Navigation

وجهات نظر
علوم

حماية التنوع البيولوجي تبدأ من داخل المجتمع

وسط تعثر المفاوضات العالمية بشأن مسألة حماية التنوع البيولوجي التي كانت أصلا في حالة من الجمود بسبب ظروف جائحة كوفيد-19، يؤمن الباحث الذي اهتم بدراسة تأثير النشاط البشري على الطبيعة في مختلف أنحاء العالم، بوجود بارقة أمل بشأن هذه المسألة، تكمُنُ في المبادرات المحلية.

هذا المحتوى تم نشره يوم 29 يونيو 2022 - 09:03 يوليو,
معهد الدراسات المتقدمة للاستدامة التابع لجامعة الأمم المتحدة، طوكيو

في شهر مارس المنصرم، ناقش 195 بلدا في جنيف مسألة الإطار العالمي القادم للتنوع البيولوجي، بعد أن ظلت المفاوضات في هذا الشأن طيّ النسيان لأكثر من عامين، بسبب ظروف جائحة كوفيد-19. ومع حلول نهاية عام 2020، كانت صلاحية آخر اتفاقية عالمية للتنوع البيولوجي، والمعروفة باسم أهداف أيشي للتنوع البيولوجيرابط خارجي، قد انتهت، وبرزت الحاجة إلى وضع إطار لاتفاقية جديدة للتنوع البيولوجي لتحل محل الاتفاقية المنتهية الصلاحية. لكن جهود المشاركين المعنيين في جنيف، باءت بالفشل، حيث لم يتمكنوا من وضع أي أهداف محددة للمضي قُدُماً في وضع إطار الاتفاقية الجديدة، ولا حتى الموافقة على أهدافها العامة. ومن المقرر عقد اجتماع تفاوضي آخر في شهر يوليو القادم في نيروبيرابط خارجي، عاصمة كينيا، قبل قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي التي من المتوقّع أن تُعقد في مونتريال -كندا في ديسمبر من العام الحالي. وبحسب العديد من المنظمات غير الحكومية المشاركة في مفاوضات جنيف، اتسم سير العملية المتعلّقة بوضع إطار هذه الاتفاقية بعدم الاستعجال من قِبَل المشاركين.

تهديدات مستمرة

لقد علّقت جائحة كوفيد-19 الجهود المبذولة لإدارة التنوع البيولوجي في العديد من الأماكن، واستمرت التهديدات العالمية التي تتعرض لها الطبيعة بلا هوادة إلى حد كبير. وعلى الرغم من أن الأيام الأولى للوباء جلبت أخباراً سارة عن عودة الدلافين والبجع التي يتم الإتجار بها بشكل مفرط، إلى المجاري المائية، نتيجة تقييد التنقل البشري إلى حد كبير وفقاً لاستراتيجيات التعاطي مع الجائحة، إلا أن أنماط الاستهلاك واستخدامات الأراضي لم تتغير كثيراً - حيث ظلّت تأثيراتها وتداعياتها على الطبيعة واضحة المعالم. ومع تمديد مدة الإغلاق التام من أسابيع إلى شهور، كان من الواضح أن استجابة البشرية للوباء في حد ذاتها، كانت تضر بالطبيعة.  

وتوضح مصادر من الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعةرابط خارجي، أنّ "هناك تصور خاطئ بأن الطبيعة "حصلت على استراحة" من النشاط البشري خلال جائحة كوفيد-19؛ فعوضاً عن ذلك، استمرّت العديد من المناطق الريفية في المناطق الاستوائية في مواجهة الضغوط المتزايدة من الاستيلاء على الأراضي، وإزالة الغابات، والتعدين غير القانوني، والصيد غير المشروع للأحياء البرية".

بل إن الوضع في البلدان المتقدمة كان أكثر وبالاً؛ فقد ارتفعت كميات النفايات البلاستيكية الناتجة عن الصرف الصحي بشكل كبير، مما أدى إلى زيادة نسَب التلوث البلاستيكي في العديد من البلدان في كل من أوروبا والأمريكيتين، بعد أن كانت كل منهما تحاول التخلص التدريجي من استخدام البلاستيك. وفي الدول الأخرى من العالم المتقدم، فإن الفئات من السكان التي فرّت من المدن إلى الضواحي أو المناطق الريفية، بدافع الخوف من الجائحة أو لمجرد العمل عن بُعد في ظروف هادئة، ساهمت عبر تجمّعها في مساكن الأسرة الواحدة، في زيادة الطلب على الموارد والاستهلاك الكثيف للطاقة.

ويُمكن القول بشكل عام، إنه سُجّلت - نتيجة للوباء - بعض التطورات الإيجابية التي ساهمت في الحفاظ على التنوع البيولوجي، بما في ذلك زيادة الاهتمام بتنظيم تجارة الأحياء البرية، لكن الباحثين من مختلف أنحاء العالم سجّلوا في الوقت ذاته العديد من الآثار السلبية.

سبب يدعو للأمل

وفي وقت سابق، وتمهيداً لقمة التنوع البيولوجي المُزمَع عقدُها في مونتريال، تمت مناقشة الهدف الرامي إلى حماية 30% من النظم البيئية في العالم بحلول عام 2030. وإذا أردنا تحقيق هذا الهدف، فإن ذلك لا يقتضي التطلّع إلى العودة إلى مستويات التنوّع التي ميّزت فترة ما قبل الجائحة فحسب، بل تجاوزها إلى حد بعيد. وفي الوقت الذي يبدو فيه تحقيق هذا الأمر عملاً شاقاً، لا سيّما بعد انقضاء عامين من التقدم البطيء على هذا الصعيد، ينبغي ألا يغيب عن بالنا أن العمل الفعلي في تحقيق الهدف يقع على كاهل المجتمعات المحلية. وهناك فعلياً كثير من الممارسات والمبادرات الناجحة في مجال التنوع البيولوجي، قيد التنفيذ من قِبَل المجتمعات المحلية، في بيئات متنوعة حول العالم.

ومن الأمثلة على ذلك مراكز الخبرة الإقليمية (يُشار إليها اختصارا بـ RCE)؛ فهناك 175 مركزاً للخبرة الإقليمية في مختلف أنحاء العالم، يضم كل واحد منها أصحاب المصلحة المحليين لتعزيز التعليم من أجل التنمية المستدامة. وتعمل مراكز الخبرة الإقليمية هذه، على تضافر جهود كل من مقدمي خدمات التعليم الرسمي (مثل المدارس والجامعات) ومقدمي خدمات التعليم غير الرسمي (مثل حكومات المدن والمنتزهات الوطنية والمتاحف وحدائق الحيوان)، بهدف استخدام التعليم والتدريب كوسائل لتعزيز أجندة التنمية المستدامة المتكاملة في منطقة معينة.

وكانت مُبادرة مراكز الخبرة الإقليمية قد أطلقت في عام 2003 من قبل معهد الدراسات المتقدمة للاستدامة التابع لجامعة الأمم المتحدةرابط خارجي في مدينة طوكيو بدعم من وزارة البيئة في اليابان. ومنذ انطلاقة مراكز الخبرة الإقليمية، وضع القيّمون عليها نصب أعينهم نقطة محورية تكمن في العمل على حماية واستعادة المحيط الحيوي أو "البيوسفير" (بالانجليزية).

ومؤخراً، نشرت الشبكة العالمية لمراكز الخبرة الإقليمية مؤلفا بعنوان "إشراك المجتمعات المحلية من أجل حفظ التنوع البيولوجي: التعليم من أجل مشاريع التنمية المستدامة" رابط خارجييسلّط الضوء على بعض الأعمال الناجحة، مثل استعادة النظم البيئية لأشجار المانغروف في بنغلاديش والفلبين، أو الحد من الاتصال بين الإنسان والحياة البرية في المجتمعات البرازيلية والكينية. ويقدّم المنشور العديد من الأمثلة الملموسة الأخرى لكيفية استخدام المجتمعات المحلية حول العالم التعليم كآلية، من شأنها أن تُسهم في اتخاذ إجراءات ملموسة لحماية التنوع البيولوجي داخل مناطقها. وسواء كانت المقاربة في العمل على المحافظة على التنوّع تعتمد على النظام الإيكولوجي (البيئي) أو تركّز على الأنواع، فإن مشاريع مراكز الخبرة الإقليمية الجارية تقدّم الخطوات التي ينبغي اعتمادها لاحقاً وإمكانيات اتخاذها من قِبلنا جميعاً في مجتمعاتنا، لترجمة ما نتعلّمه في هذا الشأن إلى عمل يُسهم في حماية المحيط الحيوي أو "البيوسفير".  

من الواضح أننا سنحتاج إلى وضع وتحقيق أهداف وغايات ذات طابع عالمي إذا أردنا المضي قُدُماً في تطلعاتنا إلى حماية الطبيعة في جميع أنحاء العالم. ولكن من خلال عرضنا لهذه الأمثلة، حيث تمكّنت المجتمعات المحلية من أخذ زمام المبادرة في استخدام التعليم والتدريب لتنفيذ الإجراءات المساهمة في المحافظة على التنوع البيولوجي، فإننا نقترب كثيراً من تحويل هذه الأهداف العالمية التي تبدو صعبة المنال إلى واقع حقيقي.

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟