Navigation

تعيين إدريس جطو يخلط الأوراق

السيد إدريس جطو الذي عينه الملك المغربي محمد السادس رئيسا للوزراء في صورة تعود إلى عام 1997 مع وزير الإقتصاد السويسري الراحل جون باسكال دو لامورا Keystone Archive

تهيمن على الاجواء السياسية المغربية ضبابية حول مستقبل الاصلاحات الدستورية التي عرفتها البلاد منذ منتصف التسعينات.

هذا المحتوى تم نشره يوم 12 أكتوبر 2002 - 16:49 يوليو,

كما يطرح تعيين رجل الاعمال ووزير الداخلية ادريس جطو وزيرا اولا جديدا، اسئلة ان كانت النصوص مجرد تعابير ام تحمل روحا يمنحها ديناميكية استمرار التطور من داخلها.

هذه الاجواء التي تتسم في بعض جوانبها بالكآبة والتخوف على تجربة، استطاع المغرب من خلالها ان يضع نفسه في طريق نحو الديمقراطية المسيجة بقيم واعراف ومرجعيات تشكل قواسم مشتركة بين مكوناته السياسية، خلقها تعيين شخصية تقنية وزيرا اولا خلفا لزعيم سياسي، ليس امتعاضا من الشخص، بل من شعور بأن ترسيخ القواسم المشتركة لا زال بحاجة الى المزيد من الثقة والوضوح والتعاطي مع النصوص.

تعيين ادريس جطو وزيرا اولا، ليس خرقا للدستور الذي اعطى في الفصل الرابع والعشرين للملك اختصاصات تعيين الوزير الاول دون ان يقيده بمواصفات شخصية او سياسية، والوزير الاول المعين، شخصية تحظى بإحترام واسع من لدن الاوساط السياسية والحزبية. فإضافة لنجاحه كوزير للداخلية، في اجراء انتخابات تشريعية ديمقراطية ونزيهة، استطاع ان يقيم علاقات ثقة متينة مع مكونات الحياة الحزبية المغربية.

ولان مهمات المرحلة القادمة اقتصادية واجتماعية، فإن السيد جطو وزيرا اولا، يكون اختيارا مفضلا للقصر. فجطو رجل اعمال ناجح تولى في العقد الاخير من القرن الماضي حقائب وزارية اقتصادية (التجارة والصناعة والمالية)، وايضا ادراة وتدبير مؤسسات مالية واقتصادية استراتيجية، وله علاقات واسعة مع رجال الاعمال والمستثمرين في المغرب وخارجه. وكان تكليفه بوزارة الداخلية في شهر سبتمبر من عام 2001، اشارة ايجابية بالابتعاد عن المقاربة الامنية واعتماد المقاربة الاقتصادية في التعاطي مع القضايا والملفات.

بين "التقنية" و"الديموقراطية"

لكن معالجة المهمات الاقتصادية والاجتماعية ليست مسألة تقنية بحتة، والديمقراطية بترسيخ قيمها واعرافها اثبتت انها الاساس لتسوية اية ازمة اقتصادية او اجتماعية، بل ربطت الاحزاب السياسية والمعنيون بالشأن المغربي خلال السنوات الماضية بين ما تعاني منه البلاد من ازمات واستفحالها وغياب الديمقراطية على مدى العقود التي سبقت دخول المغرب مرحلة الانتقال الديمقراطي، وشددوا على انها السبيل للتخفيف من حدة هذه الازمات وتجاوزها.

الكآبة التي هيمنت على الجو السياسي بإختيار ادريس جطو وزيرا اولا، كونه شخصية تقنية وغير منتمية لحزب سياسي، واعتبرت تراجعا عن مرجعية صندوق الاقتراع كمرجعية في تسيير الشأن العام، وخلخلة تقليد - او ما اعتقد انه بات تقليدا - بإختيار الوزير الاول من الحزب المتصدر لمجلس النواب، لان صناديق الاقتراع اهلته لهذه المهمة، ولان ما تفرزه نتائج التصويت تعني أيضا خضوعه للمحاسبة بعد انتهاء ولايته ومهمته سلبا او ايجابا.

هذا التقليد الذي لم يعد موجودا، سنه الملك الراحل الحسن الثاني منتصف التسعينات، لاعادة الاعتبار للعمل السياسي في المجتمع، ولجسر الهوة بين القصر والاحزاب واشراكها في تسيير شؤون الدولة، بعد ان تراكمت ازماتها واستفحلت، وكادت ان تنهار اقتصاديا واجتماعيا، او "ان تصاب بالسكتة القلبية" كما قال الحسن الثاني.

لا تقييد لحرية الإختيار

من جهة أخرى، بينت الايام التي تلت اعلان نتائج انتخابات السابع والعشرين من سبتمبر وسبقت تعيين ادريس جطو وزيرا اولا، ان المشهد السياسي لم ينضج بعد. كما شهد التسابق بين الاحزاب الرئيسية على تولي مهمة الوزير الاول اللجوء إلى اساليب لا تنتمي للعمل السياسي النبيل الذي دعا له الملك محمد السادس، واستطاع المغرب ان يجعل الانتخابات احدى مظاهر هذا العمل.

فقد أدخل التنافس على مهمة الوزير الاول، التي يعود للملك اختصاص تعيينه، الاحزاب المغربية في المماحكة وحملات اعلامية خدشت جمالية عملية الانتخابات. اذ ذهبت بعض الاحزاب الى الاعلان عن "استيرادها" لنواب من احزاب اخرى لتكون لها المرتبة الاولى في مجلس النواب. وبالتالي، احقيتها في هذه المهمة او خلق تحالفات دون اية اسس او قواسم مشتركة لضمان اغلبية نيابية.

أما اللغة التي طبعت هذا التنافس، فاذا كانت قد اصابت المواطن العادي بالغثيان فإنها شجعت المقربين من العاهل المغربي الى استبعاد شخصية حزبية عن مهمة الوزير الاول والدفع بإختيار وزير اول غير منتم، يحظى بقبول اطراف الفعل السياسي والحزبي واستحسان الفاعلين الاقتصاديين، بإعتبار ان اختيار شخصية حزبية تقليد يجب ان لا يسن وعرف يجب ان لا يرسخ حتى لا يقيد حركة الملك وحريته في الاختيار.

بوادر أزمة؟؟

ادريس جطو، الوزير الاول المعين، بدأ مشاوراته مع قادة الاحزاب المشكلة للبرلمان، واذا كان لديه متسع من الوقت لاستكمال هذه المشاورات قبل تقديم لائحة حكومته للملك الذي يغيب عن المغرب اسبوعا في زيارات رسمية لموسكو والكويت ابتداء من الاثنين، فإن مؤشرات صعوبة مهمته ظهرت في موقف الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي يتصدر مجلس النواب، والذاهب نحو المعارضة.

فإذا كان الوضع الاقليمي والعالمي يستبعد - دون استحالة - وجود حزب العدالة والتنمية الاصولي المعتدل والثالث في الترتيب في صفوف حكومة جطو، ومشاركتها الاتحاد الاشتراكي خصمها اللدود مقاعد المعارضة، فإن المغرب يكون مقبلا على ازمة سياسية خانقة، لان القوى الاكثر فاعلية في المجتمع ستكون في المعارضة، وسيكون صوتها ومواقفها مختلفة كثيرا عن ذاك الذي كان يسمع ويعلن خلال السنوات الخمس الماضية التي ضمنت انتقال البلاد الى بر الامان.

لا احد يعرف بعد انعكاسات تكليف ادريس جطو وزيرا اولا. فالمشهد السياسي تلبد والاحزاب عقدت اجتماعات لهيئاتها القيادية، بعضها اعلن موقفه وبعضها الاخر فضل التأجيل والاكتفاء بإرسال الاشارات، دعما وتأييدا او تمنعا وتحفظا.

محمود معروف – الرباط

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟