Navigation

ماذا بعد "انقلاب" المُسلحين الإسلاميين على الإئتلاف المعارض؟

في هذه الصورة المقتطعة من شريط فيديو حصلت عليه وكالة فرانس برس يوم 25 سبتمبر 2013 من شبكة شام للأخبار، يظهر مقاتلون تابعون للمعارضة السورية وهم بصدد توجيه نيران أسلحتهم ضد قوات حكومية في درعا البلد. Keystone

هل دق نفير بدء العمل لتحويل تقسيم سوريا النظري إلى واقع عملي على الأرض، وربما معها أيضاً العراق وسوريا؟ بيان الـ 14 فصيلاً عسكرياً إسلامياً في سوريا، الذي أعلن يوم الثلاثاء 25 سبتمبر 2013 وتضمن الإنفصال عن هيئة الإئتلاف الوطني السوري، يوحي بذلك. لماذا؟

هذا المحتوى تم نشره يوم 30 سبتمبر 2013 - 23:00 يوليو,
سعد محيو - بيروت, swissinfo.ch

لأن هذه الخطوة ستسدِّد ضربة قوية لكل الجهود التي تُبذل حالياً لجمع النظام والمعارضة السوريين إلى طاولة مفاوضات واحدة في مؤتمر جنيف - 2، خاصة بعد أن أعلن الإئتلاف الوطني موافقته على حضوره، هذا علاوة على أن هذه الخطوة ستُهمِّش إلى حدٍّ بعيد دور القِوى الوطنية والعِلمانية والإسلامية المُعتدلة، التي لا تزال تتمسّك بوِحدة الوطن والهوية الوطنية السورييْن.

المُلفت في بيان الـ 14 كان وجود فصائل قوية تابِعة للائتلاف ولهيئة أركان الجيش الحُر، مثل لواء التوحيد ولواء الإسلام وصقور الشام، وهذا بالطبع سيضعف الإئتلاف وحكومته المؤقّتة، أكثر مما هو ضعيف الآن، سياسياً وميدانياً، لصالح الأطراف المسلّحة السُنيّة المتشددة.

وهذا رأي يؤيِّده نواه بونسي، من مركز مجموعة الأزمات الدولية، الذي يعتقِد هو الآخر أن "صعود قوة المجموعات السلفية السورية المسلحة المتشدّدة، كان توازنه في السابق آمال الثوار الوطنيين السوريين، بالدّعم العسكري الغربي، بما في ذلك احتمال توجيه ضربة عسكرية للنظام السوري. لكن الآن، ومع ابتِعاد فُرص الضربة العسكرية وتراجع وعود تسليح المعارضة المعتدِلة بالعتاد المتطوّر المضاد للطائرات والمدرّعات، لم يعُد ثمّة دافع لباقي الفصائل الإسلامية المسلّحة كي تتّخذ مواقف معتدلة".

"فترة السماح" 

ثمة عوامل أخرى دفعت هذه الفصائل إلى التوجّه نحو المواقف المتشدّدة، منها رفضها لأي تسوية قد تعني بقاء النظام الحالي، الذي تسيْطر على مفاصله الرئيسية نُخب أمنية – عسكرية - علوية، وخشيتها من أن تكون قِوى المعارضة السورية في الخارج مستعدّة لقبول الضغوط الدولية – الإقليمية، الدافعة باتجاه هذا الحلّ. وهذا الإحتمال الأخير بات وارداً بعد الاتفاق الروسي - الأمريكي الأخير على نزْع السلاح الكيمياوي السوري، والذي احتضن في ثناياه فكرة تمديد "فترة السماح" لبقاء الرئيس بشار الأسد في السلطة.

لكن، على رغم اتفاق الـ 14 فصيلاً إسلامياً مسلّحاً على إسقاط الشرعية عن الإئتلاف السوري، إلا أنه يجب عدم القفْز إلى استنتاجات سريعة حول احتمال تحوُّل هذه الفصائل إلى جبهة واحدة ذات برنامج سياسي مشترك، إذ لا يُستبعد أن ينفرط عقد هذا التحالف الجديد في وقت قريب، خاصة إذا ما تعرّض لواء التوحيد وبقية الألوية المُنتمية إلى الإئتلاف، إلى ضغوط من المملكة السعودية ودول خليجية أخرى تمولّها.

ولوحظ في هذا السياق أن بعض المجموعات المسلحة المهمّة في الائتلاف، مثل أحفاد الرسول، لم توقِّـع على البيان، وكذا فعلت المجموعات المسلحة في جنوب سوريا. وثمّة غائب آخر، هو تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، المرتبط بالقاعدة، الأمر الذي كان مؤشّراً على مدى العُزلة التي بات يعيشها هذا التنظيم، حتى بين الفصائل الإسلامية. ومع ذلك، لا يُستبعد أن تواصل هذه الكتائب المسلّحة الإسلامية محاولات التوحّد في صيغة فدرالية ما، بهدف التحوّل في لحظة ما إلى "الممثل الوحيد" للثورة السورية.

مشروع لتوحيد أكبر الفصائل

ويندرج في هذا السياق ما تردد عن أن قادة عدد من الكتائب المسلحة المعارضة ورجال الدّين في شمال سوريا، يتداولون مسودّة مشروع لتوحيد أكبر الفصائل التي تضمّ نحو 50 ألف مقاتل تحت لواء جيش إسلامي جديد بإسم "جيش محمد"، على أن يقتصِر أعضاءه على الطائفة السُنّية وعلى أن يمتلك هو "القرار العسكري والسياسي" لا "الجيش الوطني"، الذي كان الإئتلاف الوطني قد قرّر تكوينه من نواة الـ7 آلاف جندي وضابط مُنشقّ في الأردن وتركيا.

وأفاد موقِع "زمان الوصل"، الناطق باسم المجموعات الإسلامية، أن الدراسة الأولية للمشروع، تنصّ على أن تكون عملية تأسيس "جيش محمد" من سِتّ مراحل، تبدأ في الشهر الحالي وتنتهي في ديسمبر من عام 2014، يتخلّلها تحقيق أهداف مرحلية تتجسّد في توحيد الجيش تحت قيادة موحّدة ويكون قِوامه مائة ألف جندي خلال 18 شهراً، وصولاً إلى 250 ألفاَ خلال 30 شهراً.

لكن دون هذا المشروع الطموح، الكثير من العقبات التي تعترض سبيله، منها التباينات الأيديولوجية بين هذه الفصائل والتنافس على السلطة والموارد (خاصة مع جبهة النّصرة المرتبطة بالقاعدة والتي كانت من ضمن الموقّعين على البيان)، وضغوط القِوى الإقليمية الرئيسية، وفي مقدمتها السعودية وقطر وتركيا والأردن.

نحو تفتيت المُقسّم؟

لكن، كيفما جرت الأمور، شكّل هذا التطوّر بالفعل علامة فارقة جديدة في مسار الأزمة السورية. ففي حال استمر انحِسار دوْر ونفوذ القِوى الوطنية والإسلامية المُعتدلة المعارضة لصالح المنظمات الإسلامية المتشدّدة، كما يحدث الآن، فسيؤدّي ذلك في خاتمة المطاف إلى انهيارٍ نهائي لمفهوم الهوية الوطنية السورية، ومعها بالطبع الهوية القومية العربية، لصالح هويات طائفية ومذهبية وإثنية، ما سيجعل من الصّعب للغاية إعادة بناء الدولة السورية الواحدة.

وهذا سيفتح الباب، ليس فقط أمام استمرار الحرب الأهلية السورية لسنوات عدّة أخرى، بل أيضاً إلى "صَوْملة" البلاد، حيث سيجهد كل فصيل أصولي إسلامي إلى فرض صيغته الأيديولوجية الدّينية على المناطق الجغرافية التي يُسيْطر عليها، هذا في حين تستمِر الحرب المذهبية بين الأصوليين السُنّة و"الأصوليين" الأمنيين العلويين.

ويلفت هنا، إلى ما جاء في خطاب الرئيس الأمريكي أوباما الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي تحدّث فيه للمرة الأولى عن "ضرورة توفير الضمانات للأقلية العلوية والأقليات الأخرى" في أي تسوية مقبلة. فهل ستدقّ هذه الإشارة جرس بدء العمل لتقسيم سوريا عملياً إلى دُوَيلات، حتى لو اتّخذ هذا التقسيم لبوس الفدرالية أو ضمان حقوق الأقليات؟

كما ثمة سؤال آخر: في حال استقر الاستقطاب الرّاهن في سوريا على هذين المعسكريْن: الأصولية السُنّية المتشددة والأصولية الأمنية العلوية المتصلِّبة، من دون وجود قِوى وطنية وسيطة أو مُعتدلة قابِلة للحوار والتسويات، فهل سيكون العراق ولبنان بمنأىً عن احتمال انتقال هذا الإستقطاب الطائفي إليهما؟

الإنتقال سيكون حتمياً في الواقع، ما لم تنجح النُّخب السياسية في كِلا البلدين في بلْورة مشاريع الوفاق الوطني الرّاهنة، إلى برامج سياسية قابلة للتطبيق على الأرض بالسّرعة اللازمة، لأن نزعات الإستقطاب والتقسيم في سوريا، تتغذى كما هو معروف، من توجّهات إقليمية ودولية حادّة، تنشط لـ "تناتش" منطقة الشرق الأوسط ولإعادة بناء النظام الأمني الإقليمي فيها، على أسُس دُويلات طائفية تابعة لها.

من المفترض أن يدق صعود التيارات الإسلامية المتشدّدة وتراجع التيارات الوطنية والإسلامية المُعتدلة في دمشق نواقيس الخطر بقوّة في كل من بغداد وبيروت. فحين تبدأ سوريا في الضرب على دفّ التقسيم، لن يستطيع العراق ولا لبنان تجنّب الرقص على أنغام هذا الخيار الدّموي.

كيف تتوزع الفصائل الإسلامية المسلحة؟

تنتمي المجموعات الإسلامية الأساسية التي تقاتل ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد، والتي أعلنت انشقاقها أمس الأول عن الائتلاف الوطني السوري، إلى تيارات مختلفة، منها المستقل والقريب من الإخوان المسلمين، وصولا إلى السلفيين والمقاتلين «الجهاديين» المُنتمين إلى جبهة النّصرة، التي بايعت زعيم تنظيم القاعدة أنور الظواهري. ويبلغ عدد هذه الجبهات 3 هي:

-  جبهة تحرير سوريا الإسلامية: تشكّلت هذه الجبهة المؤلفة من 20 لواءً وكتيبة، في سبتمبر 2012. وتضم مجموعات قريبة من جماعة الإخوان المسلمين المعارضة، كلواء التوحيد الذي يُعد أبرز المجموعات المعارضة المقاتلة وأكثرها تشدّدا في محافظة حلب، شمال سوريا. كما تنتسب إليها مجموعات إسلامية مستقلة، مثل كتائب الفاروق الناشطة في حمص (وسط) والمناطق القريبة من الحدود التركية. وكان عدد كبير من هذه المجموعات ينتمي إلى الجيش السوري الحر، الذي يشكل مظلة لغالبية المقاتلين المعارضين للنظام السوري.

- الجبهة السورية الإسلامية: تُعد هذه الجبهة التي تشكّلت في ديسمبر 2012، الأصغر في المجموعات الإسلامية، لكنها أكثر تنظيما وهيكلة من «جبهة تحرير سوريا الإسلامية». وتتوزع هذه الجبهة، ذات التوجّه السلفي، في مختلف الأراضي السورية، وتقودها كتائب أحرار الشام، وهي حركة سلفية مقاتِلة تُركّز وجودها في حلب وإدلب وحماه، وتشارك "جبهة النصرة" معظم أهدافها الإسلامية، لكنها تنتقد ولاءها للقاعدة، فيما يتركّز وجود جماعة "صُقور الشام" في محافظة إدلب وأجزاء من محافظة حماه، وتؤكّد أن مقاتليها لا يتلقّون تعليمات من قيادة خارجية..

وأدت هذه الجبهة دورا مهمّا في السيطرة على مطار تفتناز العسكري في محافظة إدلب، شمال غرب سوريا في يناير الماضي، إضافة إلى دور مِحوَري في السيطرة على مدينة الرقّة (شمال) في مارس الماضي.

وتؤكّد الجبهة سعيها للوصول إلى دولة مرتكِزة على الشريعة الإسلامية. وفي حين تضمّ الجبهة عددا من المقاتلين الأجانب، إلا أن قادتها هم سوريون ويشدّدون على أنهم مُرتبطون حصْرا بالنزاع في سوريا.

-  جبهة النصرة، هي المجموعة الإسلامية الأكثر شُهرة في سوريا، لكنها ليست الأكبر حجْما. تنتمي الجبهة إلى تيار «الجِهاد العالمي». وفي حين تشدّد المجموعات الإسلامية الأخرى على أن اهتمامها محصور بالقتال في سوريا، إلا أن النّصرة أعلنت مُبايعتها زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري.

العدد الإجمالي للفصائل الإسلامية قد يكون في المئات، لكن معظمها صغير الحجْم. ويقال أن تِعدادها الإجمالي يفوق المائة ألف مقاتل.

End of insertion
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟