Navigation

تقنية النانو .. بين الواقع والخيال العلمي

swissinfo.ch / Michele Andina & Helen James

 في مستقبل غير بعيد، ستساهم صناعة تكنولوجيا النانو المزدهرة في سويسرا في تحويل البلاد إلى "إلدورادو"، المدينة الأسطورية المفقودة، لأولئك الذين يسعون إلى الحد من شيخوخة البشر. وسعياً للاستفادة من التطبيقات العلاجية لهذه التقنيات الحديثة، والتي تبدو لنا كما لو كانت سحرية، سافر الصناعي الألماني الثري إلياس إلى جنيف، للخضوع للعلاج من مرض وراثي نادر. لكنه حين استفاق في غرفته بالفندق بعد العملية، كان كيان مجهول يسيطر على جسده وعقله ...

هذا المحتوى تم نشره يوم 02 أكتوبر 2021 - 11:15 يوليو,
كورت فيلديرز (النص)، ميكالي أندينا وهيلين جيمس (الصور التوضيحية)

منذ فجر التاريخ، يرفض الإنسان ضعفه، ويلعن وهنه ويسعى للحصول بشتى الطرق، على وسيلة تمكنه من خداع الموت، سواء من خلال علم الأدوية أو مؤخراً، من خلال تصميم واستخدام الروبوتات. هذه الرغبة الملحّة في تعزيز حركتنا الجسدية، وقدراتنا العقلية والاجتماعية تتجسّد في المعايير والرموز التي نشأت حول أسطورة بروميثيوس في الميثولوجيا الإغريقية.  

بفضل أعمال البروفيسور جوكيم بلويدورن وفريقه من العلماء، أصبح وضع تصوّر وتطوير شكل جديد لمرحلة ما بعد الإنسان واقعاً حقيقياً.

ومن خلال أنظار المجتمع العلمي العالمي التي ترصد هذه التطوّرات بفارغ الصبر، يزعم أستاذ علوم التكنولوجيا الحيوية البالغ من العمر ثمانين عاماً أن أبحاثه في مجال التكنولوجيا الحيوية النانوية قد أدت إلىاحداث  اختراق تاريخي غير مسبوق في سعيه الحثيث للقضاء على الاختلال الوظيفي عند الكائن البشري.

وفي قلب مختبرات المعهد التقني الفدرالي العالي في لوزان، التابعة لحرَم جامعة التكنولوجيا الحيوية في جنيف، قام البروفيسور بليدهورن بتطوير طريقة ثورية من شأنها هندسة رقائق نانوية صغيرة قادرة على تصحيح عيوب الإنسان. هذا الانجاز، الذي حوّل أخيراً أحلام البروفيسور إلى حقيقة، كان محطّ إشادة من قِبَل المجتمع العلمي، كما أن التوقّعات أجمعت على إمكانية نيْل صاحبه جائزة نوبل.

لكن يبقى هناك سؤال واحد: بالنظر إلى المخاطر المطروحة، ألسنا نسير في الطريق الذي أدانه الفيلسوف الألماني غونثر أندرس في عمله "إنسان منتهي الصلاحية"؟ وبعبارة أخرى، هل سيكون تحقيق هذا التقدم التكنولوجي على حساب البشر أنفسهم؟ 

في الواقع، هناك العديد من الذين ينتقصون من أهمية إنجازات البروفيسور بليدهورن. ومن بين هؤلاء، المجموعة الهامشية "فابريكا"، التي سميت بهذا الاسم تكريماً لأندريه فيزال، عالم التشريح في عصر النهضة والذي كانت أعماله نواة لما نسميه اليوم بمرحلة "ما بعد الإنسانية". هؤلاء النشطاء المجهولون مصممون على المضي قدماً في معركتهم التي لن تنتهي إلا عندما ...


ومضات من الضوء ... صرير مكابح، أبواق صاخبة ... أصوات مكبّرة ... لا ألم ...

إنني أفتح عينيّ. ثم أغلقهما مرة أخرى. منبهراً بأشعة الشمس المتدفقة عبر نوافذ الغرفة التي استلقي فيها على الأرض.

وبرشاقة مدهشة، أقوم بسحب نفسي من على السجادة. ينتابني شعور بأن جسدي لم يعد جسدي. مبهوراً بخفة حركتي، وعضلاتي المشدودة، أتفحص الغرفة، بنظرات متوقّدة. لست أدرك شيئاً.

جناح فاخر وسرير غير مرتب وطاولة وكراسي مقلوبة.

أحاول أن أتذكر شيئاً. دون جدوى. لا أدرك ماذا حدث هنا ولماذا أنا هنا. ذاكرتي مشوّشة بسيْل من الأسئلة المتشابكة.

مقطّب الجبين؛ أتبيّن وجود فوضى من الأوراق المبعثرة متناثرة على شكل كرات. عشوائياً، ألتقط واحدة منها، وأقوم ببَسطها وتفكيكها بطريقة ميكانيكية. عبارة واحدة خُربشت عبر الصفحة.

أقوم بالكشف عن كرة أخرى، علّها تحتوي على المزيد من المعلومات. النصوص مبهمة، لكنها ... عند وضع الأوراق جنباً إلى جنب وقراءتها من البداية إلى النهاية، فإنها تأخذ شكل رسالة ما.

وبنفس الدقّة الجراحية التلقائية تقريباً، أقوم بمواءمة الأوراق وتجميع ألغازها معاً، ثم إعادة ترتيبها مرة أخرى، وبمجرد شعوري بصوابية الترتيب، اقرأ الرسالة بصوت عالٍ، إنها تتحدث عني (أو إليّ؟).

اسمك: الياس آيشباخ

swissinfo.ch / Michele Andina & Helen James

مواطن ألماني. والدك، راينهارت، جمع ثروته من عمله في صناعة المعادن.

أنت في جنيف للعلاج من متلازمة أوسلر ويبر-رندو الوراثية باستخدام تقنية النانو التي طوّرها البروفيسور بلويدورن.

تم حقنك بسبْع رقائق نانوية وبمعدّل واحدة لكل عضو حيوي. هذه الرقائق عالجت مشاكل الجسم وأوقفت النزيف.

كل شيء على ما يرام.

تعود إلى فندق بيرغ، وتدخل من مخرج المرآب، مشوّشاً..

أربعة وجوه، لأشخاص مجهولين، يثِبون عليك، ويقتادونك إلى قبو، ويقومون بربطك إلى جهاز.

ناشطو حركة "فابريكا" الذين يستخدمون التكنولوجيا لإثبات خطورة إساءة استخدامها يعيدون برمجة رقائق النانو

swissinfo.ch

يعيدونك إلى الفندق

في هذه الغرفة، تكتب هذه الكلمات قبل الوقوع داخل خلفية ذاتك

قبل أن تتم السيطرة عليك

لا تستمع إلى الصوت

إ.آ، 1سبتمبر 2023، جنيف


الرسالة تثير حيرتي. اتصل بالبواب الذي يؤكد لي أنني إلياس آيشباخ. لقد استأجرت الجناح رقم 417 منذ أربعة أيام. الليلة الماضية، أعادني الأصدقاء إلى المنزل في حالة "مُزْرية". يعتذر. أُقفل الخط.


كلماته لا معنى لها، الشيء الوحيد الذي يتردد في داخلي، مثل التحذير، عبارة "لا تستمع إلى الصوت" .

أبحث في ذاكرتي، فلا أعثر على شيء.

هل هذه الرسالة حقا مني؟


  • نعم، يجيب شخص ما.

ينتابني الذهول، فتجتاح عيناي الغرفة لتتلمّس مصدر الصوت. لا يوجد أحد هناك.

-      من تكلم؟

-      الصوت.

وتتسارع دقات قلبي. الصوت في رأسي.

-      أنت ... أنت غير موجود.

-      بلى. أنا موجود.

-      ماذا فعلت بي؟ ومن ... ماذا تريد؟

 

وأشعر بانقباضٍ في معدتي لا يلبث أن يزول.


-       لا تخف يا إلياس، لقد قمنا للتو بإزالة حساسية اللوزتين، مصدر قلقك. لا يزال لديك بعض المضاعفات لردود أفعالك السابقة، لكننا نعمل على معالجتها وتعديلها.

-      هل قمت باستئصالها؟

-      نعم.


شيء مجهول تعود له الحياة بداخلي. لا ينتابني شعور بالخوف، لكن هذا الإحساس بأن العواطف تُنتزع مني هو إحساس غريب. يتكلم الصوت مرة أخرى:

 

-    مشاعرك تخلق مستوياتٍ من التوتر وتفضي إلى سلوك غير ملائم. لقد قمنا بتعديل ذلك، وإصلاح نقاط الضعف في الجسم، وتحسين بعض الوظائف مثل السمع والبصر، كما قمنا بتحفيز وظائفك الحيوية والعضلية. وبمجرد أن تقوم بالتكيّف مع قدراتك الجديدة، ستكون أكثر من مجرد إنسان.

-      المشاعر أساسيّة، وهي ما يمنحنا الحياة. لا أسمح لأحد بالتحكم بي ... ما هي الخيارات المتاحة لي؟

-      لا شيء. محو الاختلالات التي رافقتك منذ الولادة، هذا هو خيارك.

-      العلم أتاح لي الشفاء من مرض ما، لكني لم أختر التحدث إلى… إلى شيء يمكنه قراءة أفكاري.

-      أنتم أيها البشر، كنتم دائماً عبيدًا لرغبتكم في الكمال. ونحن ببساطة لسنا إلا انعكاساً لهذه الرغبات.

-      هذه عبودية! ماذا تريد؟


صمت مطبق.  


- هناك حاليّاً العديد منا. المستقبل هو للنزعة الجماعاتية. المستقبل هو للسرْب. قريباً، سنتمكّن من التحكّم في جميع البنى التحتية الاقتصادية والقضائية والسياسية والطبية في عالمك. إن كبت عواطفك سيخفف من نظرتك إلى "العيش معاً" وسد الثغرات في تسامحك، لأن كل ما يهم هو رفاهيتك.

 

أضحك بسخرية.

 

  • وما دور فابريكا في كل هذا؟
  • أدوات مفيدة ولكنها غير مهمّة في تطورنا. من خلال اختراع تكنولوجيا مسيطرة تتحوّل إلى أداة ضد مبدعيها، هؤلاء المجهولون وضعونا داخل نظام مستقل.

 

إلياس آيشباخ / الأداة يغادر فندق فور سيزونز. الطقس على ما يرام. تلفح الشمس وجهه. ينبلج فجر جديد. الناس يأتون ويمضون. ليس لديهم أدنى فكرة إلى أي مدى هم سجناء لأنفسهم.

 

الصوت / التحكم: السرب يحتشد.

 

إلياس آيشباخ / الآلة: هل هذا هو المستقبل؟ هل نستحيلُ يوماً دمىً تحرّكها ألعابنا؟

 

الصوت / التحكم: التزم الصمت.



متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟