Navigation

الوجه المُتحوّل لجنيف الدولية

ما هو المطلوب لتكون مفوضًا ساميا لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة

تعرضت ميشيل باشليه، المفوضة السامية لحقوق الإنسان المنتهية ولايتها، لانتقادات خاصة بسبب نهجها في التعامل مع الصين، لكنها كانت في مهمة صعبة. Keystone / Martial Trezzini

أعلنت مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشليه في يونيو أنها لن تسعى للحصول على تفويض ثان. وأرجعت قرارها هذا إلى رغبتها في قضاء المزيد من الوقت مع أسرتها، ونفت أن يكون لذلك اي ارتباط بزيارتها الأخيرة المثيرة للجدل إلى الصين. لكن أي إرث تركته تجربتها؟ وما هو المطلوب من خليفتها؟

هذا المحتوى تم نشره يوم 21 يوليو 2022 - 11:00 يوليو,

«وصلت ميشيل باشليه إلى هذا المنصب بنظرتها الفريدة كضحية لانتهاكات حقوق الإنسان وناشطة وسيدة دولة»، يقول يورغ لاوبر، سفير سويسرا لدى الأمم المتحدة في جنيف، حيث يوجد مقر مجلس حقوق الانسان: «وقامت باتشيليت ببناء الجسور والانخراط في الحوار، ومد اليد للتعاون أثناء تسليط الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم».

وتولت باشليه منصب رئيسة الشيلي بين عامي 2014  و2018، وكانت أول رئيسة منتخبة في أمريكا اللاتينية. تم اعتقالها في ظل نظام بينوشيه، وتوفي والدها في أحد سجون الديكتاتور بعد تعرضه للتعذيب اليومي.

أصبحت هذه المرأة المثابرة مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في سبتمبر 2018. وتزامنت ولايتها التي استمرت أربع سنوات مع جائحة كوفيد- 19 وأزمات حقوق الإنسان الكبرى بما في ذلك ميانمار واليمن وأفغانستان وإثيوبيا وجنوب السودان. وكذلك اندلاع الحرب في أوكرانيا في وقت مبكر من هذا العام. وقد شُوّهت صورتها بسبب الزيارة التي قامت بها إلى مقاطعة شينجيانغ في الصين، حيث تعرضت لانتقادات شديدة.

يقول لاوبر: «كان مكتبها متجاوبًا للغاية في الترويج لنهج قائم على حقوق الإنسان خلال معالجة أزمة كوفيد وعواقبها». وقال لـ SWI swissinfo.ch إن باشليه كانت أيضًا «مدافعة قوية من أجل مواجهة تحدي تغير المناخ والفقر وعدم المساواة».

يوافق فيل لينش، مدير منظمة الخدمة الدولية لحقوق الإنسانرابط خارجي غير الحكومية ومقرها في جنيف، على أن باشليه لعبت دورًا مهمًا في هذه القضايا، بالإضافة إلى ملفات أخرى مثل الهجرة والعنصرية المنهجية وتعزيز المساواة في اللقاحات في سياق كوفيد-19. لكنه ينتقد نهجها تجاه أوضاع حقوق الانسان في البلدان الأعضاء حيث يرى أنها فضّلت الحوار الودي مع حكومات حول ما يمكنها أن تفعله. وما يمكن قوله هو أنها اتبعت نهجا متسقا وغير انتقائي ومبدئي في التعامل مع حقوق الانسان".

زيارة الصين

ويتابع لينش بأن المثال الأكثر شهرة هو الصين «حيث فشلت تمامًا في معالجة حالة حقوق الإنسان في هذا البلد، بما في ذلك الجرائم ضد الإنسانية في شينجيانغ، فضلاً عن القمع الواسع النطاق في التبت وهونغ -كونغ، والاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي ضد المدافعين عن حقوق الإنسان والمحامين في جميع أنحاء البلاد». يقول لينش إن نهج باشليه بشأن الصين أظهر «افتقارًا ملحوظًا للتضامن مع الضحايا أو المدافعين عن حقوق الإنسان، وعدم القدرة أو عدم الاستعداد لمحاسبة حكومة قوية».

وأثناء زيارتها للصين في نهاية مايو الماضي، اُتهمت باشليه باالتسامح المفرط مع بكين، وتعرضت لانتقادات شديدة من قبل المنظمات غير الحكومية مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، وكذلك بعض الدول. كما انتقدوها لحجبها نشر - ربما بسبب زيارة الصين - تقرير الأمم المتحدة الذي يحتمل أن يكون نقدياً للغاية حول انتهاكات حقوق الإنسان في مقاطعة شينجيانغ، حيث احتجزت بكين بشكل غير قانوني حوالي مليون فرد من أقلية الإيغور المسلمة، وفقًا للعديد من التقارير الموثوقة. وتقول بكين إن معسكرات الاعتقال مخصصة لإعادة التعليم والتدريب، وتنفي مزاعم التعذيب والسخرة وغيرها من الانتهاكات.

تقول شيرين تادروس، نائبة مدير قسم  التضامن في منظمة العفو الدولية ورئيسة مكتب الأمم المتحدة في نيويورك: «من الصعب تجاهل زيارة الصين التي جاءت في نهاية ولايتها». «أعتقد أن هذا قد ألقى بظلاله على إرثها، إنه ما سيرتبط بفترة ولايتها بشكل أساسي وسيكون حاسماً في كيفية تقييم تجربتها".

وأضافت تادروس في حديث لـ SWI إن باشليه كانت «بالتأكيد في المقدمة ومنخرطة للغاية» في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأصدر مكتبها تقريرًا قويًا عن فنزويلا، والذي رحبت به منظمة العفو الدولية. لكن نهجها خلال زيارتها للصين كان ضارًا. وقالت: «أعتقد أنك إذا كنت فردا من أفراد عائلة أحد الضحايا، أو ناجية من المعسكرات، فمن الصعب جدًا أن تنسى كلماتها وهي جالسة هناك في الصين، وتتحدث عن معسكرات التدريب، وتتبنى اللغة الدعائية للحكومة». وتعلق قائلة "هذا ضار للغاية. ولست متأكدة إن كان بالإمكان إصلاح ذلك".

ويوافق لينش التقييم السابق، ويقول: «بالطبع، الحوار والتعاون والمساعدة الفنية هي طرق مهمة ومشروعة لتعزيز حقوق الإنسان حيث توجد إرادة سياسية، ولكن عندما تكون الانتهاكات مؤسسية أو واسعة النطاق أو في الواقع جزء من سياسة الحكومة، كما هو الحال في شينجيانغ، فإن ما هو حيوي هو المراقبة والإبلاغ والمساءلة».

التقرير

بالتزامن مع إعلانها المغادرة في بداية دورة مجلس حقوق الإنسان التي انتهت لتوها في جنيف، قالت إنها ستصدر نسخة محدثة من تقرير شينجيانغ، والذي سيتم تقديمه إلى الحكومة الصينية للتعليق عليه، قبل أن تغادر منصبها في نهاية أغسطس. فهل لا يزال بإمكانها النأي بالنفس عن الصين؟

تقول تادروس: «سيتعين علينا أن نرى ما يقوله التقرير، وما إذا كانت مداخلات الحكومة الصينية، التي سمحت بها مرة أخرى في النهاية، ستخفف مما فهمناه على أنه تقرير قوي للغاية». «لأن الأدلة على الأرض، كما وثقتها هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية وغيرها الكثير، قوية للغاية ومقنعة».

"غياب عن الميدان

يعتقد لينش أن باشليه كانت أيضًا «غائبة في الميدان العملي» في علاقة ببعض المواقف القطرية الأخرى، بما في ذلك مصر والمملكة العربية السعودية والبحرين وفنزويلا، حيث يقول إن تقييمها لإصلاح حقوق الإنسان كان «ورديًا للغاية». ويضيف لينش أنها لم تتشاور أو تتواصل مع المجتمع المدني كما فعل بعض أسلافها مثل نافانيثيم بيلاي من جنوب إفريقيا أو زيد رعد الحسين من الأردن.

ويوافقه الرأي خالد إبراهيم، مدير مركز الخليج لحقوق الإنسانرابط خارجي. ويقول إن العديد من المدافعين عن حقوق الإنسان قد سُجنوا خلال فترة باشليه في دول مثل البحرين والإمارات العربية المتحدة، وأنها «لم تفعل الكثير لتحسين وضع حقوق الإنسان في بلداننا». كما أنه يأسف لعدم إمكانية تواصل جماعات حقوق الإنسان معها مثل منظمته.

ويعترف إبراهيم بأن المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان لديه مهمة صعبة، لكنه يعتقد أن باشليه قضت الكثير من الوقت في التحدث إلى الدول، ولم تمنح ما يكفي من الوقت للحديث مع المجتمع المدني. إذا كنت تريد أن تكون صوت من لا صوت لهم، «فأنت بحاجة إلى الاستماع إلى المدافعين في الميدان، فأنت بحاجة إلى معرفة ما يحدث»، كما قال متحدثا لـ  SWI swissinfo.ch.

البحث عن مفوّض سام جديد

وقال متحدث باسم الأمم المتحدة في جنيف في منتصف  شهر يونيو الماضي  إن عملية البحث عن خليفة لباشليه جارية، وأن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش سيقدم مفوض الأمم المتحدة السامي المقبل لحقوق الإنسان للموافقة عليه من قبل الجمعية العامة، بمجرد أن يتم تحديد مرشح مناسب. وسيتم الإعلان عن ذلك في «الوقت المناسب».

ما مدى أهمية هذا المنصب، خاصة في ضوء القيود السياسية القائمة؟ "إنها  وظيفة حيوية"، تقول تادروس من منظمة العفو الدولية «إن المكلف أو المتصدي لهذه المهمة هو صوت مجتمع حقوق الإنسان». "أعتقد أنه عمل شاق للغاية، تمامًا مثل وظيفة الأمين العام للأمم المتحدة. لا أحد يشكك في مدى حساسية أن تضطر إلى التفاوض مع الدول من ناحية، والسعي للوصول والحفاظ على سلامة موظفيك، ولكن من ناحية أخرى قول الحقيقة للسلطة، وفضح ما يحدث في البلدان المختلفة. إنه توازن صعب حقًا، لكنه توازن أخلّت به باشليه".

وقال لاوبر، رئيس البعثة السويسرية لدى الأمم المتحدة في جنيف إن أي شخص يترشح إلى منصب المفوض السامي لحقوق الإنسان يحتاج إلى إظهار «التزام قوي بتعزيز وحماية حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم، ويجب أن يتمتع بالكاريزما اللازمة للدخول في حوار مع جميع الدول».

ويعتقد لينش أن الأمر يتطلب أزيد من ذلك: "نحن نعتبر أن دور المفوض السامي هو أن يكون مناصرًا لحقوق الإنسان. يجب أن يكون المدافع الرائد عن حقوق الإنسان في العالم، على غرار دور الدبلوماسي أو المبعوث السياسي".

دعودة إلى "الشفافية" في عملية الاختيار

أرسلت أكثر من 60 منظمة غير حكومية، بما في ذلك "التضامن الدولي لحقوق الإنسان" ISHR و منظمة العفو الدوليةوهيومن رايتس ووتش، رسالة مفتوحة رابط خارجيإلى غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة في يونيو تدعوه فيها إلى «عملية تشاورية شفافة وقائمة على الجدارة والكفاءة» لاختيار المفوض السامي المقبل لحقوق الإنسان. وتقول هذه المنظمات: «يجب أن تتضمن هذه العملية مشاورات واسعة وذات مغزى مع منظمات حقوق الإنسان المستقلة، ومع المدافعين عن حقوق الإنسان». و«بالنظر إلى أن تفويض المفوضة السامية باشليه سينتهي في 31 أغسطس 2022، فمن الضروري التحرك بسرعة لإطلاق هذه العملية».

يقول لينش: «من المهم التذكير بأن منصب المفوض السامي كان بمبادرة من المجتمع المدني». وأن المجتمع المدني "هو الذي حدد، في الفترة التي سبقت المؤتمر العالمي الثاني لحقوق الإنسان لعام 1993، ضرورة وأهمية وجود قائد عالمي لحقوق الإنسان، يمثل صوتا مدافعا عنها للنهوض بها في جميع أنحاء العالم».

أما  إبراهيم من مركز الخليج لحقوق الإنسان، أحد الموقعين على الرسالة أيضا، فيضيف: «يجب التشاور مع المجتمع المدني». ويقول إن منظمته سئمت من اختيار المفوضين الساميين للأمم المتحدة «خلف الأبواب المظلمة». ويوافق نيل هيكس، كبير مديري المناصرة في معهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان رابط خارجيالذي وقع بدوره الرسالة: «نود إشراك المجتمع المدني علنًا، حتى يتمكن المجتمع الدولي من رؤية أن الأمم المتحدة تبذل قصارى جهدها لضمان أن يكون لمنظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني صوت في هذه العملية». ويقول إن هذا سيكون اعترافًا مهمًا بدورهم، لا سيما في وقت يتعرضون فيه لخطر «الاضطهاد» في أجزاء كثيرة من العالم بما في ذلك الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

وتقول تادروس من منظمة العفو الدولية: «ما لدينا الآن هو إعلان عبر الأنترنت عن فتح باب الترشح لشغل منصب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان». "لا نعرف أي شيء أكثر من ذلك. لا نعرف من قدم ترشحه، وما هي المعايير الحقيقية المطلوبة، وإذا كانت المسألة تعد عملية حقيقية أو مجرد تمرين شكلي".

(نقله من الإنجليزية وعالجه: عبد الحفيظ العبدلي)

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟