبشّـر بالإصلاحات، وجد أن جهازه الدبلوماسي لا يملك إلا ما هو موجود ومُـوزَّع على السفارات الفلسطينية منذ عشرات السنين، فاضطر للتّـمطيط في تطبيق القرار والالتفاف عليه.

وحين قرّر تطبيق قانون التقاعد للتخلّـص من قادة الأجهزة الأمنية والرؤوس التي تتحكّـم بدواليب السلطة وتتّـهم بالفساد، اكتشف أن الفساد وسوء الإدارة والتدبير ليس فقط فيما هو مسجل كقيادات أجهزة الأمنية التي أبعدها بعد أن منحها أوسمة التقاعد، بل وأساسا في بنيات هذه الأجهزة التي جمعت في مراتبها كل من كانت لديه قدرة على تقديم خدمة لمنهجية ياسر عرفات ورؤيته السياسية، بغض النظر عن سلوكه الشخصي.

الأخطر، أن الواقع كشف لمحمود عباس أن هناك بنيات مسلحة من داخل الأجهزة ومن خارجها تلعب دورا مؤثرا في الحياة اليومية الفلسطينية، كلها تنتمي إلى حركة فتح، وكانت مرتبطة مباشرة بالرئيس ياسر عرفات، وبعد أن غاب، فقدت بَـوْصلتها وتُـريد أن تحدّد مسارها السياسي والأمني والاجتماعي لنفسها، دون ارتباط مع السلطة أو بالسلطة، وبدأ بعضها يعيث في الأرض فسادا ويعتدي على أمن وحُـرمات المواطنين وممتلكاتهم، مهما كانت هذه الممتلكات محدودة أو بقايا حصار ومعاناة دامت خمس سنوات وتوجت بجدار عازل.

والمواطن الفلسطيني المكتوي بنار الاحتلال والمُـدرك أن هذه الظواهر السائدة من فوضى وانفلات أمني، إحدى اثار احتلال لا زال جاثما على صدره، ويُـدرك أيضا أن مسؤولي السلطة، ومنذ قيامها، انشغلوا عنه بتدبير شؤونهم أو المفاوضات مع الطرف الإسرائيلي.

كان المواطن الفلسطيني يتساءل عن علاقة وزير خدمات بالمفاوضات أو عن علاقة رئيس جامعة مع مسؤول إسرائيلي حول مبادرة سياسية، وشاهد كيف أن جميع أعضاء لجنة مكافحة الفساد عيّـنوا بعد نشر تقريرهم وزراء في الحكومة وسكتوا عن الفساد الذي وجدوه واكتشفوه.

كان كل الفساد وسوء التدبير قبل انتفاضة الأقصى عام 2000، وترسّـخ بعدها، يُـلقى على مشجب الاحتلال، وهذا الآن أمام مِـحك وامتحان للسلطة وللقضية الفلسطينية برمّـتها، فالانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، مهما كانت طبيعته وحجمه وشكله، يضع المواطن الفلسطيني مباشرة أمام السلطة ومسيّـريها، ويضع التدبير الفلسطيني لشأنه اليومي، والامتحان عسير، إما أن ينجحوا ويُـبرهنون للعالم أنهم "يستحقون" الدولة الموعودة أو يفشلوا وتقول إسرائيل ها هم الفلسطينيون لا يستطيعون تسيير حكم ذاتي في غزة، وبالتالي، لن يستطيعوا تدبير دولة، والأخطر ان يبدأ العقل الفلسطيني بالمقارنة بين ما قبل الاحتلال وما بعده.

هل للقضية الفلسطينية من تسوية؟

بالتأكيد، القضية الفلسطينية محكومة بظروف محلية وإقليمية ودولية، تُـحرَّكها وتتفاعل بها ومعها أطراف متعددة، أضعفها الآن الطرف الفلسطيني، وما أن التسوية الدائمة والنهائية للصراع القائم منذ أكثر من قرن ليست في الأفق حتى الآن، وأن هذا الواقع وهذه الظروف لن تدوم وتتأبّـد.

لكن حُـسن تدبير السلطة للشأن اليومي للمواطن الفلسطيني ومؤسساتها يلعب دورا في تحسين الأوراق الفلسطينية التفاوضية، لكن على الرئيس الفلسطيني محمود عباس أن يُـعيد الخطاب الذي ألقاه قبل 13 عاما أمام المجلس المركزي لمنظمة التحرير على أسماع القيادة الفلسطينية، ويقرأوا ما فعلته سلطتهم على أرض الواقع.

محمود معروف - الرباط

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟