Navigation

كيف يُمكن تخليص مُساعدات التنمية من النظرة والأهداف الاستعمارية؟

على أرضية مستشفى ألبرت شفايتزر في مدينة لامبارين (الغابون) عام 1954. © Eugene Smith/magnum Photos
هذا المحتوى تم نشره يوم 25 أكتوبر 2021 - 11:00 يوليو,

تتفق أصواتٌ من جنوب الكرة الأرضية ودوائرُ يمينية من الدول الغربية على أن مساعدات التنمية لها طابع استعماري. ولكن عند الحديث عمّا يجب تغييره تفترق الآراء وتبتعد عن بعضها.

مَنْ لم يرَ على ملصقٍ أو على وُرَيقةٍ إعلانية صورةَ طفلٍ ذي بشرةٍ سوداءَ تتدحرج على خدِّهِ دمعةٌ وتعلو رأسَهُ عبارةٌ ترجو قارئها تقديم التبرعّات؟

بِمثل هذه الصورة تناشد المنظمات غير الحكومية الناس للتعاطف والتبرع. طفلة يبلغ عمرها أربع سنوات في إحدى دور رعاية الأيتام في مدغشقر (2007) Keystone / Kim Ludbrook

بالنسبة لـ "دولان ماتيوس" من منظمة "Peace Directرابط خارجي" غير الحكومية، التي تدعم نشطاء السلام مباشرةً على أرض الواقع، فإن ذلك يُمثل عنصريةٌ بنيوية، حيث "ما زالت الكثير من المنظمات غير الحكومية الدولية تستخدم في جمع التبرعات صورًا إشكالية، وهي صورٌ نمطية للأطفال الأفارقة المُعوَزين، مما يخلق انطباعًا بأن الناس في شمال الكرة الأرضية قد يُمكنهم إنقاذ أولئك الذين هم في الجنوب".

بالتعاون مع منظمات غير حكومية أخرى من جنوب الكرة الأرضية أجرت منظمة "Peace Direct" مشاوراتٍ عبر الشبكة العنكبوتية العالمية سألت فيها أكثر من مئة وخمسين شخصًا يعملون في ميادين مساعدات التنمية وتشجيع السلام والمساعدات الإنسانية؛ وفي الختام، نشرت المنظمة نصائحها وتوصياتها في تقرير خاصرابط خارجي عن كيفية تخليص المساعدات من النظرة والأهداف الاستعمارية.

إن الملصق الذي يحمل صورةَ طفلٍ باكٍ هو واحدٌ من بينَ أمثلةٍ كثيرة. هنالك منظمات وكاتبات وكتاب ينتقدون بشكل عام المواقف الاستعمارية في مجالي التعاون الإنمائي والمساعدات الإنسانية. ووفقًا لوزارة الخارجية السويسرية فإن بعض الدول النامية تقوم أيضًا بنقل الموضوع إلى حلبة النقاش في الأمم المتحدة.

تتلقى الأصوات المرتفعة من جنوب الكرة الأرضية المساعدة والدعم، وعلى وجه الخصوص من الدوائر اليمينية في الغرب. حسب بَربارا شْتاينَمان، النائبة البرلمانية في الغرفة السفلى من البرلمان الفدرالي عن حزب الشعب السويسري اليميني المحافظ، فإن "مساعدات التنمية تحمل شيئًا من الازدراء والتجريد من الكرامة". ما يُزعج شْتاينَمان في مساعدات التنمية الحالية مبدئيًّا، كونها تقوم على التفكير بأن "الذين هم هناك تحت" لا يُمكنهم القيام بالعمل بمفردهم.

إلغاء مساعدات التنمية؟

"إذا تُرك الأمر بيد الدوائر اليمينية المحافظة، فإن المشكلة يُمكن حلُّها ببساطة، وذلك بإلغاء مساعدات التنمية"، وفقًا لشتاينَمان.

شتاينَمان تُلفت النظر أيضًا إلى "أن البلدان التي لم تتلقَّ مساعدةً من الغرب أو تلقّت منه مساعداتٍ قليلة -كفيتنام وكوريا الجنوبية على سبيل المثال- قد تطورت بسرعة"، وتقول بأنه "في المقابل، هناك دولٌ أفريقية موّلت الجزء الأكبر من موازناتها من خلال مساعدات التنمية الغربية، وإن تلك المبالغ الضخمة أخطأت الكثير من أهدافها"، وترى بأن "الاستخلاصات السياسية قد تكون الانسحاب من تلك المناطق".

لكنْ في جَنوب الكرة الأرضية، يُنظر إلى الأمر بشكلٍ مختلف. يقول ماتيوس بوضوح: "إن الناشطات والناشطين الذين اشتركوا في مشاوراتنا العالمية، لم يطالبوا بإنهاء التعاون الدولي، بل طالبوا بتغيير سلوك ومواقف الذين يقدّمون مساعدات التنمية".

شتاينَمان شخصيًّا؛ أيضًا لا تؤيد إلغاء تلك المساعدة، فهي تفضّل "أن تُستخدَم الأموال في مساعدات الطوارئ لضحايا الحروب وفي مساعدات الكوارث بدلًا من الاستثمار في مساعدات التنمية وفي هيئاتٍ دولية"، وتشكو قائلةً: "للأسف، نحن نُنفق الملايين على الدراسات والمؤتمرات والورَش والطاولات المستديرة وبدَلات الإيجار في مكاتب الأمم المتحدة".

وتشير البرلمانية اليمينية المحافظة إلى "أن الكثير من الأموال تتدفق على الثقافة والمنظومات الفكرية (الإيديولوجيا) بدلًا من أن تصل إلى مناطق الأزمات"، ثم تضيف متهكمةً: "نحن نستثمر في المسرحيين والرسّامين الشباب في مالي وأوزبكستان أو في مدرسة لموسيقى الروك في البوسنة والهرسك".

إن نظرةً في مشروع قاعدة بيانات الوكالة السويسرية للتنمية والتعاونرابط خارجي تؤكد بأن سويسرا تستثمر في قضايا ليس من الواضح مساهمتها الفورية في التطوير الاقتصادي لبلدٍ ما.

في باماكو عاصمة مالي تدعم سويسرا مكتبةً عامّة. يُرى في الصورة التي تعود إلى العام 2005 الرئيس السويسري آنذاك صمويل شْمِد (الثاني من اليسار) وإلى يمينه مؤسس المكتبة البروفسور "مامادو كلاتسي تسيسوما" Keystone / Monika Flueckiger

وبذلك نجد أنفسنا أمام السؤال المركزي: ألا يعرف السكان المحليون أفضلُ من غيرهم أيّةَ مساعدةٍ مفيدة لهم؟

تغيير سلطة القرار

وفقًا لـ فايَ أيكونغرابط خارجي، مستشارة الأعمال والباحثة البريطانية في العلوم السياسية، وهي من أصل نيجيري ونشأت في غانا، فإن من بين ما يجعل تخليص مساعدات التنمية من النظرة والأهداف الاستعمارية ممكنًا هو ترك الدول المتلقية تقرر بنفسها كيفية استخدام الأموال المقدَّمة لها.

تقول أيكونغ: "يتعلق الأمر بتغيير السرديّة كما بنقل السلطة. ولنعبّر عن ذلك بشكلٍ استعاري: عندما تأتون إلى بيتي لتساعدوني على ترتيبه من جديد، فالرجاء دعوني أقرر، أن يترتب كيفما أريد"، وترى المستشارة بأن"التعاون الإنمائي ينبغي أن يكون شراكةً على قدم المساواة".

تعويضات غير مشروطة بدلًا من المساعدات

وفقًا لمنظمة "Peace Direct"رابط خارجي فإن الناشطات والناشطين يطالبون البلدان الغربية بدفع تعويضات غير مشروطة عمّا ارتُكب من مظالمَ في الحقبة الاستعمارية. "ديجان علي" من منظمة "حلول التنمية الأفريقيةرابط خارجي" قال في المشاورات عبر الشبكة العالمية: "عندما نحوّل التمويل من مساعداتٍ إنسانية ومساعدات تنمية إلى تعويض، فإنها تُصبح حقًّا وليس مِنّةً يُمكن أن تُحرَمَ منها المنظمات المحلية بحجة نقص القدرات".

بدوره، يُؤيّد الموزمبيقي أليسيو ماكامو، أستاذ علم الاجتماع في جامعة بازل، والمتخصّص في الشأن الأفريقي، التسديد المالي، ويستشهد بحكاية قصيرة: "تصوروا أنَّ أبًا لعائلةٍ ما، سكّير يشرب الخمر كثيرًا، ولا يهتم بالأطفال. وفي يومٍ من الأيام يسطو لصٌّ على البيت ويسرق منه اشياءَ ثمينةً. الشرطة تعثر على الفاعل. لكن الفاعل يقول: لا أُعيد الأشياءَ الثمينةَ إلا بشرطٍ محدد، وهو أن يعود الأب إلى رشده ويسلك سلوكًا طبيعيًّا".

ويضيف ماكامو: "إنه لمن الغرور والعار، بعد كل ما حدث، أن يشيرَ الغرب بإصبعهِ الى البلدان الأفريقية".

البروفسور أليسيو ماكامو. جامعة بازل Universität Basel

لكنَّ ناشطين آخرين، وناشطاتٍ أيضًا، يشكّون في إمكانية حدوث ذلك، "لأنَّ القوى الاستعمارية السابقة ما زالت بعيدةً عن الاعتراف بما سببته من أضرار"، يقول ماتيوس ثم يستدرك: "لكن بالطبع هنالك بلدانٌ لم تكن بين القوى الاستعمارية، كسويسرا مثلًا التي لم يكن لديها مستعمرات".

ويقترح ماتيوس إعفاء البلدان النامية من الديون المستحقة عليها، بدلًا من دفع التعويضات، ثم يؤكد بأن "الشيء الأهم هو أن نتعامل مع التنمية بطريقة مختلفة إنطلاقًا من تخليص تفكيرنا من الفكر الاستعماري".

الأعمال التجارية بدلًا من الخيرية

ربما يكمن المفتاح في طريقة تعاطٍ مختلفة أساسًا: الاستثمار بدلًا من التبرعات، وذلك ما تفعله الصين  بشكلٍ واضح. تقول أيكونغ: "إن التأثير المتنامي للصين في أفريقيا يُمكن تفسيره بأن الصين، خلافًا للدول الغربية، لا تريد تحسين حقوق الإنسان، بل إنَّ حضورها هناك هو بدوافع اقتصادية فقط، إذ أنها تُقيم البِنى التحتية لتحقق أرباحًا".

وتؤكد الباحثة البريطانية من أصول أفريقية بأن "الصين غيّرت البِنى التحتية في أفريقيا بشكلٍ كبير جدًّا، وأقوى كثيرًا مما فعلته مساعدات التنمية الدولية من ذي قبل".

أيكونغ نفسها تقدم أفضل مثالٍ على أن شيئًا ما يتحرك في هذا الإطار، فهي، كمستشارة أعمال، تنشغل انشغالًا كبيرا بمستقبل العمل، وعلى وجه الدقة بالتساؤل: ما هي الظروف الواجب تحقيقها لجعل الناس يفضّلون العمل في شركةٍ ما ويستمتعون به؟ شركة أيكونغ المسماة، Ravelworks Africaرابط خارجي، تتخذ من كينيا مقرًّا لها وتتوجه أولًا إلى سوق العمل الأفريقي جنوب الصحراء الكبرى، لكن زبائنها في هذه الأثناء ينحدرون من الولايات المتحدة وأوروبا.

حول ذلك تعلق أيكونغ قائلةً: "هذا يشير إلى كيفية تغيّر الأزمنة. الشركات الغربية تبحث عن نصائحَ من الشركات الأفريقية".

توظيف السكان المحليين بأجورٍ عادلة

منظمة "Peace Direct"رابط خارجي تنصح المنظمات غير الحكومية ووكالات التنمية الحكومية باستخدام موظفين محليين في جميع المواقع خارجَ بلادها، حيث ما زال العديد من المنظمات العالمية غير الحكومية يوظف مغتربين بيضًا، خصوصًا على المستوى القيادي، وذلك على الرغم من وجود موظفين محليين مؤهلين لذلك.

كذلك، تنظر منظمة "Peace Direct" إلى الفوارق الكبيرة القائمة بين أجور العاملين المحليين والعاملين الغربيين كـ "عنصرية مُمنهجة".

لكن ماكامو ينظر إلى الأمر بطريقة مختلفة بعض الشيء: "إذا دُفعت للسكان المحليين أجورٌ سويسرية، فسينشأ عدمُ مساواةٍ كبير، وذلك بالنسبة للسكان المحليين الذين يكسبون أقل من ذلك بكثير".

وفقًا للبرلمانية شتاينَمان فإن الكثير من الوظائف الغربية مرتبطة بأموال مساعدات التنمية، وهي تحذر قائلةً: "لا يجوز أن تُستخدَم الأموال العامة في سبيل الحفاظ على صناعة مساعدات التنمية"، وتنتقد بحدّة الرواتب المرتفعة المعمول بها في الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون (التابعة لوزارة الخارجية).

وفقًا لمديرة الوكالة السويسرية للتعاون باتريسيا دانتسي لا يجوز لسويسرا إطلاقًا أن تتغاضى عن احتياجات البيئة المحلية حيثما تعمل الوكالة. ما هي القيمة المضافة التي نستطيع، كوكالة سويسرية للتعاون الدولي، أن نقدّمها بالمقارنة مع الآخرين؟ ذلك هو السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا باستمرار. © Keystone / Christian Beutler

ما الذي تفعله سويسرا؟

في الواقع، بلغ صدى النقاش الدائر حول تخليص مساعدات التنمية من الخلفيات والمواقف الاستعمارية دوائر السلطات السويسرية. وكتب متحدثٌ باسم وزارة الخارجية ردًّا على تساؤل حول هذا الموضوع بأن "الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون تقوم بتكييف مناهجها"، وذلك دون أن يشير إلى الجدل المتداوَل حول "تخليص مساعدات التنمية من الخلفيات والمواقف الاستعمارية"، فقد كتب المتحدث مثلًا: "إن الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون تعمل على تعزيز كفاءة موظفيها في مجال الثقافة بين الحضارات"، أو "إن الوكالة تكيّف مصطلحاتها ومفرداتها بشكلٍ منتظم، وهي تستخدم مصطلح (التعاون الدولي) أكثرَ مما تستخدم مصطلح (مساعدات التنمية)". كذلك فإن الوكالة تلجأ إلى مزيد من التحليلات والتقييمات.

إن ذلك لا يوحي بثورة كبيرة. يقول كيمون شنايدر، الأستاذ المحاضر في المركز من أجل التنمية والتعاون التابع للمعهد التقني العالي في زيورخرابط خارجي: "إن الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون تتعامل بشكلٍ غير مباشر مع مواضيعَ مختلفةٍ متعلقة بالتخلص من النظرة الاستعمارية، لكن يُمكنها، لا بل ينبغي عليها أن تفعلَ ذلك بشكلٍ منهجي وأكثر وضوحًا".

لكن شنايدر يضيف: "من باب الإنصاف، يجب القول بأن ممارسة سويسرا بالمقارنة مع بلدانٍ أخرى نوعًا ما، تشاركية"، ويختم بالقول: "قد يساعد سويسرا في عملية تفكيك المواقف الاستعمارية تلك الوصفات والقيم التي أثبتت صحتها في سياستها الداخلية مثل: المشاركة المباشرة في القرار ودمج الأقليات والحوار بين الحضارات".

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟