Navigation

كيف يشرف عسكري سويسري على عملية "حفظ سلام" في الشرق الأوسط؟

تُعتبر هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة (تُعرف اختصارا بـ UNTSO) أقدم عملية حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة. تأسست عام 1949 بعد أول حرب عربية - إسرائيلية، ولا تزال تقوم بمراقبة خطوط وقف إطلاق النار في منطقة الشرق الأوسط. (صورة من الأرشيف التقطت قرب قرية الحولة بجنوب لبنان يوم 1 أكتوبر 2006) Keystone / Samer Wehbi

قبل أسابيع، تولى الجنرال السويسري باتريك غوشا منصبه الجديد كرئيس لأقدم بعثة أممية لحفظ السلام، وهي هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة المعنية بمراقبة وقف إطلاق النار في الشرق الأوسط. ومن الواضح أن مهمة هذا الرجل لا تخلو من مخاطر، وأنه يحتاج - للقيام بها على أكمل وجه - إلى امتلاك مهارات دبلوماسية وعسكرية. في مقابلة حصرية مع SWI swissinfo.ch، أخبرنا هذا الجنرال عن المهارات اللازمة للقيام بهذه المهمة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 07 فبراير 2022 - 09:00 يوليو,

قد تكون بعثة هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنةرابط خارجي، أقدم بعثة لحفظ السلام تابعة للأمم المتحدة ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أن تكون كل من مهمتها وآلية عملها معروفة بشكلٍ وافٍ. وللوقوف على مهمتها، علينا العودة إلى ظروف نشأتها في عام 1949، كما يقول باتريك غوشا، رئيس البعثة الجديد للمنظمة ورئيس أركانها. لقد تم إنشاء هذه البعثة على أثر الحرب العربية الإسرائيليةرابط خارجي التي اندلعت عام 1948، عندما أعلنت الأمم المتحدة وقف إطلاق النار بين الطرفين وأرسلت مراقبين عسكريين للإشراف على اتفاقيات الهدنة بين إسرائيل وجيرانها العرب. لكن مسار ولايتها تطور على مر السنين. واليوم، تمّ إلحاق المراقبين العسكريين التابعين لهيئة الأمم المتحدة لمراقبة هذه الهدنة بقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة التي تمارس أعمالها في لبنان ومرتفعات الجولان.

ويقول غوشا لـ SWI swissinfo من مقرّه في مدينة القدس إن مهمة البعثة تقتضي مراقبة خطوط وقف إطلاق النار والإبلاغ عن أي انتهاكات، والقيام بعمليات تفتيش "لمراقبة أعداد القوات ودبابات القتال والمدفعية ووجود أنواع معينة من الأسلحة"، إضافة إلى العمل كهيئة وسيطة لحل النزاعات بين الأطراف المعادية. "أنت بحاجة إلى أن تكون دبلوماسياً عسكرياً أو دبلوماسياً عسكرياً"، على حدّ قوله.

"مهمة محفوفة بالمخاطر في بعض الأحيان"

يقول غوشا إن وجود هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة في الخطوط الأمامية لا يخلو من المخاطر. "حياة المراقبين العسكريين معرّضة، بدون أدنى شك، للخطر. إذا أخذنا، على سبيل المثال، الحروب الرئيسية بعد عام 1948 في الشرق الأوسط - التي اندلعت في سنوات 1967، 1973، 1982، 2006 - نجد أننا فقدنا، في كل من تلك الحروب، مراقبين عسكريين، كانوا يؤدون وظائفهم".

ويضيف قائلا: "إن التجارب التي مررنا بها تساعدنا رغم ذلك، في توخي الحذر". وكان غوشا قد عمل من قبل في هيئة مراقبة الهدنة كمراقب عسكري وشغل منصب  نائب رئيس أركانها من عام 2011 إلى عام 2013. كما عمل في بعثات حفظ السلام في كوسوفو، ومؤخراً في المنطقة المنزوعة السلاح على الحدود الفاصلة بين كوريا الشمالية والجنوبية. "عند مواجهتك خلال فترات زمنية عديدة من حياتك المهنية لمواقف مختلفة خطيرة وحساسة سياسياً، فإنك لا بد وأن تطوّر خياراتك لنزع فتيل التوتر بين الأطراف المعادية. بالنسبة لي، هذه المهمة تستند على ما تكوّنه من الخبرة، ولكن أيضاً على قدرتك في ابتداع الحلول"، كما صرّح لـ SWI swissinfo.ch.

حالياً، تضم هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة 153 مراقباً عسكرياً، فضلاً عن بعض الموظفين المدنيين. ويقع مقرها الرئيسي في القدس، ولديها مكاتب في عواصم كل من لبنان ومصر وسوريا والأردن. وعلى مرّ السنين سجّلت في صفوف العاملين فيها ما مجموعه خمسين حالة وفاة.

ومن الجدير بالذكر هنا أن المراقبين العسكريين التابعين لهيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة ليسوا مسلحين، ويعملون بموجب ما يسمى الفصل 6 من ولاية الأمم المتحدة وبموافقة الأطراف المعادية. هذا الحال لا ينطبق على جميع أفراد قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، لأن البعض منهم مسلح؛ فعلى سبيل المثال في جمهورية الكونغو الديمقراطية، يحمل المراقبون العسكريون هناك أسلحة بموجب ما يسمى بولاية الفصل 7، ويُسمح لهم "باتخاذ جميع التدابير اللازمة" لحماية المدنيين المُعرّضين لهجمات الجماعات المسلحة.

الحياد السويسري

هل يُسهم كون غوشا سويسرياً في تسهيل مهمته؟ يجيب العسكري السويسري على هذا السؤال قائلا: "منذ أن انتشرت قواتي هنا [في 9 ديسمبر 2021]، سمعتُ من العديد من الأطراف حديثاً عن الحياد أو التقارير المُحايدة للمراقبين العسكريين. لذا فإن وجود رئيس سويسري للبعثة هو بالنسبة لهم بمثابة ضمانة، تطمئنهم بأن مفهوم الحيادية مطبّق فعلياً على أرض الواقع من قِبَل رئيس البعثة". ويستطرد قائلا: "إذا تحدثنا عن سويسرا في مهامها من أجل حفظ السلام، فسأقول إنها دولة ليس لديها ماض استعماري، ولا مصالح وطنية ذات شأن كبير في هذه الدول، كما قد يكون الحال لبعض البلدان الأخرى".

وفي السؤال عن المهارات والصفات التي يعتقد أن أداء وظيفته يحتم عليه امتلاكها، يقول غوشا إنه بالإضافة إلى المهارات العسكرية والدبلوماسية، هناك حاجة أيضاً إلى "التمتع بالصبر وتفهّم الآخرين". ويضيف قائلاً: "من المهم التعرّف على ثقافة وتاريخ المنطقة والأوضاع العامة فيها، حتى تتمكن بشكل أفضل من فهم كيفية تفكير الناس ومعرفة هواجسهم". ويعتقد أن ما يتسم به الفريق العامل معه من تعدد في الجنسيات والثقافات يشكل مصدر قوة. "بالتأكيد عندما تكون لدينا مهمة للأمم المتحدة تتعامل مع العديد من الثقافات واللغات والأديان، فهذا أمر إيجابي وجيّد لأنك تمارس هذا الاحترام للتنوع، داخلياً وخارجياً".

تقييم بعثات السلام التابعة للأمم المتحدة

منذ إنشاء هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة في فلسطين في عام 1949، قامت الأمم المتحدة بإرسال العديد من بعثات حفظ السلامرابط خارجي حول العالم، منها اثنتا عشرة مهمة ما زالت قائمة. ولقد تعرضت هذه المهمات في بعض الأحيان لانتقادات من مختلف الأوساط، وكان قرار المنظمة الأممية بسحب قوات حفظ السلام من رواندا في عام 1994 بدلاً من تعزيز تفويضها لوقف الإبادة الجماعية بمثابة فشل ذريع لدورها. ولقد أعرب الراحل كوفي أنان، الذي كان رئيس عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في نيويورك آنذاك، عن "أسفه الشديد وحزنه العميق" إزاء ردود فعل المجتمع الدولي على الإبادة الجماعية في رواندا.

في السياق، يعتقد غوشا أن الأمم المتحدة كمنظمة قد تطوّرت وتحسنت منذ ذلك الحين، كما يعتقد أن أهمية أو قيمة مهمات حفظ السلام في العالم ليست جليّة دائماً. إن منع تجدد القتال بين الأطراف المعادية ليس فقط أمراً حيوياً بالنسبة للسكان المحليين، ولكنه أيضاً عنصر أساسي من شأنه أن يمهد الطريق لحلول سياسية للصراعات. ويستطرد في هذا الصدد قائلاً: "لا ينبغي على البعض اعتبارنا صنّاعاً للسلام، لكننا نوفر بعض الظروف التي تُسهم في تحقيق السلام".

وعندما سُئل عن عدم توفّر السلام الدائم في الشرق الأوسط بعد كل هذه الجهود المبذولة خلال العقود المنصرمة، يجيب غوشا بأنه يفضل النظر إلى الجانب الإيجابي لهذه المسألة، مشيراً إلى حقيقة أن وقف إطلاق النار في عام 1948 تحول لاحقاً إلى معاهدات سلام بين إسرائيل واثنين من جيرانها، الأردن ومصر. لكنه يقرّ بأن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني المستمر هو "أحد القضايا الرئيسية التي تمهّد معالجتها لحلّ كل الصراعات في الشرق الأوسط".

التحديات

يعتقد غوشا أن التحدي الرئيسي الذي يواجه عمليات حفظ السلام في الوقت الحالي هو جائحة كوفيد - 19. ويقول إن جهود السلام على المستوى السياسي، في الشرق الأوسط وأماكن أخرى، "تضاءلت" حيث انصرف العالم بأجمعه إلى محاربة الوباء. وبينما يواصل الجيش عمله التكتيكي على الأرض، هناك جهودٌ أقل تُبذل من أجل إيجاد حلول سياسية دائمة للنزاعات.

على المستوى الشخصي، يقول إن التحدي الأكبر في حياته كان قراره بترك حياة مريحة نسبياً في سويسرا والانضمام إلى نظام حفظ السلام التابع للأمم المتحدة. "تترك وراءك شبكة معارفك وأصدقائك، ويكون الأمر صعباً عليك لا سيّما عندما تنتقل إلى بلد آخر في فترة زمنية تتراوح ما بين سنة وثلاث سنوات".

وكيف يُمكنك القيام بذلك؟ "منذ الصغر، وأنا أحب السفر لاكتشاف المناظر الطبيعية الأخرى واللغات والثقافات المختلفة وجغرافيتها وتاريخها. لذا، أعتقد أن هذا الشّغف هو ما يجعلني متعطشاً دائماً للتعرّف على مجتمعات جديدة" يجيب غوشا. ويضيف قائلاً: "إذا كانت لديك المهارات الشخصية للتواصل مع أشخاص جدد، وتبدع في ابتكار طرق مختلفة للقيام بالمهام الملقاة على عاتقك، أعتقد أنه يمكنك عندئذ مواجهة التحديات في هذه الحياة".

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

اكتب تعليقا

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟