Navigation

إلى أي مدى تبدو سويسرا مُحايدة فعلاً؟

"الحياد هو أحد ركائز شراكتنا مع حلف شمال الأطلسي"

فليب براندت، السفير السويسري في بروكسل وفي نفس الوقت رئيس بعثة سويسرا لدى حلف شمال الأطلسي. Ambassade de Suisse à Bruxelles
هذا المحتوى تم نشره يوم 16 مارس 2022 - 09:00 يوليو,
أجرى الحوار: روبير نوسباوم

في مواجهة الحرب التي تدور رحاها في أوكرانيا، يشرح فليب براندت، السفير السويسري لدى منظمة حلف شمال الأطلسي، أهمية شراكة سويسرا مع الحلف، التي يعتبرها منسجمة تماما مع الحياد السويسري. وفيما يلي نص المقابلة. 

SWI swissinfo.ch: مهمتك كرئيس للبعثة السويسرية لدى حلف شمال الأطلسي، هل طرأ عليها تغيير ما منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا؟

فليب براندات: نحن نعيش فترة حاسمة جدا. ومهمتنا كبعثة لم يطرأ عليها تغيير. ونتابع عن قرب القرارات التي يتخذها الحلف، وكذلك تقييمه للوضع. هذه الأزمة تُظهر بما لا يدع مجالا للشك أن حلف شمال الأطلسي طرف وفاعل رئيسي في مجال السياسات الأمنية. وبقاؤنا على ارتباط بشبكة اتصالات هذا الحلف أمر أساسي.

شراكتنا مع حلف شمال الأطلسي كذلك مستقرة ومثمرة. ويتواصل إنجاز العديد من الأنشطة المهمة بالنسبة لسويسرا، في مجال التدريب والتكوين على وجه الخصوص. وتتسم علاقتنا مع الحلف بثقة كبيرة. لقد تم بناء هذه الثقة على امتداد خمسة وعشرين عاما من التعاون الملموس. وهذه الثقة المُتبادلة ثمينة ومفيدة جدا.

جيران روسيا، كفنلندا والسويد، وهما شريكان آخران للحلف، يقتربان أكثر فأكثر من هذه المنظمة ذات الطابع العسكري في الأصل. هل يُدغدغ سويسرا "إغراء" محاكاتهما، للحصول على الحماية من الحلف مثلما يطالب بذلك بعض السياسيين السويسريين؟

إن الحياد هو أحد أسس شراكتنا مع منظمة حلف شمال الأطلسي. ولذلك، فإن الانضمام إلى هذه المنظمة ليس مُدرجا على جدول الأعمال. وهذا مفهوم تماما ويتفهّمه شركاؤنا في التحالف.

في نفس الوقت، لدينا أيضا اتصالات وثيقة للغاية مع البلدان الأوروبية غير الأعضاء في منظمة حلف شمال الأطلسي، فنلندا والسويد والنمسا وأيرلندا، رغم اختلاف بيئاتنا الجيو -استراتيجية وسياساتنا الأمنية. وفيما يتعلق بالسياسة الأمنية تحديدا، فالذي يحددها هو البرلمان والحكومة الفدرالية، وتستمد البعثة ولايتها منها.

ولكن النتيجة الأساسية التي يُمكن أن نستخلصها من شراكتنا هي أن القدرة التعاونية للقوات المسلحة السويسرية - أو ما يُصطلح عليه - بقابلية التشغيل المتبادل – قد تعززت إلى حد كبير. وهذه بالطبع قيمة مضافة أساسية لقدرة سويسرا الدفاعية والأمنية.

انضمت سويسرا مؤخرا إلى العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا. هل خرجت سويسرا بذلك عن حيادها؟

إن سويسرا متمسّكة بحيادها. واعتماد العقوبات التي أقرها الاتحاد الأوروبي لا يُغيّر من ذلك شيئا. فهي لا تناصر أي طرف في النزاع على المستوى العسكري. لكن، سياسة الحياد السويسرية تُبقي على هامش للمناورة يراعي التطوّرات الاستثنائية المحتملة للنزاع.

إن الهجوم العسكري الروسي على أوكرانيا والانتهاكات الخطيرة للقواعد الأساسية للقانون الدولي التي تُصاحبها فريدة من نوعها في تاريخ أوروبا الحديث. إن حيادنا متوافق تماما مع عقوبات الاتحاد الأوروبي.

مع ذلك، يعتقد كريستوف بلوخر، الوزير الفدرالي السابق وزعيم حزب الشعب السويسري (يمين محافظ) أن سويسرا دخلت الحرب بانضمامها إلى عقوبات حلف الشمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي. أما روسيا فقد وضعت سويسرا على قائمة البلدان "غير الصديقة"..

رغم تبنيها لعقوبات الاتحاد الأوروبي، فإن سويسرا لا تحيد عن التزاماتها بصفتها دولة مُحايدة. وتطبق سويسرا قانون الحياد بشأن العلاقات الروسية الأوكرانية منذ ضمّت روسيا شبه جزيرة القرم في عام 2014. وسيظل هذا الوضع ساري المفعول خلال الهجوم العسكري الروسي الحالي على أوكرانيا. ثم إن الحياد لا يعني اللامبالاة، وهو لا يمنع سويسرا من الاعتراض على انتهاك قواعد القانون الدولي والدفاع عن القيم الديمقراطية.

لقد راهنت سويسرا باستمرار على الحماية غير المباشرة لحلف شمال الأطلسي، لوجودها جغرافيا في وسط أوروبا. ولكن هل لا يزال لهذا معنى مع تطوّر تقنيات الحروب الحديثة مثل الهجمات الإلكترونية والأسلحة النووية؟

سويسرا لا تزال على هامش الحلف الاطلسي

نشأت منظمة حلف شمال الأطلسي من رحم الحرب الباردة في عام 1949. وتُعدّ البلدان الأعضاء فيها اليوم ثلاثين بلدا تمتد عبر الأطلسي، بما في ذلك بلدان حلف وارسو السابقة. وفي مواجهة الاتحاد السوفياتي، عمل الحلف، منذ سقوط جدار برلين، على تعزيز الأمن في أوروبا بشكل أعم، ودمج التحديات الجديدة المتمثلة في الإرهاب والحرب السيبرانية والتكنولوجيات الجديدة وصعود الصين.

قبل عامين، اعتبر الرئيس الفرنسي أن حلف شمال الأطلسي منظمة  تُعاني من سكتة دماغية، فهي بصدد إعادة تنشيط نفسها كمنظمة دفاعية عسكرية في مواجهة التهديد الروسي. ومنذ عام 1996، دخلت سويسرا في شراكة مع الحلف من أجل السلام وهي تشمل أيضا أيرلندا والسويد وفنلندا والنمسا. بالإضافة إلى ذلك، تقيم منظمة حلف شمال الأطلسي شراكات مع نحو عشرين بلدا ومنظمة أخرى. وبوجه خاص، تدعم سويسرا عمليات حفظ السلام التي يقوم بها التحالف في كوسوفو، وقد وظفت في ذلك خبرتها في ميدان الأمن، من الناحيتين المدنية والعسكرية على حد سواء. وبسبب الحياد، لا تُشارك سويسرا في العمليات القتالية.

End of insertion

التقرير المتعلق بالسياسة الأمنية، الذي تجري مناقشته حاليا على مستوى المؤسسات الفدرالية، يبين بوضوح أن عددا كبيرا من التهديدات الحديثة لا تتوقف عند الحدود الوطنية. ولهذا السبب بالتحديد، فإن التعاون مع الدول والمنظمات الأخرى مثل منظمة حلف شمال الأطلسي أمر بالغ الأهمية. الحجة القائلة بأننا محميّون من طرف منظمة حلف شمال الأطلسي بسبب موقعنا الجغرافي وسط أوروبا حجة تفتقر إلى الدقة. فسويسرا تساهم أيضا في الحفاظ على أمن أوروبا.

حتى وإن بدا الأمر بعيدا عن الواقع نظر للوضع الحالي، ما الذي تستطيع سويسرا القيام به للعودة إلى أساسيات شراكتها مع منظمة حلف شمال الأطلسي: توفير خبرتها في مجال احترام القانون الانساني وحماية المدنيين؟

احترام القانون الإنساني الدولي هو في الواقع أولوية ظللنا نشجعها بقوة منذ بداية شراكتنا. ونحن نشارك بنشاط في العمل من أجل حماية المدنيين أو المجال السيبراني. فضلا عن ذلك، فإن التكنولوجيات الجديدة مثل الذكاء الاصطناعي تمثّل تحديات جديدة للقانون الإنساني الدولي. ونحن نتبادل المعلومات بشأن ذلك مع منظمة حلف شمال الأطلسي بشكل منتظم ولدينا جميعا مصلحة أكيدة في العمل المشترك.

هل انحرف هذا العمل المشترك اليوم بسبب ما يحصل في أوكرانيا؟

إن المأساة التي تجري أحداثها في أوكرانيا تؤثر علينا جميعا. ومن الأكيد أن سويسرا اتخذت موقفا واضحا تجاه روسيا. فهي تُدين بشدة الهجوم العسكري الروسي في أوكرانيا وتدعو روسيا إلى نزع فتيل الوضع فورا، ووقف جميع المعارك، وسحب قواتها فورا من الأراضي الأوكرانية.

هل يُمكن القيام بأعمال ملموسة هنا وعلى الفور؟  

سويسرا منخرطة بشكل قوي على مستوى العمل الإنساني. فهي توفر عن طريق بولندا إمدادات إغاثة للسكان الأوكرانيين، تتألف من إمدادات طبية وضروريات أساسية. وحتى هذه اللحظة، تمت أربع عمليات تسليم. وتم إرسال أعضاء فيلق المساعدات الإنسانية السويسري، وهو جزء من وزارة الخارجية، لضمان توزيع هذه المساعدات.

وفي الوقت نفسه، أرسل فريق ثان من الفيلق إلى مولدوفا. وسيستمر إرسال إمدادات الإغاثة، بما في ذلك الأدوية والخيام، لتلبية احتياجات اللاجئين الأوكرانيين. وبعيداً عن المُساعدات المباشرة، تمنح سويسرا مساهمات مالية للمنظمات الإنسانية مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر والأمم المتحدة بمقدار نصف مليون فرنك وربع مليون فرنك على التوالي.

بالإضافة إلى ذلك، ساهمت سويسرا بمبلغ 500 ألف فرنك في صندوق الأمم المتحدة للمعونة الطارئة لأوكرانيا. وكل هذه المعونة جزء من سلسلة من تدابير الدعم التي اتخذتها سويسرا، والتي تبلغ نحو ثمانية ملايين فرنك. 

سيرة ذاتية موجزة

منذ ثلاث سنوات تقريبا، أصبح فيليب براندت، البالغ من العمر 58 عاما ، سفيرا لسويسرا لدى بلجيكا. وفي بروكسل، يشغل أيضاً منصب رئيس البعثة السويسرية لدى منظمة حلف شمال الأطلسي. وهو دبلوماسي منذ عام 1994.عمل في باريس ضمن البعثة السويسرية لدى منظمة التنمية والتعاون الإقتصادي، وفي أثينا كنائب لرئيس البعثة. وفي برن، تركّز عمله على العلاقات الثنائية مع بلدان أوروبا الغربية والوسطى، كما كان مسؤولاً عن العلاقات مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. بين عامي 2015 و 2019، شغل براندت أول منصب سفير له في مدغشقر. ولد في لا شو دو فون، وهو حاصل على إجازة في القانون من جامعة نوشاتيل.

End of insertion

(ترجمه من الفرنسية وعالجه: عبد الحفيظ العبدلي)

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟