Navigation

مـن يُـوقـف زحـف "الرقيقة الجاسوسة"؟

شرعت بعض المتاجر الكبرى في بلدان الشمال منذ فترة في استخدام "الرقيقة الجاسوسة" لتتبع منتجاتها وجميع السلع المخزنة في المستودعات Keystone

يُطلق عليها أيضا "البطاقة الذكية". إنها رقيقة "التعرف على ترددات الراديو" RFID التي تسمح باقتفاء أثر الأشياء والحيوانات وحتى الإنسان الذي باتت تُزرع تحت جلده.

هذا المحتوى تم نشره يوم 20 يونيو 2005 - 11:37 يوليو,

ويُتوقع أن تُحدث تلك الرقيقة خلال بضعة أعوام ثورة في حياة مجتمعات كثيرة نظرا لتصاعد الإقبال عليها في العديد من القطاعات، رغم مخاطر انتهاكها لخصوصية الفرد.

يعود الاستخدام الفعلي لرقيقة RFID -وهي الأحرف الأولى لعبارة Radio Frequency Identification، أي التعرف على ترددات الراديو- إلى نهاية حرب الخليج الثانية. آنذاك، استنتج الجنود الأمريكيون أنهم محاطون بـ"جبال صُلب" كثيرة. وقد أطلقوا تلك العبارة على الكم الهائل من مخزون المعدات التالفة وغير المستعملة أثناء الحرب.

ومنذ ذلك الحين بدأ الجيش الأمريكي، الذي أنفق أكثر من مائة مليون دولار لتطوير نظام ترددات الراديو خلال العشر سنوات الأخيرة، في تزويد الحاويات وناقلات البضائع برقائق RFID. وكانت العملية تهدف أيضا إلى التمكن من المتابعة المباشرة للأوضاع في وحدات القتال على الميدان لمعرفة ما إذا كانت هذه الكتيبة أو تلك تتوفر على ما يكفي من الذخيرة والبنزين لمواصلة تقدمها على الجبهة.

وربما لم يكن الجيش الأمريكي ليتوقع أن استخدام رقيقة RFID -التي لا يتجاوز حجمها بضع ميليمترات- سينتشر لاحقا في ميادين لا تمت للنشاطات العسكرية بصلة، وأن تلك الرقيقة، التي يطلق عليها أيضا "الرقيقة الجاسوسة" و"البطاقة الذكية"، هي في طريقها الآن لإحداث ثورة في العديد من المجتمعات، خاصة الصناعية.

وتشتمل رقيقة RFID على هوائي متناهي الصغر يعمل وفقا لمبدأ ترددات الراديو. ويـُمكن أن تُشغـَّلَ الرقيقةُ عن بُعد بموجة الراديو التي يُرسلها الماسح. وبعد تلقيها للموجة، تقوم الرقيقة بإرسال رقم تعريفها الخاص أو أي معطى مُخزن في ذاكرتها.

ونظرا لقدرتها على إبلاغ المعطيات واقتفاء أثر الأشياء والحيوانات وحتى الإنسان، تظل مجالات استعمال رقيقة RFID غير محدودة. لكن التوقعات تشير إلى أن استخدامها سيتركز بشكل مكثف في القطاعات الصناعية والتجارية والعسكرية.

استخدام متعدد الأوجه

وإذا ما نظرنا إلى الاستعمالات المختلفة لرقيقة RFID، فسرعان ما نلاحظ أن اللائحة طويلة ولم تُستنفذ بعد. فقد شرعت عدة دول منذ مدة في زرعها تحت جلد الحيوانات الأليفة وحيوانات المزرعة لضمان متابعة أفضل لتغذيتها وصحتها وأماكن تواجدها.

لكنها باتت تُزرع أيضا تحت جلد الإنسان. ففي الولايات المتحدة، سمحت العام الماضي وكالة الأمن الصحي (المعروفة باسم إدارة الغذاء والدواء FDA) بزرع رقيقة RFID في ذراع المرضى لأغراض طبية في المستشفيات. وتسمح الرقيقة للطاقم الطبي أن يطلع بسرعة كبيرة على البيانات الشخصية والصحية للمريض خاصة في حالات الطوارئ. كما رخصت نفس الهيئة بزرع الرقيقة تحت جلد المشردين كي تتمكن المستشفيات من متابعة حالتهم الصحية. وفي المكسيك، تم زرع الرقيقة في أجسام 160 من رجال الشرطة...

أما في مدينة برشلونة الإسبانية، فقد نجح مرقص ليلي في إقناع بعض المترددين عليه بحقن الرقيقة في الذراع. وتحتوي الرقيقة على رقم تعريف خاص بالزبون الذي لم يعد في حاجة إلى حمل بطاقة التعريف أو حقيبة المال. ففور دخوله المرقص، تتولى الرقيقة احتساب تذكرة الدخول والمشروبات التي يستهلكها ليتم اقتطاع مجمل تكاليف السهرة مباشرة من حسابه البنكي.

لكن زرع الرقيقة تحت الجلد ليس الوسيلة الوحيدة لتتبع الأشخاص أو الحيوانات أو البضائع، ففي حديقة ليغولاند بالدانمارك، تم دمج الرقائق في أساور يحملها الأطفال كي يتمكن الآباء بسهولة من تحديد مكانهم. كما تم دمجها في أحذية عدائي الماراثون في مدينة برلين الألمانية، وفي حقائب التلاميذ في بعض مدارس ولاية كاليفورنيا، وفي ملايين مفاتيح السيارات الحديثة لتفادي سرقتها، وفي تذاكر بطولة كأس العالم لكرة القدم لعام 2006، وربما في الكرة أيضا (بهدف تحديد ما إذا كانت قد تجاوزت خط المرمى بالفعل في حالات الشك)...

الأمثلة طويلة ومتنوعة والطموحات المستقبلية بهذا الشأن قد لا تعد ولا تحصى...

ثلاجة تُذكرك بشراء ما يلزم!

ويتوقع أن يشهد القطاعان الصناعي والتجاري أشد إقبال في السنوات القليلة القادمة على استخدام رقيقة RFID نظرا لمزاياها الاقتصادية والأمنية. فقد سمحت الرقيقة بعد في القطاع الصناعي بتحسين الأمن بشكل ملموس، إذ أتاحت متابعة فائقة الدقة لبراميل المواد الكيماوية السامة وقنينات الغاز أو الأدوية.

لكن الرقيقة تثير اهتماما خاصا لدى الموزعين الذين يرون فيها بديلا للنظام الإلكتروني للتعرف على البضائع (code barre) على مستوى إدارة البضائع المُخزنة. فالتزود بالرقيقة سيعني الاستغناء عن المسح الضوئي لكل صندوق على حدة، وبالتالي توفير الكثير من الأموال والجهد والوقت.

ففي المستودعات الضخمة، تسمح رقيقة RFID بإدارة دقيقة وفورية للسلع المُخزنة. وفي رفوف المتاجر، يتم حاليا تطوير عربات إلكترونية مجهزة بماسح ضوئي يسمح باحتساب السعر الإجمالي لكافة البضائع التي يضعها المستهلك في عربته أثناء التسوق. وبطبيعة الحال، يصبح المشروع قابلا للإنجاز فور تجهيز كافة البضائع بـ"الرقيقة الجاسوسة".

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الرقيقة قادرة على تخزين 64 ضعفا عما يخزنه النظام الإلكتروني التقليدي للتعرف على البضائع. ويذكر في هذا السياق أن ثلاث شركات عالمية عملاقة في هذا مجال التوزيع، وهي "وال-مارت" الأمريكية و"تيسكو" البريطانية و"ميترو" الألمانية"، أبرمت مؤخرا اتفاقا لفرض استعمال الرقيقة من طرف مزودي البضائع، سواء في المستودعات أو المتاجر.

وقد ألهمت الرقيقة مجموعة من الباحثين الذين اخترعوا نموذجا لثلاجة الكترونية قادرة على التعرف على أي منتوج يوضع داخلها أو يُسحب منها، شرط أن يكون بالطبع مزودا برقيقة RFID. وتُعطي الثلاجة إشارة لصاحبها لشراء المواد التي تم استهلاكها أو لتنبيهه بأن صلاحية هذا المنتوج أو ذاك قد انتهت...

انتهاك الخصوصية؟

وما يثير الانزعاج والمخاوف لدى السلطات والمنظمات المعنية بالحفاظ على المعطيات الشخصية والجمعيات المدافعة عن حقوق المستهلكين انتهاك الرقيقة لخصوصية الفرد، إذ أن "الرقيقة الجاسوسة" قد تقتفي أثر الزبون إلى عتبة داره أو حتى إلى داخلها...

وفي سويسرا التي استضافت في منتجع مونترو من 13 إلى 15 يونيو الجاري مؤتمرا دوليا تناول تطورات استخدام رقيقة RFID، يُنتظر أن تُصدر السلطات المكلفة بحماية المعطيات تقريرا في شهر يوليو المقبل تحدد فيه لأول مرة موقفها من استخدام "الرقيقة الجاسوسة والذكية". وتسعى السلطات المعنية إلى حث كافة الأطراف المعنية على عدم استعمال الرقيقة إلا بعد الحصول على موافقة المستهلكين.

ويرى المدافعون عن حقوق المستهلك أن الرقيقة لا تطرح أية مشاكل طالما يتم استخدامها داخل المستودعات، لكن عندما تتجاوز المخازن لتتجول مع المستهلك داخل المتجر وفي الشارع وفي البيت، تُطرح أسئلة أخلاقية بشأن التعدي على خصوصية الزبون خاصة أن المتاجر تطمح إلى تجهيز الحرفاء ببطاقة وفاء مزودة بـ"الرقيقة الجاسوسة". وهو ما يعني أن المتجر سيتمكن من تحديد ماذا اشترى السيد فلان؟ وكم من الوقت أمضى أمام مواد الغسيل أو جناح اللحوم؟ وما هو المنتوج الذي أخذه ثم تردد في شراءه فوضعه من جديد فوق الرف؟ وكم مرة في اليوم أو الأسبوع يتردد على المتجر؟ ...

وبينما يقول المسؤولون في هذه المتاجر إن هذه المتابعة تدخل فقط في إطار التسويق وتحسين خدمة الزبون، تطالب الجمعيات المدافعة عن حقوق المستهلك بتوفير إمكانية وقف تشغيل الرقيقة من قبل المُتسوق.

لا سلام ولا كلام..

وقد عرضت مؤخرا سلسلة متاجر "ميغرو"، أكبر مجموعة تجارية تعاونية سويسرية لبيع المنتجات الاستهلاكية، مشروع "المتجر الكبير دون أمينات الصندوق"، لكن إدارة ميغرو قررت عدم تنفيذ المشروع قبل عام 2010، رغم أنه جاهز من الناحية التقنية.

ولا شك أن هذا الإعلان أثار مخاوف أكثر من الاستغناء عن آلاف مواطن العمل لدى تنفيذ المشروع في غضون خمس سنوات، فلن تظل حينها أية حاجة لأمينات وأمناء الصندوق في المتاجر بعد اقتحام "البطاقة الذكية" لكل البضائع المعروضة في الرفوف، وحينها لا سلام ولا كلام مع يد عاملة ستنضم هي الأخرى وبلا شك إلى طوابير العاطلين عن العمل.

أخيرا، قد يتساءل المرء لدى الحديث عن "مشروع" الاستغناء عن أمناء الصندوق في متاجر الدول المتقدمة باعتماد رقيقة RFID، عن الكيفية التي ستساير بها دول الجنوب هذا التطور السريع والهائل، فهي دول مازالت تبذل الجهود لتجهيز محلاتها بالنظام الإلكتروني للتعرف على البضائع (Code barre) الذي يبدو أنه سيصبح عن قريب أداة بالية تجاوزها العصر في بلدان الشمال.

إصلاح بخات - سويس انفو

معطيات أساسية

رقيقة RFID تدل على الأسماء الأولى من العبارة الإنجليزية (Radio Frequency Identification)، أي تقنية "التعرف على ترددات الراديو".
ٌRFID TAGS تعني "شارات التعرف على ترددات الراديو"، وتتكون الشارة من رقيقة حاسوبية مشفرة تحتوي على رقم تعريف خاص ومن هوائي مصغر جدا.
يسمح هذا النظام بالتعرف عن بعد بفضل ماسح يلتقط المعلومات التي تخزنها الرقيقة.
خلافا للنظام الإلكتروني للتعرف على البضائع في المتاجر (Code barre)، لا تتطلب شارات التعرف على ترددات الراديو أن يكون الماسح قريبا من البضاعة.
يوجد صنفان من الشارات: يُزود الأول ببطارية مدمجة تسمح ببث إشارة للماسح، بينما لا يشتمل الثاني على بطارية حيث أن الاشارة الالكترومغناطيسية للماسح هي التي تزوده بالطاقة التي تشغله.

End of insertion
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟