Navigation

لماذا تَرفُض سويسرا الانضِمام إلى الاتحاد الأوروبي؟

احتفل حزب الشعب السويسري بفشل الاتفاقية الإطارية مع الاتحاد الأوروبي في يونيو 2021 باشعال النيران. Keystone / Urs Flueeler
هذا المحتوى تم نشره يوم 04 مارس 2022 - 11:51 يوليو,

ظن الاتحاد الأوروبي أن سويسرا سوف تَنضَمّ إلى هذا النادي السياسي عاجلاً أم آجلاً، ولهذا السبب فقط قَبِل الإنخراط معها في مَسار خاص. لكن الدولة الواقِعة في قلب أوروبا لا تفكر باتخاذ هذه الخطوة إطلاقاً، وهي على العَكس من ذلك تَبتَعد أكثر فأكثر عن الاتحاد الأوروبي. فما هي الأسباب الكامنة وراء ذلك؟

من وُجهة نَظَر الاتحاد الأوروبي، سويسرا بلدٌ صَعب المراس؛ ففي عام 1992 رَفَضَ الناخبون السويسريون وبأغلبية ضئيلة جداً (%50,3) دُخول البِلاد إلى المَجال الإقتصادي الأوروبي، وفي عام 2021، قَرَّرَت الحكومة السويسرية وضع حد للمفاوضات بشأن التوصّل لاتفاق إطاري مؤسساتي مُثير للجَدَل بشأن العلاقات مع الاتحاد الأوروبي. وعندما يتعلق الأَمر بالتعاون الإقتصادي بين الطَرَفين يكون رَدّ سويسرا دائماً "نعم، بالطبع!"، لكنه عندما يَرتَبِط بالمَزيد من التكامُل السياسي أو حتى العضوية، يكون رَدُها "لا، شكراً". وقد أكسَبَها هذا الموقف في بروكسل سُمعة الدولة الإنتقائية التي تَتَّبع مَنهجية الاكتفاء بـ "قطف حبات الكَرَز".

لكن الكثير من السويسريين يَرون الأَمر بشكل مُختلف؛ فهُم ينظرون إلى أنفسهم كشعب مُتَطَلِّع للحُرّية يُقَرِّر مَصيره بِنَفسه، ويَرفَع الاصبع الأوسط في وَجه الغُرباء (ورئيسات المفوضيات) - كَتَعبير عن الإزدِراء - كما فَعَل بَطَلَهم القومي فيلهَلم تَلّ. وكما يقول فابيو فاسَّرفالَّن، أستاذ مادة السياسة الأوروبية في جامعة بَرن: "ان الغِنى والاستقرار الدائم الذي تَتَمَتَّع به سويسرا يَجعلاها تَرفُض الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي". وفي الواقع، فإن هذا الدافع هو أهَمّ من حبها المَزعوم للحرية.

إذن؛ هل يعود السَبَب إلى العَقليّة السويسرية أم إلى الثروة؟ ولماذا هذا التَشَبُّث بالماضي من جانب سويسرا؟ SWI swissinfo.ch قامَت بِجَمع أهَم الدوافع لِعَرضَها عليكم.

الانضمام لا يُضيف شيئاً

من وُجهة نَظَر فاسَّرفالَّن، فإن سويسرا ليست مُتَمَيّزة إلى هذا الحَد في الواقع. الأمر بِبَساطة هو أن العديد من العوامل التي تَجعل عضوية الاتحاد الأوروبي جَذّابة بالنسبة لِبُلدان أخرى، ليست بِذات الأهمية لسويسرا. وكما يقول: "من ناحية، فإن سويسرا ليست مستهدفة من روسيا، وبهذا يَسقط الجانب الأمني. وعلى عَكْس إسبانيا أو اليونان، اللتان كانتا لا تزالان تُعانيان من الدكتاتوريات في القرن العشرين، لا يوجد لدى سويسرا مُوجِب يتعلَّق بالاستقرار السياسي يدعوها للانضمام". وبِحسب كلمات فاسَّرفالَّن: "نادِراً ما تتمتع أي دولة أخرى بالاستقرار السياسي مثل سويسرا".

ومن وُجهة نَظَر اقتصادية، لَمْ يَعُد الانضمام مُغرياً كما كان من قبل. وبرأي فاسَّرفالَّن، أصبحت العضوية أقل جاذبية لدولة غنية مثل سويسرا منذ تَوَسُّع الاتحاد باتجاه الشرق. وينطبق هذا أيضاً في الواقع على دول مثل الدنمارك أو السويد. وحَسْب اعتقاد أستاذ السياسة الأوروبية في جامعة بَرن: "من المُحتَمَل أن دولةً أو أكثر من دول الاتحاد ما كانت لِتَنضَم إلي هذا التَجَمُّع الأوروبي لو عدنا قليلا إلى الوراء".

المَسار المُنفرد أثبت جدارته

بالإضافة إلى ذلك، كان أداءُ سويسرا في مَسارها الخاص جَيّداً حتى الآن. وبهذا الصدد تقول ستيفاني فالتَر، أستاذة العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي في جامعة زيورخ: "حتى الآن، أتاح ترتيب الإتفاقيات الثُنائية لسويسرا الحِفاظ على علاقة وثيقة مع الاتحاد الأوروبي، ولكنها علاقة مُصَمَّمة بشكل مباشر [لتلبية] الاحتياجات السويسرية". لذا فإن رَغبة غالبية السكان - ومَعَهُم غالبية السياسيين والعاملين في قطاع الاقتصاد - بالحِفاظ على الوَضع الراهن ليس مُستَغرباً".

سويسرا غنية جداً

من وُجهة نَظَر سويسرا، تُعتَبَر فَجوة الثروة واحدة من أكبر المشاكل. فانضمام سويسرا إلى هذا النادي سيجعل منها دولة مُساهمة بشكل تام في صناديق الاتحاد، أي من بين تلك الدول التي تَدْفع أكثَر إلى الاتحاد الأوروبي مما تَحصل عليه. كذلك تَخشى سويسرا الإغراق في الأجور بِسَبَب ارتفاع المُرَتَبات وتكاليف المعيشة في سويسرا بالمقارنة مع دول ​​الاتحاد، وتَزايد أعداد مواطني الاتحاد الأوروبي المُستفيدين من صناديق الضمان الاجتماعي السويسرية.

"من وجهة نظري، تُعَدّ حُرّية تَنَقُّل الأشخاص سَبَباً مُهماً لعَدَم رَغبة العديد من السويسريين في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وهذا ليس فقط في بريطانيا العُظمى ولكن في سويسرا أيضاً"، يقول فالتَر. وكما هو الحال في المملكة، يوجد هناك أيضاً العديد من المهاجرين من الاتحاد الأوروبي في سويسرا.

هذا التقييم يشاركه فاسَّرفالَّن الذي يقول: "تؤدي حُرّية تَنَقُّل الأشخاص بالفِعل إلى مشكلة واضحة فيما يتعلق بالأجور". ولأسباب جغرافية ولغوية، فإن سويسرا أكثر تَعَرُّضاً من غيرها من الدول لهذه الظاهرة؛ وعلى سبيل المثال، فإن من الأسهَل على المرأة الفرنسية العمل في سويسرا الناطقة بالفرنسية بدلاً من تعلم لُغة إسكندنافية.

الديمقراطية المباشرة

يحق للناخبين السويسريين التصويت على قضايا مُحَدَّدة عِدّة مرات في السنة على المستويْين المحلي والوطني. ويمكن تَشبيه الديمقراطية المُباشرة المعتمدة في سويسرا بالنموذج الذي يندر وجود شبيه له. وهنا، يَخشى العديد من السويسريين من احتمال أن تؤدي عضوية الاتحاد الأوروبي إلى الحَد من مُشاركتهم السياسية، بِسَبَب احتمال قيام إحدى هيئات الاتحاد الأوروبي بإلغاء القرارات الشعبية.

كلود لونشان، أحد أشهر المُحَللين السياسيين في سويسرا، يَرى أن الديمقراطية المباشرة هي العَقَبة الأكثر وضوحاً أمام عضوية سويسرا في الاتحاد الأوروبي. والسَبَب بِبَساطة هو أنه سَيَتَعِيَّن على غالبية الناخبين السويسريين وأغلبية الكانتونات أيضاً الموافقة على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي - وهذا الشرط الأخير صَعْب التحقيق على وجه الخصوص. [نَصَّ الدستور الفدرالي الذي أقِـرّ عام 1848 على اشتراط الحصول على أغلبية مزدوجة على مستوى الناخبين والكانتونات لِتَمرير أي مقترح يتعلّق بتحوير أو إضافة بُندٍ الى الدستور. وليس بالإمكان تمرير أيّ تعديل دستوري، إلا إذا تمّت الموافقة عليه من قِبَل أكثر من نصف الكانتونات السويسرية].

يرى فاسَّرفالَّن أيضاً - من الناحية التاريخية على الأقل - أن الديمقراطية المُباشِرة هي سَبَب عَدَم وجود سويسرا في الاتحاد الأوروبي. وكما يقول: "لقد رَفَضَ الشعب السويسري الانضمام إلى المجال الاقتصادي الأوروبي بِنِسبة ضئيلة في استفتاء عام 1992. ولو تَمَّ قبول الطلب حينئِذِ، لكان من المُمْكِن أن تَسير الأمور بشكل مُختلف". وبِعِبارة أُخرى، حَدَّدَت الديمقراطية المُباشرة المَسار بعيداً عن الاتحاد الأوروبي قبل 30 عاماً.

الخوف من فقدان السيادة

عندما يتم سَرْد الحِجَج المُناهضة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، يَتَطَرَّق الحديث في الغالب إلى السيادة أيضاً. وفي هذا السياق، أصبح مُصطلح "القُضاة الأجانب" شعاراً سياسياً جذابا في سويسرا. وبالنسبة لبعض القَطاعات - مثل تلك المُتعلقة بالتعامُلات المالية المُعَقَّدة التي تنطوي على مبالغ ضَخمة -  يُعتَبَر التنظيم اللامركزي في سويسرا مُقارنة بالبيروقراطية في الاتحاد الأوروبي ميزة خاصة بالموقع الجغرافي. والسويسريون هنا يرفضون التخلّي عن سيادتهم في سنّ تشريعاتهم الخاصة.

وفقاً للمحلل السياسي لونشان، فإن المسألة تتعلق بالعقلية السويسرية. وكما يقول: " في الواقع، تريد سويسرا أن تكون مُستقلة قَدر الإمكان". ويَحظى هذا الموقف بِدَعم غالبية واضحة من السكان.

الزراعة الحمائية

ليست صناعة صيد الأسماك، مثلما هو الحال في أيسلندا، ولا صناعة النفط، كما في حالة النرويج، هي ما يَمْنَع سويسرا من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ولكنها الزراعة المَدعومة بِدَرجة عالية، والمَحمية من خلال التعريفات الجمركية على الواردات وحِصَص الاستيراد. وكما يقول فاسَّرفالَّن بهذا الصَدَد: "إن جَعْل نظام الدَعْم السويسري مُتوافقاً مع النظام الأوروبي سوف يُشكل مُشكل

حيادية العلامة التجارية

يُنظَر إلى سويسرا، بسبب عَدَم عضويتها في الاتحاد الأوروبي، على أنها أكثر حيادية من دول مثل النمسا أو أيرلندا أو السويد. ومن شأن الإنضمام إلى الاتحاد الأوروبي أن يُضعف الحياد السويسري. إن العلامة التجارية المُتمثلة بالحياد، تخدم سويسرا في التَرويج  لـ "مساعيها الحميدة"، وأيضاً في تقديم جنيف كمدينة مُضيفة. وبالمُقارنة مع مدنٍ مُنافسة مثل فيينا، أو أوسلو، أو هلسنكي، فإن سويسرا في وَضْعٍ أفضَل إذا لم تكن ضمن الاتحاد الأوروبي.

وفقًا لـ فاسَّرفالَّن، فإن المساعي الحميدة لدولٍ مثل سويسرا والنمسا، هي أكثر أهمية من الثِقل الدولي الأكبر الناجم عن عضوية [هذه الدول] الاتحاد الأوروبي. وكما يوضح أستاذ مادة السياسة الأوروبية في جامعة بَرن، فإن فرنسا مثلاً "تريد أن تكون عضواً في الاتحاد الأوروبي لأن هذا يَمنحُها المَزيد من النفوذ على الصَعيد العالمي". وكما يضيف: "على عكس فرنسا، لم تطمَح سويسرا يوماً لأن تكون لاعباً على المَسرح العالمي".

وماذا الآن؟

توجد  أسباب عدة تساعد على فهم عَدَم رغبة سويسرا في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ورَفضها أيضاً إبرام اتفاق إطاري معه. السؤال الذي يثير قلق الاتحاد الأوروبي بشكل مُتزايد هنا هو ما الذي تريده سويسرا بدلاً من ذلك؟ الجواب في الواقع بسيط للغاية: إنها تريد أن يبقى كل شيء على ما هو عليه. لهذا السبب فهي تلعب لِكَسب الوقت لِتَجَنُّب نتيجة غير مَرغوبة.

وفقاً لـ ستيفاني فالتَر، تكمن المُشكلة في أن الاتحاد الأوروبي يُدرِك أيضاً أن الوَضع الراهن لسويسرا يَجلِب لها مزايا لا تتمتع بها حتى العديد من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، "وهذا يُمثل مشكلة بالنسبة للاتحاد الأوروبي لأنه يُثير الأطماع". وهنا يعتقد لونشان أيضاً أن الاتحاد الأوروبي قد ابتعد عن مفهوم العضوية الجزئية.

"نحن السويسريون نتمنى أن يَنهار الاتحاد الأوروبي قبل أن تنهار سويسرا" يقول المُحلل السياسي، ويُضيف: "أتوقع أن نَسمَع دوياً قوياً في المجلس التشريعي السويسري القادم لأن تجاهل هذا الموضوع لَمْ يَعُد مُمكِناً". لكن حتى هذه الدَوي لَن يؤدي إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، لكنه سيؤدي بدلاً من ذلك إلى نقاش ثانٍ حول المنطقة الاقتصادية الأوروبية.

إذَن، وحتى بعد ثلاثين عاماً، سوف تكون هناك عودة إلى المُربّع الأول في لعبة الـ"الليدو" الجارية بين سويسرا والاتحاد الأوروبي.

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟