Navigation

مرض كوفيد طويل الأمد.. أين تقف سويسرا؟

الإرهاق الشديد من أعراض مرض كوفيد طويل الأمد. Credit: Maridav / Alamy Stock Photo
هذا المحتوى تم نشره يوم 18 أغسطس 2021 - 11:00 يوليو,

بشكل مُتزايد، يتضح أن العديد من الأشخاص المُتعافين من فيروس كوفيد-19 يُعانون من اعتلالات صحية طويلة الأمَد قد تستمر لأسابيع أو حتى لشهورٍ. فهل تتحول مُتلازمة ما بعد كوفيد إلى عبء يُهدد النظام الصحي؟ البحوث العلمية حول هذا المرض تجري على قدم وساق، لكنها لا تزال تعاني من عراقيل.

الإرهاق، ضيق التنَفَس، الصداع، ارتفاع في درجة الحرارة، فُقدان حاسة الشَم والذَوق، مشاكل في الذاكرة أو التركيز أو النوم، وغيرها من الأعراض الأخرى. ليست هذه سوى بعض الأعراض التي يشكو منها العديد من الأشخاص الذين أُصيبوا بفيروس كورونا بعد فترة طويلة من تشخيص المَرَض. بعض هذه الأعراض يصعب فهمها مثل "تشوّش الدماغ"، لكن الأعراض قد تظهر أيضاً بشكل آلآم في المفاصل أو العضلات.

كوفيد طويل الأمد

يتحدث القطاع الصحي عن الاصابة بـ "كوفيد طويل الأمد" اذا كان الشخص المصاب بالفيروس لا يزال يعاني من عَرَض واحد على الأقل لم يكن يعاني منه قبل الإصابة، بعد ثلاثة أسابيع على الأقل من التعافي المبدئي أو الخروج من المستشفى. وتتمثل هذه الأعراض بالإرهاق، وضيق التنفس، والصداع، وفقدان حاسة التذوق والشم، وآلآم في العضلات والجسم، وغير ذلك.

End of insertion

هذا المزيج المُتداخل والمَتنوِع من الأعراض يوضح امكانية تأثُر الجسم بأكمله. مع ذلك، لا تزال البحوث حول كوفيد طويل الأمد في بدايتها، كما تختلف الطرق المُتَّبعة كثيراً. لكن ما هو مَدى انتشار هذه الأعراض؟ وما هي العلاجات المُمكنة؟ وهل توجد فئات أكثر تعرُّضاً للخَطر؟ وما هي العواقب الاجتماعية المُترتبة عن هذه المشاكل الصحية؟ وكيف سيتعامل أرباب العمل والمؤسسات وشركات التأمين مع هذه الحالات؟ الشيء المؤكد هو أننا في سباق مع الزمن؛ فالمُعاناة مُعقدة ومؤلمة ومُكلفة - عدا عن كونها جديدة تماماً.

نتائج مختلفة

في سويسرا، تم انجاز العديد من الدراسات واسعة النطاق حول كوفيد طويل الأمَد حتى الآن. وقامت جامعات جنيف، ولوزان، وزيورخ، بِنَشر دراسات حول الموضوع في مجلات علمية مُتَخَصِّصة معروفة. وأظهرت النتائج الرئيسية لهذه الدراسات اختلافات كبيرة نسبياً من حيث عَدَد مرضى كوفيد الذين استمروا في المعاناة من مُتلازمة ما بعد كوفيد بعد أكثر من ستة أشهر من تعافيهم المبدئي.

وعلى سبيل المثال، توصلت دراستان أجرتهما جامعة زيورخ إلى استنتاج مفاده أن حوالي 20 إلى 25% من البالغين [كما نُشِر في مجلة "بلوس وان" (PLOS Oneرابط خارجي) العلمية المفتوحة] الذين أصيبوا بفيروس كوفيد-19، وحوالي 2% من الأطفال [وفق ما نُشر في دورية الجمعية الطبية الأمريكية JAMA (Journal of the American Medical Associationرابط خارجي)] يعانون من كوفيد طويل الأمَد بعد شفائِهم. أما الدراسة التي أجرتها جامعة جنيف، والتي نُشِرَت في مجلة "حوليات الطب الباطني" (Annals of Internal Medicineرابط خارجي) فقد سَجَّلَت نسبة 39%. وحيث لاتزال هذه الدراسات مُستمرة، يجب التعامل بحَذَر مع هذه النتائج.

يقول ميلو بوهانرابط خارجي، الذي يترأس دراسة التَعَرُّض في زيورخرابط خارجي [وتُسمى ايضاً الدراسة الحشدية]، ان سبب الإختلاف في النتائج يعود إلى جَمْع بيانات الدراسات في أوقات مختلفة. لكنها "تشير إلى نفس الإتجاه" كما أخبر swissinfo.ch.

وأقدم بوهان مؤخراً على انجاز ملخص ل70 دراسة من جميع أنحاء العالم لِصالح المكتب الفدرالي للصحة العامة (BAG). وكما يقول، لم يكن الأمر سهلاً على الاطلاق "لأن تعريف كوفيد طويل الأمد ليس موحداً بَعدُ، كما تم تسجيل المعلومات الخاصة بهذه الظاهرة في أوقات مختلفة".

لكن فيما يتعلق بأعداد المصابين بكوفيد طويل الأمد، فإن الدراسات السويسرية هي ضمن المتوسط بحسب تقديرات بوهان. بَيد أنَّ المسألة التي لا يزال تقييمها شديد الصعوبة لحد الآن هو الآثار الطبية المُترتبة عن هذا المرض، وتأثيراته على الحياة اليومية والعمل.

الرعاية الصحية مطلوبة

مع ذلك، فإن الاستنتاج الذي يمكن استخلاصه منذ الآن، هو أن كوفيد طويل الأمد سيُفاقم أعباء النظام الصحي. وكما يقول بوهان، "يجب علينا أن نستعد فيما يتعلق بالرعاية الصحية، وربما الخدمات الاجتماعية أيضاً. وهذا يتطلب منّا مراقبة الموقف، وتوفير الخدمات المناسبة، بدءًا من الخدمات البسيطة التي يسهل الوصول إليها، وحتى خدمات الاستشارة الطبية المتخصصة".

تقدم المستشفيات الجامعة لكانتون جنيف مثل هذه الاستشارة الطبية لمرضى كوفيد طويل الأمدرابط خارجي منذ صيف عام 2020، من أجل تحسين رعايتهم وتوجيههم من خلال النظام الصحي. وفي الوقت الراهن، تُقدَّم الرعاية إلى حوالي 350 مريضاً. ميسم نعمهرابط خارجي، المؤلفة الرئيسية لدراسة جامعة جنيف، إحدى أولى الدراسات وأوسعها حول مرض كوفيد طويل الأمد في سويسرا وفي أماكن أخرى أيضاً كما تؤكد، تعمل في هذا الفريق الاستشاري أيضاً.

"في مارس 2020، بدأنا بِتَتَبُّع أحوال المرضى الذين عولجوا من كوفيد-19 كَمَرضى خارجيين (لم يضطروا لدخول المستشفى) لأننا لم نكن نَفهَم ما كان يحدث". كما قالت لـ swissinfo.ch. إثر ذلك، لوحظ أن بعض الأشخاص كانوا يعانون لفترة أطول من أعراض كوفيد-19، مثل التعب، وضيق التنفس، والصداع، وفقدان حاستي التذوق والشم".

وكما أضافت الخبيرة في الطب الباطني: "لقد دَفَعَنا ذلك إلى إجراء دراسة مُستقبلية، بمعنى استمرارنا في متابعة نفس الأشخاص الذين تابعناهم في مارس 2020 لعدة أشهر أو حتى سنوات أخرى، لمعرفة كيفية تطور أعراضهم المرضية بمرور الوقت".

لا يزال من غير المؤكد بعد ما إذا كانت بعض الاعراض التي تظهر في جميع الدراسات خاصة بكوفيد طويل الأمد، أم أنها ناجمة عن عدوى أو أسباب أخرى. وبغية التمكن من الإدلاء ببيانات أوضح، تمت إضافة مجموعة مراقبة لدراسة جنيف الآن.

أين تقف سويسرا؟

ترى ميسم نعمة أن سويسرا تبلي بلاءً حسناً في مجال الأبحاث المُتعلقة بكوفيد طويل الأمد بالمقارنة مع الدول الأخرى. وكما تقول: "إلى جانب بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية كانت سويسرا واحدة من أوائل الدول المُبادِرة في هذا المجال، وهذا يدل على تعاملنا مع الأمر بجدّية منذ وقت مبكر جداً". لكنها تشير إلى أن إحدى القيود التي كان على الباحثين في سويسرا مواجهتها هو صِغَر حجم العَينة.

وكما يضيف بوهان، تتمثل إحدى العقبات الأخرى في سويسرا بصعوبة رَبط قواعد البيانات ببعضها البعض. ومن شأن مثل هذا الارتباط أن يسمح للبحوث بتحديد هوية الاشخاص الذين يعانون من أعراض كوفيد طويل الأمد لفترة زمنية أطول، ويحتاجون إلى الرعاية الطبية بشكل مُتكرر بعد الإصابة. "هذا مُمكن في الدنمارك أو النرويج أو إنجلترا، لأن هذه الدول تتوفر على أنظمة متكافئة"، كما يقول اختصاصي علم الأوبئة والصحة العامة.

الافتقار إلى مصادر لتمويل البحوث

لكن بوهان يأسف بشكل خاص لـ"عدم وجود مصادر تمويل حتى الآن في سويسرا". وكما يوضح: "على عكس ألمانيا أو النرويج، أو إنجلترا، أوالولايات المتحدة، لم تكن هناك دعوة لتقديم تمويلات أو منح لإجراء أبحاث حول مرض كوفيد طويل الأمد في سويسرا".

وعلى سبيل المثال، ضخت المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدةرابط خارجي أكثر من مليار دولار في مجال الأبحاث الخاصة بـكوفيد طويل الأمد. لذلك تأمل نعمة "في أن تشمل دعوة تقديم العطاءات القادمة للصندوق الوطني السويسري للبحث العلمي (SNF) مرض كوفيد طويل الأمد أيضاً".

وكان الصندوق الوطني السويسري للبحث العلمي قد أصدر بالفعل دعوتين مُحَدَّدَتين لتقديم عطاءات حول موضوع جائحة كورونا تحمل عنوان "رابط خارجيمرابط خارجيناقصة خاصة بشأن فيروس كورونارابط خارجي"، و"NFP 78 Covid-19"رابط خارجي  وخَطَّطَ لثالثة بعنوان "NFP 80 "Covid-19 in der Gesellschaft"رابط خارجي. أي أن هناك ثلاثة مشاريع طويلة الأمد، كما جاء في رَد المؤسسة على سؤال بهذه الخصوص. مع ذلك، لم يتم التخطيط بعد لمناقصة خاصة بـكوفيد طويل الأمد. من ناحية أخرى، يُمكن للأطراف المُهتمة تقديم اقتراحات لتمويل مشاريع بَحثية مَرَّتين في السنة.

انتقادات المُتضررين

في سويسرا، اضطر المتضررون من هذا المرض للكفاح طويلاً للحصول على الاعتراف والمساعدة. ووفقاً لـلباحثة ميَسم نعمه، تم الاعتراف الآن بالتأثيرات اللاحقة طويلة الأمد لعدوى كورونا. "من الواضح ان الموضوع يحظي بقدرٍ أكبر من الاعتراف في المجتمع العلمي. وقد تحَدَثَّتَ فرقة العمل العلمية عن الموضوع علناً، كما بوشر العمل بشأنه على المستوى السياسي أيضاً"، كما تقول. ويعتقد بوهان ايضاً، ان السلطات ستأخذ مرض كوفيد طويل الأمد على مَحمَل الجَد الآن.

من جانبهم، انتقد المتأثرون بالمرض الأوساط العلمية، واتهموها بالتركيز أكثر من اللازم على الأرقام المُجَرَّدة وعدم إيلاء الإهتمام الكافي للإجراءات التي تساعد المرضى كأفراد وفق احتياجاتهم وأعراضهم.

لكن الصندوق الوطني السويسري للبحث العلمي سمع نداءات المُتَضَرِّرين على ما يبدو. وهكذا، ولأول مرّة، يتم تمثيل المرضى في تقييم طلبات تمويل برنامج "الدراسات السريرية التي بدأها المحقق" (Investigator initiated clinical trials) الخاص بالصندوق لهذا العام. ويهدف هذا البرنامج إلى الإجابة على الأسئلة الطبية "التي تهم المجتمع ولكنها ليست ذات أولوية للصناعة"، كما يطلعنا الموقعرابط خارجي.

"أنا من أشد المُناصرين لإشراك الاشخاص المُتضررين في البحوث"، يعلِّق بوهان، ويشير إلى إنشاء ما يُسمّى بـ "المجلس العلمي لكوفيد طويل الأمد" (Long Covid Science Board) في مشروع آخر في زيورخ. وكما يقول: "مع وجود حوالي 30 شخصاً من المتضررين، فإننا نحاول إنشاء جدول أعمال للبحوث تعكس وجهة نظر الأشخاص المُتضررين بشكل فعلي".

وكما أوضحت نعمة، كان على قطاع البحوث فهَم المَرض أولاً ثم تحديد نسبته المئوية وتواتره. وبعد ذلك، متابعة البحث عن عوامل الخطر.

" لكن من الواضح أننا بحاجة إلى فَهم ما يمكن أن يُساعد هؤلاء"، كما تقول، مُشيرة إلى النتائج الأولى للعيادة الاستشارية التي ظهرت بالفعل: "نحن نعلم أن النَهج المُنَظَّم مُتعدد التخصصات ساعد مَرضانا كثيراً، حيث تم التَعَرَّف على جميع أعراض المرضى أو معالجتها خلال العملية".

فرصة لقطاع الفندقة

بطبيعة الحال، يجب أن تكون نقطة الاتصال الأولى دائماً هي طبيب/ة الأسرة، كما تقول نعمة. "لكن مركزاً مُخصصاً لمرضى كوفيد طويل الأمد، يمكن أن يُقَدِّم مثل هذا النَهج المُنظم مُتَعَدِّد التخصصات؛ فهناك لديك طبيبك، وبالإمكان إجراء الإختبارات الخاصة بك، كما يتوفر العلاج الطبيعي".

لهذا السبب، قامت بعض الفنادق في سويسرا وأماكن أخرى بالفعل بتغيير مجال خدماتهارابط خارجي، حيث تقوم الآن بتقديم الرعاية للأشخاص الذين يعانون من مرض كوفيد طويل الأمد. والمهم في مثل هذه الأماكن، هو إمكانية التحدث وتبادل الخبرات مع مَرضى آخرين، "حتى مع أولئك الأفضل حالاً، الأمر الذي سيمنحهم بعض الأمل"، كما تختتم نعمة حديثها.

مسألة تأمين

تشير ميسم نعمة، الطبيبة في العيادة الاستشارية المُخَصَّصة لمرضى كوفيد طويل الأمَد في مستشفيات جامعة جنيف إلى تلقي فريق العمل في العيادة العديد من طلبات التأمين على العَجز في الوقت الراهن".

بالنتيجة، سوف يَشغل مرض كوفيد طويل الأمد شركات التأمين أيضاً. وبالفعل تم تقديم قرابة ألف طلب للحصول على أعانات من صندوق التأمين على العجز (IV)رابط خارجي. وبالنسبة لعالم الأوبئة ميلو بوهان، يُعتبر تقبُّل الصورة السريرية للمريض نقطة محورية. وما هو مهم الآن هو الاتفاق على معايير مُعينة للتشخيص.

وفقًا للصناديق التابعة لتأمين العجز (IV)، فإن الشرط الأساسي لاتخاذ قرار بشأن حصول شخصٍ ما على معاش تامين العجزرابط خارجي هو عدم قدرته على كَسْب العِيش بسبب عارض مُستمر لمدة سنة واحدة على الأقل يتلقى العلاج الطبي خلالها.

بدوره، اعترف المكتب الفدرالي للصحة العامة (BAG) بمرض كوفيد طويل الأمد، وهو يقدم معلومات تفصيلية حول ذلك في موقعه على الإنترنترابط خارجي.

في غضون ذلك، تنظم العديد من المنظمات في سويسرا حملات للدفاع عن مصالح الُمتضررين، بما في ذلك جمعية "Long Covid Schweizرابط خارجي" ورابطة "Verband Covid Langzeitfolgenرابط خارجي". بالإضافة إلى ذلك، توفر شبكة "Altea Long Covid Networkرابط خارجي" للمُتضَررين مِنَصة للتحُّدث وتبادل المعلومات.

End of insertion
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟