Navigation

ما الذي يخبّئه المستقبل للأبحاث السويسرية في أوروبا؟

باحثون من معهد النظم الديناميكية والمراقبة يعملون في مكتبهم في المعهد التقني الفدرالي العالي بزيورخ (صورة التقطت يوم 23 مارس 2016). © Keystone / Gaetan Bally

لقد أدت نهاية المحادثات بشأن الاتفاق الإطاري بين الاتحاد الأوروبي وسويسرا إلى استبعاد سويسرا من أهم برامج البحوث الأوروبية. وتدخلت الحكومة السويسرية عبر تقديم منح انتقالية للعلماء والشركات الناشئة، إضافة إلى إقامة شراكات جديدة مع بلدان من خارج الاتحاد الأوروبي. فهل سيكون ذلك كافياً؟ نحن نراقب التبعات المترتبة على ذلك والمخاطر بالنسبة لسويسرا على المدى الطويل.

هذا المحتوى تم نشره يوم 11 أبريل 2022 - 09:00 يوليو,
إيميليانو فيريزين

كانت شارلوت لوفكوتر قد بدأت للتو الدراسة في الجامعة عندما تلقى باحثون سويسريون أول تمويل من الاتحاد الأوروبي في عام 2004. أما الآن، وبعد مرور حوالي عقديْن من الزمن، حد الاتحاد الأوروبي بشدة من إمكانية وصول سويسرا إلى برنامج "هورايزن يوروب" (أفاق 2020)، وهو أكبر برنامج دولي لتمويل الأبحاث، مما جعل لوفكوتر إحدى آخر مَن استفاد منه من العلماء.

حصلت لوفكوتر، وهي عالمة بحرية في جامعة برن، على منحة "ستارتينغ غرانت" المرموقة (Starting grant) من المجلس الأوروبي للبحوث في يناير من هذا العام. وستساعدها المنحة البالغ قدرها 1,5 مليون يورو على استخدام الحواسيب العملاقة والبيانات من العوامات البحرية المستقلة بغية محاكاة كيفية غرق الكربون العضوي في أعماق المحيطات، وهو موضوع بحث هام في سياق تغير المناخ.

عندما تقدمت لوفكوتر بطلب للحصول على المنحة في بداية عام 2021، كانت سويسرا تعوّل على مشاركتها كعضو في في برنامج "آفاق 2020" لتمويل بحثها. وكان البرلمان السويسري قد وافق بالفعل على مساهمة مالياً بحوالي 5 مليارات فرنك سويسري تضاف إلى ميزانية هذا البرنامج الذي يتواصل حتى 2027 والبالغة 100 مليار يورو.

لكن الأمور تغيرت فجأة في مايو 2021. فبعد مرور سبع سنوات من المفاوضات، انسحبت سويسرا من المحادثات مع الاتحاد الأوروبي التي تهدف إلى تجديد عشرات الاتفاقيات الثنائية بشأن قضايا من قبيل الهجرة والتجارة. ونتيجة لذلك، قررت المفوضية الأوروبية أن تخفض تصنيف سويسرا إلى بلد ثالث غير منتسب إلى برنامج "آفاق 2020" بعد فترة وجيزة.

وبموجب الوضع الجديد، مُنع الباحثون في سويسرا من التقدم بطلب للحصول على منح فردية من المجلس الأوروبي للبحوث. إلا أن المفوضية الأوروبية وضعت استثناءً واحداً: فبإمكان الباحثين الذين قدموا طلباتهم في سويسرا قبل توقف المفاوضات أن يحتفظوا بمنحهم إذا انتقلوا إلى مؤسسة مضيفة في أحد بلدان الاتحاد الأوروبي أو في بلد مؤهل آخر. وأعقب ذلك منافسة شرسة على العقول النيرة. فقد تواصلت جامعات من الاتحاد الأوروبي مع لوفكوتر، ومع العديد مِن مَن هم في وضع مماثل، بغرض تقديم عروض عمل تشمل رعاية الأطفال، والازدواج الوظيفي للزوجين، وشغل المناصب الدائمة. بل إن مجلس البحوث السويدي ذهب إلى حد تقديم 100،000 فرنك سويسري إضافية للحث على الانتقال من سويسرا إلى السويد.

وجدت لوفكوتر أن العروض الأجنبية مغرية، لكنها استبعدت الانتقال. إذ قالت: "إن مشروعي صُمم ليُنفذ في جامعة برن، إضافة إلى أن شريك حياتي يعيش في سويسرا، لذا كنت سعيدة جداً لأن لدي خيار الحصول على تمويل احتياطي". وقدمت أمانة الدولة السويسرية للتعليم والبحث والابتكار تمويلاً مماثلاً للفائزين بمنح المجلس الأوروبي للبحوث الذين يختارون البقاء في سويسرا.

أهمية مِنَحِ الاتحاد الأوروبي

عندما كانت سويسرا دولة مشاركة، كان بإمكان الباحثين الفرادى والشركات فيها التقدم بطلب للحصول على تمويل من الاتحاد الأوروبي، وكان بإمكان المجموعات البحثية السويسرية أن تشارك في المشاريع التي تُنَفذ على مستوى أوروبا وأن تديرها حتى. وبالفعل، كانت المشاركة مثمرة. إذ بحسب التقرير الصادر عن أمانة الدولة السويسرية للتعليم والبحث والابتكار في عام 2019، فإن حجم المكاسب التي حققتها سويسرا فاق حجم مساهمتها: فقد تلقت سويسرا تمويلاً بقيمة 2،7 مليار فرنك سويسري في إطار برنامج "آفاق 2020" الذي استمر من عام 2014 إلى عام 2020، مما وضعها في المرتبة الأولى بين البلدان المشاركة في البرنامج وفي المرتبة الثامنة بصفة عامة.

محتويات خارجية

وكان برنامج "آفاق 2020" ثاني أهم مصدر عام لتمويل الباحثين السويسريين (بعد المؤسسة الوطنية السويسرية للعلوم)، وأهم مصدر تمويل للشركات والمنشآت الناشئة. ففي عام 2020 وحده، تلقت 17 شركة سويسرية ما يصل إلى 2،5 مليون يورو لكل منها.

وعلى المستوى الفردي، موّل المجلس الأوروبي للبحوث أكثر من 800 باحث في سويسرا. وذكرت لوفكوتر قائلة: "إن ميزة المنحة المقدمة من المجلس الأوروبي للبحوث تكمن في أنها ذائعة الصيت ومرموقة للغاية". وهناك منافسة شديدة للفوز بهذه المنح وتتميز بعملية انتقاء صارمة، لذلك فهي يمكنها أن تعطي دفعة قوية للمسارات المهنية في الأوساط الأكاديمية. ولهذا السبب ستظل لوفكوتر تدرج تلك المنح في سيرتها الذاتية على اعتبارها "وسام شرف".

ويبدو أن تدابير الطوارئ التي اتخذتها أمانة الدولة السويسرية للتعليم والبحث والابتكار قد خففت من حدة الأضرر: فقد غادر سويسرا حتى الآن فائز واحد فقط بمنحة "ستارتينغ غرانت" (Starting Grant). وفي مارس من هذا العام، قدمت الأمانة أيضاً منحاً لآخر 26 شخصاً حصلوا على منحة "كونسوليديتور غرانت" (Consolidator Grant) المقدمة من المجلس الأوروبي للبحوث بغية تعويض التمويل المفقود. وتساعد هذه المنحة العلماء الأكثر خبرة على تعزيز أبحاثهم وتوطيد العلاقة بين أفراد أفرقتهم.

وقد أصدرت المؤسسة الوطنية السويسرية للعلوم نسخاً كاملة طبق الأصل عن منح المجلس الأوروبي للبحوث على الصعيد الوطني. لكن وفقاً للباحثين الذين تواصلت معهم SWI swissinfo.ch، قد تكون النسخ السويسرية أقل جاذبية على المدى الطويل. فأكثر من 50٪ من الباحثين في سويسرا يأتون من الخارج، وكانت المنح المقدمة من المجلس الأوروبي للبحوث تشكل أداة مهمة لاجتذاب تلك المواهب. إذ قال إيف فلوكيغر، عميد جامعة جنيف ورئيس مؤتمر عُمداء المعاهد التقنية العليا والمدارس العليا في سويسرا: "في ظل غياب الوصول إلى برنامج "آفاق 2020"، أصبح من الصعب جذب العقول النيرة والحفاظ على الجودة العالية للبحوث داخل سويسرا". وأضاف: "علينا أن نعيد ابتكار أشكال جديدة من التعاون وأنماط تمويل جديدة".

وبهدف تعويض خسارة التمويل من الاتحاد الأوروبي، اعتمدت الحكومة الفدرالية تدابير انتقالية وستطلق هذا الشهر برنامج "المسرّع السويسري" (Swiss Accelerator) بواسطة وكالة الابتكار السويسرية (Innosuisse). وعلى الرغم من ذلك، أخبر العلماء وأصحاب الأعمال التجارية SWI swissinfo.ch أن بعض الشركات الناشئة تفكر بالفعل في فتح مكاتب لها في دول أوروبية أخرى.

التعاون الكمي مطلوب

إلى جانب المنح المقدمة للأفراد والشركات، كان التعاون الدولي دعامة أساسية أخرى من الدعائم التي تقوم عليها مشاركة سويسرا في برامج الاتحاد الأوروبي. ففي إطار برنامج "آفاق 2020"، قامت مؤسسات الأبحاث والشركات والمنظمات غير الربحية في سويسرا بتنسيق 1211 مشروعاً (أي قرابة 4٪ من العدد الإجمالي) وحصلت عموماً على أعلى معدل نجاح وفقاً لأمانة الدولة السويسرية للتعليم والبحث والابتكار.

محتويات خارجية

لكن هذا الوضع في طريقه إلى التغير. فبموجب إدراج سويسرا في وضعية "البلد الثالث"، ما زال بإمكان المجموعات البحثية والشركات السويسرية المشاركة في المشاريع المنفذة على مستوى الاتحاد الأوروبي، لكن لم يعد بإمكانها إدارتها. إذ قال ديميتري كونستانتاس من جامعة جنيف: "لهذا السبب سنفقد الرؤية والمكانة المرموقة والقدرة على التأثير في المشاريع الكبيرة". وينسق كونستانتاس مشروع "اتش 2020 أفونو" (H2020 AVENUE)، وهو مشروع بقيمة 22 مليون فرنك سويسري يختبر المركبات ذاتية القيادة لاستخدامها في النقل العام في جنيف وفي ثلاث مدن أوروبية أخرى.

وتفتقر سويسرا الآن إلى البحوث الجوهرية في مجال تكنولوجيا الكم على سبيل المثال. فقد أطلق الاتحاد الأوروبي مبادرة "كوانتوم فلاغشيب" (Quantum Flagship) في عام 2018، بميزانية قدرها مليار يورو بهدف تطوير الحوسبة القائمة على الكم والنقل الآمن للبيانات وتكنولوجيا الاستشعار. وانخرط الشركاء السويسريون في 11 مشروعاً تعاونياً من أصل 24 مشروعاً تعاونياً في إطار تلك المبادرة، بما في ذلك العديد من المنشآت الناشئة والشركات. وقال أندرياس والراف من المعهد التقني الفدرالي العالي في زيورخ: "إن تعاوننا سينتهي هذا الشهر. وبما أن تكنولوجيا الكم تتسم بأهمية استراتيجية بالنسبة للاتحاد الأوروبي، لا يمكننا حتى المشاركة بأموالنا الخاصة. فنحن مستبعدون تماماً!".

وكان فريق الباحثين الذي يقوده والراف يعمل مع الشركة السويسرية "زيورخ إنسترومنتس" (Zurich Instruments) وثمانية شركاء أوروبيين على تطوير كومبيوتر كمومي فائق التوصيل. وفي حين تمضي الأبحاث قدماً مصطدمةً بأوجه القصور التقنية المتعلقة بأجهزة الكمبيوتر التقليدية، تَعِد الحوسبة الكمومية بحل المشكلات المعقدة في العقود القادمة، مثل تطوير أدوية جديدة أو بطاريات أكثر كفاءة.

ولدى العديد من البلدان في العالم أصلاً برامج وطنية لتكنولوجيا الكم، فألمانيا وحدها تستثمر 2 مليار يورو في هذا المجال. أما سويسرا، فعلى الرغم من أنها عنصر فاعل في هذا المجال، إلا أنه ليس لديها برنامج وطني حتى الآن. وصرّح فلوكيغر في مؤتمر عُمداء المعاهد التقنية العليا والمدارس العليا في سويسرا: "إننا نحتاج إلى الاستثمار أكثر من ذي قبل داخل سويسرا في مشاريع ضخمة كالبحوث الكمومية على سبيل المثال حتى نضمن القدرة على المنافسة ". لكنه يحذر أيضاً من أن الاستثمار الوطني وحده قد لا يكون كافياً، إذ أضاف: "بات العلم أكثر انفتاحاً مما كان عليه قبل 30 عاماً. وكما شهدنا مع لقاحات كوفيد-19، فإن تبادل البيانات وخلق تعاون دولي هما الأساس في التقدم العلمي وتشييد بنى تحتية ضخمة".

إقامة تحالفات من أجل المستقبل

في ظل صعوبة التعاون مع أوروبا، تعتزم سويسرا تنشيط التحالفات الاستراتيجية مع دول من خارج الاتحاد الأوروبي. فقد عقد ممثلو أمانة الدولة السويسرية للتعليم والبحث والابتكار مؤخراً اجتماعات ثنائية مع زملاء من الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والبرازيل والمملكة المتحدة.

ومن المؤكد أن تعزيز التواصل مع دول ما وراء البحار ليس أمراً سيئاً، ولكن بالنسبة لبلد يقع على مفترق طرق أوروبا، فإن الشركاء الطبيعيين محيطون بها من كل الجهات، خاصة في سياق النقل والتنقل. إذ قال كونستانتاس: "لم نتمكن من تنفيذ مشروع "أفونو" مع شركاء آخرين". وأضاف: "نحن في أوروبا نتشارك ثقافة تنقل مماثلة تختلف عن الولايات المتحدة الأمريكية أو آسيا. كما تختلف أيضاً المشاكل والحلول".

ويصر أكثر من 5000 عالم في جميع أنحاء أوروبا على استمرار التعاون. وقد وقعوا على حملة "التشبث بالعلم" (Stick to science) التي تدعو إلى الإسراع في إبرام اتفاقيات شراكة داخل برنامج "آفاق 2020" لضم كل من سويسرا والمملكة المتحدة، على الرغم من النزاعات السياسية المستمرة. وتشير الحملة إلى أن أوروبا تحتاج إلى الالتزام والمساهمات العلمية من البلدان القوية التي تركز على البحوث مثل سويسرا والمملكة المتحدة.

لكن منذ نهاية المحادثات، أصبحت العلاقة بين سويسرا والاتحاد الأوروبي أكثر تعقيداً. وتريد الحكومة الفدرالية السويسرية الآن إعادة التفاوض على المعاهدات القائمة بدءاً من المعاهدات الأكثر إلحاحاً، بما في ذلك المشاركة الكاملة لسويسرا في مجال البحوث والذي لا يزال هدفاً معلناً. وقد بدأت للتو المحادثات الاستكشافية مع الاتحاد الأوروبي بشأن النهج الجديد. ويبدو من غير المرجح التوصل إلى قرار سريع يعيد إدماج سويسرا في برنامج "آفاق 2020".

ويدعو مؤتمر عُمداء المعاهد التقنية العليا والمدارس العليا في سويسرا إلى إعادة انتساب سويسرا لهذا البرنامج في أسرع وقت ممكن. فقد قال فلوكيغر إن الاقتصاد السويسري وقطاعات البحوث والابتكار تشهد ازدهاراً كبيراً. لكن على المدى الطويل، الأمر يتعلق بما هو أكثر من ذلك بكثير. وأضاف قائلاً: "إن نوعية الحياة في سويسرا هي على المحك في نهاية المطاف، أي: الصحة والتعليم والوظائف والتقدم نحو التنمية المستدامة".

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟