Navigation

من يراقب انتخابات مصر؟

جانب من المظاهرة التي شارك فيها آلاف أنصار "الإخوان المسلمون" وحركة "كفاية" يوم 20 يوليو الماضي للتضامن مع قضاة أصدروا تقريرا يتهم الحكومة المصرية بتزوير نتائج انتخابات استفتاء مايو الماضي Keystone

مع إعلان باب الترشيح لأول انتخابات رئاسية في مصر، عاد الجدل حول مراقبة الانتخابات. هل ستكون دولية أم محلية أم خليط من الأمرين؟

هذا المحتوى تم نشره يوم 15 أغسطس 2005 - 10:40 يوليو,

وصاحبت الجدل خطوات عملية لـ22 منظمة غير حكومية تهتم بحقوق الإنسان والقضايا القانونية والحريات، حيث دعت 54 شخصية عامة لتشكيل هيئة تشرف على عملية الرقابة، وتصدر تقريرا خاصا بها.

في هذه المرة، يختلف الجدل حول الرقابة عن ذلك الذي ثار قبل أربعة أشهر، حين تكرّرت تصريحات الرئيس بوش مطالبا بأن تُجري مصر انتخابات تنافسية حرّة وشفّـافة، وتخضع للرقابة الدولية.

وعندها، كان رد الفعل الرسمي يتّـسم بقدر من الحدّة والرفض والتمسّك بمعايير السيادة، إضافة إلى حجّـة أن قيام القضاء بالإشراف على الانتخابات، وكذلك نية وجود لجنة خاصة بالانتخابات الرئاسية، معظم أعضائها من رجال القانون، يلغي عمليا الحاجة إلى أي رقابة دولية.

هذا الموقف بدوره تعرّض إلى نوع من التعديل، سواء في أسلوب الرفض الذي انتهى، حسب تصريحات رسمية، إلى أن هذه القضية تخصّ المجتمع ككل، وهو الذي سيحدّد موقفا نهائيا إزاءها، أو في عرض أفكار بطريقةٍ غير مباشرة تفرّق بين معاني الإشراف والرقابة والملاحظة، وتوحي بأن مصر قد تقبل أشكالا من الرقابة الخارجية، إذا تم وصفها بألفاظ غير لفظ الرقابة تحديدا، كالملاحظة أو المتابعة مثلا.

وفي السياق ذاته، بدا أن الضغوط الخارجية لن تتراجع عن قيام نوع من الرقابة الدولية، سواء بإشراف غير رسمي أوروبي أو إشراف أمريكي، وهو ما يعبّـر عنه افتتاح مقر للمعهد الديمقراطى الأمريكي التابع للحزب الديمقراطي الأمريكي، وتحت إشراف السفارة الأمريكية، ودون أن يحصل بعدُ على إذن رسمي حسب القوانين المعمول بها، وبما يعني فرض أمر واقع.

عيون خارجية

ولا تخلو هذه الخطوة من معاني سياسية يمكن إدراكها بكل سهولة. فالمطلوب هو أن تكون هناك عيون خارجية تراقب عن كثب ما سيجري في الحملة الانتخابية، وفي يوم التصويت نفسه، ثم تُصدر تقريرا بالمشاهدات ومُـلحقا بالتقييم لما سيجري، على أن يتم الاسترشاد به في تقييم باقي الخطوات المتصوّرة في سياق الإصلاحات السياسية ككل.

عند هذا الحد، تبدو الأمور متداخلة ما بين قانونية وسياسية ومعنوية، بحيث يصعب الفصل بينها. وهو ما يشكّـل تحدّيا جوهريا، إذ كيف سيتم التعامل مع هكذا تقرير دولي قد يخرج بنتائج ومضامين سلبية بكل ما يعنيه من ضغوط مستقبلية؟

يرتبط بذلك أن كتابة تقرير عن أي انتخابات من قِـبل مراقبين دوليين سيكون بالضرورة قائما على مرجعية ديمقراطية سياسية وقيمية وفقا لتجارب مجتمعات متقدمة، باعتبارها مرجعية دولية عامة، كالتنافسية والشفافية وغياب التزوير والعدالة التامة للمرشحين، والحياد الإعلامي وغياب آليات الضغط البيروقراطي التي تمارَس على العاملين في الجهات الحكومية في البلدان النامية، وغير ذلك من معايير التقييم المتعارف عليها دوليا.

البحث عن مخرج

وكلا الأمرين يمثلان مأزقا كان لابد من البحث عن مخرج له، خاصة في ظل تصور أن يخرج التقرير الرسمي للإشراف القضائي مُشيدا بالعملية الانتخابية ويصدر في نفس الوقت تقرير لمراقبين دوليين يقول العكس ويشير إلى نقاط ضعف مختلفة.

إشكالية مرجعية التقييم على هذا النحو دفعت بعض الناشطين سياسيا إلى الحديث عن ضرورة وضع معايير خاصة بالتجربة المصرية، باعتبارها في مرحلة تحول ديمقراطي، وكأي مرحلة تحول يكون لها خصوصيتها، ومن ثم تستدعي صياغة مرجعية مناسبة تجمع بين القيم العالمية، وفي الوقت نفسه، تراعي اوجه التراجع الموجودة في المجتمع ككل.

وهو طرح محل نقاش، لأنه يعني القبول المُـسبق بمبدأ حدوث تراجعات، بل ربما التغطية عليها، والدفاع عنها.

ومن هنا، يبدو ناشطون آخرون أكثر ميلا للتعامل مع مسألة المرجعية في تقييم الانتخابات، كما هو معمول بها دوليا، وباعتبار أن ذلك من شأنه أن يساعد في الإسراع بالالتزام بالقيم الديمقراطية كوحدة واحدة وكنظام متكامل.

من جانب آخر، فإن إشكالية المرجعية قد تأخذ شكلا آخر، وذلك حال مقارنة تقرير نهائي من الجهة القضائية المشرفة على الانتخابات يركّـز على جوانب إيجابية ونتائج بعينها، وبما يتعارض مع تقرير دولي يقول العكس أو يسرد وقائع تم التغطية عليها.

فلمن تكون الصدقية في الداخل والخارج معا؟ هذه الإشكالية بدأت تظهر على ألسنة قُـضاة كبار يرون أن حدوث مثل هذا الموقف سيكون له أثاره العكسية على مبدأ الإشراف القضائي نفسه، وقد يطول نتائج الانتخابات نفسها. ومن هنا، لا يميل هؤلاء إلى السماح بأي ازدواجية في التقييم قد تحدث إذا قبل مبدأ الرقابة الدولية للانتخابات المصرية.

رقابة محلية بين القبول والرفض

ويجسّـد هذا الجدل بأبعاده المختلفة، المأزق المركّـب الذي تنطوي عليه عمليات الرقابة الخارجية، ويطرح أهمية أن تكون الرقابة مسؤولية محلية بالأساس. وباعتبار أن وجود رقابة محلية ووطنية، حتى وإن انتهت إلى تقييم سلبي، فإنها لن تكون بنفس الصدى الذي سيكون عليه تقرير صادر من مراقبين دوليين.

لكن الرقابة المحلية نفسها لا تخلو من إشكاليات القبول والرفض، فضلا عن إشكالية الجهة المخولة بهذا من حيث الدور والملائمة.

فالذين يؤيّـدون الرقابة المحلية يستندون إلى أنها باتت عرفا عالميا، وأن مصر نفسها شاركت في مهام رقابة على انتخابات عربية وغير عربية، وأن مفهوم السيادة الآن لا يعني إطلاقا إنكار حق المجتمع الدولي في ممارسة الشفافية في شأن داخلي مهم سيكون له تداعيات إقليمية ودولية، وأن البيئة الدولية محمّـلة بالكثير من الضغوط، وأن السماح برقابة خارجية قد يسقط حُـجج تلك الضغوط، ويجنّـب بالتالي البلاد تحديات لا لزوم لها. وأخيرا، أن المجتمع بحاجة بالفعل إلى ما يطمئنه بأن انتخاباته الرئاسية والبرلمانية باتت مسكونة بالقيم العالمية والإنصاف والشفافية.

المعارضون على الجانب الآخر، يركّـزون على نقطتي السيادة وتعارضها مع مبدأ الرقابة الخارجية لانتخابات محلية، وأن الجهات المحلية التي ستقوم بمثل هذه الرقابة المفترضة خاضعة عمليا لتمويل خارجي، الذي له أولويات وتصوّرات معيّـنة، وبما يثير شبهة تدخلات خارجية على نحو أو آخر.

هذه الاعتراضات أخذت في الانزواء تدريجيا. فبعض الذين رأوا أن الرقابة على الانتخابات باتت موضوعا دوليا لا علاقة له بالسيادة بمعناها العولمي، وجدوا الحل في أن تكون هناك رقابة محلية غير حكومية تقوم بتطبيق المعايير الدولية، دون أن تكون بالضرورة بديلا عن حدوث أي شكل من أشكال الرقابة الدولية.

لكن هذا القبول لم يخلُ من بعض التحفظات، من قبيل أن تمويل المنظمات غير الحكومية المطروح عليها عبء القيام بمهمة الرقابة، يأتي غالبه من مصادر أجنبية، وبما يثير شبهة تدخل أولويات وخطط ورؤى خارجية على عملية الرقابة المنتظرة محليا، الأمر الذي يمكن احتواءه من خلال صيغة تجمّـع بين عمل هذه المنظمات الأهلية وبين المجلس القومي لحقوق الإنسان، شبه الحكومي الذي يتبع رئيس الجمهورية، وهى صيغة مقترحة بقوة تُبحث في الكواليس ولم تصل إلى النهاية بعد.

لقد باتت مسألة الرقابة شبه مفروغ منها، لكن المزج بين بعدها المحلي والدولى لم يحسم بعد. وفي حين تستعد 22 منظمة أهلية لوضع خطة عمل جماعية على أن يترك لكل منظمة حرية الحصول على التمويل من أي جهة كانت، لم يتضح بعد كيف سيكون الرد الحكومي على أي طلب رسمي من جهة دولية تسعى لممارسة نوع من المتابعة لحالة الانتخابات المصرية.

د. حسن أبوطالب - القاهرة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟