Navigation

مظاهرات القاهرة.. خطوة أخرى لمواجهة الخوف

قوات الشرطة تواجه متظاهرين من حركة كفاية المعارضة تجمعوا أمام مبنى مباحث أمن الدولة وسط العاصمة المصرية يوم 26 يونيو 2005 Keystone

لم تزد أعداد المشاركين في بعض المظاهرات الأخيرة التي شهدتها شوارع القاهرة عن بضع مئات وأحيانا بضع عشرات..

هذا المحتوى تم نشره يوم 28 يونيو 2005 - 09:16 يوليو,

إلا أن مجرد نزولها في ظل قانون الطوارئ، والتغير النسبي الذي بات يسم سلوك الشرطة مع هذه المظاهرات، يعطي للظاهرة أبعادا رمزية ومعنوية لا تقل أهمية عن أبعادها السياسية.

ما يريد أن يقوله المتظاهرون من حركة كفاية والمناصرون لها من الأحزاب والتيارات السياسية الأخرى، والمستقلين وجماعات المجتمع المدني هو ببساطة أن الخوف يجب أن يزول، وأن النزول في الشارع هو حق للتعبير عما يجيش في النفوس، ووسيلة لتوصيل آراء الناس فيمن يحكمونهم، وبالتالي، فهو حق دستوري لا يجوز خنقه أو تعليبه أو إنكاره، أو الرد عليه بأساليب همجية كتلك التي حدثت يوم 25 مايو الماضي في مواجهة مظاهرة محدودة، حاولت الاعتراض على مضمون المادة الدستورية المعدلة محل الاستفتاء.

لقد تعددت المظاهرات طوال الأشهر الستة الماضية، ليس فقط من حيث الجهات الداعية والمشاركة فيها، ولكن أيضا من جهة اختلاف الأماكن التي ذهب إليها المتظاهرون في أنحاء عدة من العاصمة، ومدن كبرى في أقاليم شمال البلاد وجنوبها، وكأن المشرفين عليها يريدون أن يوصلوا رسالتهم إلى أكبر مساحة جغرافية وسكانية ممكنة، فلعل ذلك يقنع البعض بالمشاركة والتخلي عن حال السلبية السياسية التي تسود حركة المواطنين العاديين في مصر، رغم وجود أسباب لا حصر لها تدفعهم إلى الغضب والرفض والشكوى.

جذب المواطن العادي

ومن متابعة هذه المظاهرات في الأشهر الستة الماضية، يمكن القول أن الهدف الأصلي الذي يكمُـن في جذب الناس العادية للدخول إلى معمعة التظاهر السلمي لم يتغيّـر، لكن حجم النجاح لم يصل إلى المستويات المُـرضية بعد.

فأعداد المشاركين العاديين من غير الناشطين سياسيا يظل محدودا، وربما كان لعامل الامتحانات الذي يفرض على الطلاب البقاء في منازلهم، وهم الشريحة الأكبر من الشباب المؤهلة للمشاركة في هذه المظاهرات. ولعل الأمر يتغير بعد انتهاء الامتحانات التي أوشكت على الانتهاء.

ولكن المهم لفت الانتباه إلى أن النزول إلى الشارع للتعبير عن مطالب سياسية معيّـنة هو جزء مُحاصر في الثقافة السياسية السائدة في مصر شأنها شأن البلاد العربية جميعا، بل أكثر من ذلك، فالداعون والمشاركون في مثل هذه المظاهرات ذات الطابع السياسي معرّضون للاعتقال و"البهدلة" بكل المعاني.

ولذلك، فإن حرص عدد من الناشطين على متابعة هذه المغامرة السياسية لعدة أشهر متتالية، يعني أن هؤلاء قد قرروا المضي قُـدما في عملية هـزّ المعايير السائدة أيا كان الثمن، وتلك بدورها جرأة محمودة برأي كثيرين، خاصة وأن عملية جذب الناس إلى العمل السياسي بأشكاله المختلفة تتعرّض لعوائق عدة، فما بالك بالمشاركة في مظاهرات قد يحدث فيها "ما لا يحمد عقباه"؟

الشرطة والمواجهة الودية

والبارز في ظاهرة المظاهرات المصرية، أن سلوك مؤسسة الشرطة تعرّض لنوع من الارتباك والتبديل والتعديل في مواجهة هذه المظاهرات، حيث اتخذ ثلاثة أشكال رئيسية، منها المواجهة الصارمة لغرض فض المظاهرة، وتلك كانت مرحلة امتدت للأشهر الأربعة الأولى من هذا العام، ثم تحوّلت إلى حال التغاضي عن التحرشات التي يقوم بها موالون للحزب الحاكم، ولكنها لم تستمر طويلا، وكان أبرزها ما جرى يوم 25 مايو الماضي.

وأخيرا، التعامل السلمي تحت شعار سياسة ضبط النفس، وفيها تكون المواجهة ودية مع المتظاهرين، أي بأقل قدر من الضغط المباشر، وكثير من الحصار الأمني الذي يجعل المتظاهرين يتحرّكون في مساحة محدودة جدا، ثم بعدها يعودون على أدراجهم، وهى السياسة التي لا يوجد أي ضمان لاستمرارها مستقبلا، ولا يوجد أيضا ما يحول دون التراجع مرة أخرى إلى سياسة المواجهة الصارمة.

تفسير التحول

أما تفسير التحول من الصرامة إلى ضبط النفس، فله أسبابه الكثيرة، لكن البعد الخارجي يستقطب الاهتمام، لاسيما رد الفعل الأمريكي الذي وصل إلى ذِروته بعد أحداث يوم الاستفتاء، وما جرى فيه من تجاوزات شديدة تحت سمع وبصر الشرطة، الأمر الذي نال استهجانا أمريكيا شبه رسميا، إلى جانب ما قام به الإعلام الأمريكي والأوروبي بأنواعه المرئية والمكتوبة والإفتراضية في إدانة ما جرى، لوحظ بعدها تغير أسلوب تعامل الشرطة مع المظاهرات التالية.

والصحيح هنا أن القائمين على هذه المظاهرات لا علاقة لهم بالولايات المتحدة، ولا يرون أن تغير أسلوب الشرطة إلى حال ودي أو بقائه على حاله الصارم سوف يؤثر في تمسّـكهم بهذا الحق، أي حق التظاهر السلمي ورفع الشعارات السياسية المناهضة للحكم. لكن المحلل المنصف لا يمكنه أن ينفي دور الضغط السياسي الخارجي الذي بات عنصرا أساسيا في عملية "الإصلاح" التي تجري هنا وهناك.

وللتذكرة فقط، فقد أشارت وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس في محاضرتها عن الديمقراطية في القاهرة، أن واشنطن، وإن كانت لا تفرض على مصر أو غيرها من الدول العربية أسلوبا معينا للتحول الديمقراطي، لكنها ـ أي واشنطن ـ تراقب كما العالم يراقب ما يجري في مصر، ويحدد موقفه بناء على هذه المراقبة.

والمعنى المقصود ليس بخاف على أحد، وسواء قبلناه أم رفضناه، فإن ما يجري في مصر مرصود سلبا وإيجابا، والأفضل بالطبع أن يكون إيجابا من ناحية إتاحة فرصة التعبير الحر للناس بعيدا عن المضايقات والاعتقالات والتحرشات المهينة، فطالما أن الأمر يجري سلميا ولا يخرج عن تحديد موقف سياسي أيا كان تطرفه، فمن المفترض أنه مُصان ديمقراطيا ودستوريا.

شعارات زاعقة

لقد تنوعت المظاهرات في الأشهر الستة الماضية، ومن أبرز سماتها ما تحمله دائما من شعارات سياسية زاعقة في رفضها للنظام الحاكم ولرموزه الكبيرة، وذلك بالرغم من تعدد الجهات التي دعت لها.

فإلى جانب حركة كفاية، هناك منظمات مدنية، منها المدافعة عن حقوق الإنسان ومنها النسوية، تعبر عن تضامنها مع الصحفيات التي تعرّضن للتحرش والإهانة ولم يحدث أي تحقيق مع المتهمين بهذا الجرم، ومنها ما له صلة بنقابات مهنية.

لكن هذا التعدد يذوب تماما في الشارع، فالجميع له موقف مناهض من الحكم ومن كثير من ممارساته، وربما يجد البعض في عدد من المظاهرات نوعا من التندر أو مجالا للسخرية، مثل تلك التي ذهبت إلى مسجد السيدة زينب من أجل قراءة أدعية على رجال الشرطة المتهمين بمساعدة التحرشات المهينة التي تعرضت لها بعض الصحفيات والناشطات يوم الاستفتاء أمام نقابة الصحفيين المصريين، وهو تندر لا ينفي رمزية الذهاب إلى مسجد يؤمه بسطاء الناس، في تعبير عن الإصرار بالتمسك بالشكوى ضد المتجاوزين الذين ما زالوا طلقاء ودون حساب.

لكن اليقين أن هناك جرأة كبرى في تظاهرة يوم 26 يونيو الجاري أمام مبنى مباحث أمن الدولة في وسط العاصمة، وهو المبنى الذي يرمز للاعتقال ومتابعة الناشطين سياسيا، ويعتبره كثيرون رمزا للتعذيب، الذي يجب مناهضته ومحاسبة القائمين به أيا كانت مواقعهم. كما تبدو الجرأة أيضا في جملة الشعارات التي رفعت وتركزت حول المطالبة بإقالة كبار رجال الشرطة.

وما دام الأمر يتعلق بالجرأة، فالرسالة باتت ظاهرة للعيان. فالناس حين يتخلّـون عن الخوف، يمكنهم أن يحاسبوا رموز القهر والاستبداد.

د. حسن أبوطالب - القاهرة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟