Navigation

السّفراء الأوروبيون يرفعون البطاقة الحمراء أمام الجميع في تونس

بعذ مرور ثمانية أسابيع على انطلاق الحوار الوطني في تونس يوم 5 أكتوبر 2013، برعاية أربع منظمات وطنية وبحضور الرؤساء الثلاثة (من اليمين إلى اليسار: علي العريض، رئيس الحكومة ومنصف المرزوقي رئيس الجمهورية، ومصطفى بن جعفر، رئيس المجلس الوطني التأسيسي)، لم تتوصل الأطراف السياسية المشاركة فيه إلى حلحلة الوضع السياسي والتوافق على رئيس جديد للحكومة في تونس. Keystone

في مبادرة غير مسبوقة، التقى حسين العباسي، الأمين العام للإتحاد العام التونسي للشغل بمعية رؤساء بقية المنظمات الراعية للحوار الوطني بسبعة عشر سفيرا يمثلون دول الإتحاد الأوروبي في تونس. أما الهدف من هذا الإجتماع الذي انتظم يوم 28 نوفمبر 2013 فتلخص في "إطلاعهم على الوضع العام في البلاد، ومطالبتهم بتقديم مساعدات اقتصادية"، حسبما ورد على لسان السيد العباسي. فما الذي يعنيه هذا؟ وما هي تداعياته المحتملة؟

هذا المحتوى تم نشره يوم 02 ديسمبر 2013 - 16:45 يوليو,
صلاح الدين الجورشي - تونس, swissinfo.ch

كانت أغلب دول الاتحاد الأوروبي تقف إلى جانب حكم الرئيس بن علي، وترى فيه حليفا جديا قادرا على ضمان مصالحها. وكانت فرنسا، المستعمر السابق، الأشد دفاعا عن هذا النظام حتى أنها ساندته إلى آخر لحظة من عمره، واستعدت لتقديم الدعم المادي لتمكينه آنذاك من أدوات قمع الإحتجاجات في شتى أنحاء البلاد. 

بعدما نجح التونسيون في دفع الدكتاتور إلى مغادرة البلاد، أعادت هذه الدول حساباتها، وأقرت بأنها ذهبت بعيدا في تقديم مصالحها على حساب الحريات وحقوق الإنسان، وكشفت في تصريحات رسمية عن نوع من النقد الذاتي، ترتبت عنه مراجعة سياساتها الخارجية، بلغت درجة الإستعداد لمواصلة الدعم والتعاون مع تونس بقيادة حركة النهضة، الإسلامية التوجه التي كان إقصاؤها جزء أساسيا من صفقات المرحلة السابقة.

حصل هذا التقارب بعد أن أبدت الحركة انفتاحا واسعا على الأوروبيين مثلما فعلت مع الإدارة الأمريكية، سواء قبل إجراء الإنتخابات التأسيسية (23 أكتوبر 2011) أو خاصة بعدها، رغم مواقف وزير الداخلية الفرنسي التي ظلت تستبطن شكوكا في مصداقية النهضة.

اهتمام أوروبي.. وشكوك

في هذا السياق، يُمكن القول أن حكومتي الجبالي والعريض أدركتا أن تونس لا تستطيع أن تستغني عن شريكها الرئيسي ممثلا في الإتحاد الأوروبي، وأن تطوير العلاقات معه يشكل أحد ضمانات خروج تونس من الأزمة التي تتخبط فيها منذ أن دخلت مرحلة الإنتقال نحو الديمقراطية.

ولعل أهم دليل على ذلك هو إسراع الطرفين بالتوقيع على الإتفاقية التي منحت تونس مرتبة "الشريك المتميز" رغم تحفظات بعض أطراف المعارضة والمجتمع المدني، بل كانت النية تتجه نحو إطلاق مفاوضات بين الطرفين حول عقد اتفاقية خاصة بحرية التجارة مثلما هو حاصل مع المغرب، لكن الخوف من تداعيات سلبية محتملة، إلى جانب تفاقم الأزمة السياسية الداخلية، جعل الحكومة التونسية تطلب تأجيل ذلك إلى حين توفر الظروف المناسبة لتعميق النقاش.

هذا التفاعل الإيجابي لا يعني أن الثقة قد ترسخت تماما بين الطرفين، فقد كنتُ ضمن وفد عربي زار مؤخرا كواليس الإتحاد الأوروبي والبرلمان والمفوضية، ولاحظت أن المخاوف والشكوك لا تزال قائمة لدى الأطراف الأوروبية.

وبالرغم من أن الإتحاد ليست له سياسة خارجية مُوحّدة بين جميع أعضائه، حيث يحلو للبعض أن يتحدث عن وجود 28 سياسة خارجية له، كما أنه لا يصرح رسميا بمخاوفه، إلا أنه يُتابع بكثير من الإهتمام ما يجري على الساحة التونسية. فهو يعتبر الملف السلفي من بين أبرز مشاغله في هذه المرحلة، ودائما ما يطرح ممثلوه سؤالا يتكرر باستمرار عن علاقة حركة النهضة بهذه الظاهرة، وذلك لمعرفة ما إذا كانت هي التي تُدير خيوط الجماعات السلفية أم لا؟

في هذا الصدد، يمكن القول أن قلق الأوروبيين تفاقم إثر حادثة الهجوم الذي تعرضت له السفارة الأمريكية (14 سبتمبر 2012)، وفي أعقاب عمليتي الإغتيال التي طالت كلا من شكري بلعيد (6 فبراير 2013) ومحمد البراهمي، عضو المجلس التأسيسي (25 يوليو 2013).

بالرغم من أن الحكومات الأوروبية لا تثق كثيرا في قدرة حركة النهضة على إدارة شؤون الحكم في هذه المرحلة الصعبة والمعقدة، إلا أن تقديراتها السياسية تجعلها تعتقد بأن تونس تبقى البلد الوحيد "الأقدر على تحقيق انتقالها السياسي بأقل كلفة" ضمن دول ما يسمى بالربيع العربي.

في هذا السياق، أعرب السيد هيرمان فان رومبي، رئيس المجلس الأوروبي في أعقاب زيارته الأخيرة عن قناعته بأن تونس "ستجتاز هذه المرحلة بنجاح وستتمكن من صياغة دستور توافقي، وتنظيم انتخابات ديمقراطية وشفافة بما يجعلها أنموذجا للتحول الديمقراطي في العالم". في الوقت نفسه، لا يفهم الأوروبيون سرّ هذا التدهور في علاقات الفاعلين السياسيين في البلاد، ويُريدون معرفة يقينية بأسباب الإختلاف المتواصل بين حركة النهضة وبقية مُكونات المعارضة، لذلك رحّبوا كثيرا بدعوتهم من قبل السيد حسين العباسي لحضور لقاء 28 نوفمبر الماضي.

هذا لا يعني أن الأوروبيين يفتقرون إلى موقف واضح مما يجري في البلد، ويمكن تلمّس ذلك من خلال تصريحات السفراء العلنية وتسريباتهم والأفكار التي عبّروا عنها داخل هذا اللقاء حيث اتضح أنهم متفقون على النقاط التالية:

أولا: يعتبرون بأن تونس تمر بأزمة سياسية حادة، زادتها الأوضاع الأمنية والإقتصادية صعوبة، لكنها أزمة قابلة للمعالجة والتحكم.

ثانيا : يُرحّبون بإعلان حركة النهضة الخاص باستعدادها للخروج من الحكومة، لأنهم يعتقدون (في الكواليس)بأن ذلك قد يُساعد على توضيح الرؤية، كما أنه من شأنه أن يُقنعهم بأن هذه الحركة ليس في نيتها التمسك بالبقاء في السلطة مهما كان الثمن.

ثالثا: يعتبرون أن الحوار السياسي هو الوسيلة الوحيدة لحل الأزمة، ولهذا هم يشجّعون جميع الأطراف على الإنخراط الفعلي في هذا المسار.

رابعا: يُؤيّدون بقوة مبادرة الرباعي الراعي للحوار، ويعتقدون بأن خارطة الطريق جدية وقادرة على أن تشكل الأرضية الراهنة للحل. ويمكن اعتبار هذا الموقف تجاوزا لمبدأ التحفظ الدبلوماسي نظرا لما فيه من تأييد قوي لمبادرة لا يزال حولها خلاف داخل الساحة السياسية التونسية.

خامسا: يخشى الأوروبيون من أن استمرار الأزمة السياسية ستكون له انعكاسات خطيرة على الأوضاع الأمنية في البلاد، وهو ما من شأنه أن يزيد من استفحال ظاهرة الإرهاب التي يخشون منها كثيرا لارتباطها المباشر بأمنهم القومي. فالأوروبيون غير مستعدين لترك تونس تتحول تدريجيا إلى دولة فاشلة، وذلك في ظروف إقليمية غير مُطمئنة.

سادسا: رغم الأزمة الإقتصادية الهيكيلة التي تمر بها أوروبا، إلا أنهم يعلنون عن استعدادهم لتقديم شيء من الدعم المالي لتونس لكن شريطة معالجة الوضع السياسي. وقد أكدوا بوضوح أنهم لا يستطيعون إقناع المؤسسات المالية مثل صندوق النقد الدولي وغيره على رفع التحفظ عن تونس ما لم يتوصل الفرقاء السياسيون إلى حل الأزمة الراهنة، أي أن الدعم الاقتصادي مرهون لدى الأوروبيين بالتوصل إلى اختيار رئيس حكومة جديد وتشكيل فريق بديل يتمتع بالدعم السياسي من طرف الجميع.

نخبة سياسية غير ناضجة

قد لا يتدخل الأوروبيون في جزئيات الوضع الداخلي لتونس، لكنهم بالتأكيد طرف لا يمكن إسقاطه من المعادلة، ولهذا أصبحت من تقاليد السياسيين التونسيين، خاصة في صفوف المعارضة، اللجوء في الأزمات إلى مؤسسات الإتحاد الأوروبي لممارسة الضغط على الحكومات التي يختلفون معها، وتكفي الإشارة في هذا السياق إلى الوفد الذي زار مؤخرا بروكسل وضم عددا من نواب المعارضة في المجلس التأسيسي.

مع ذلك، فإن الحكومات الأوروبية، ورغم عدم اطمئنانها الكامل لحركة النهضة، إلا أن الكثير من مسؤوليها يشعرون بأن النخبة السياسية في تونس لم تنضُج بعد للإرتقاء إلى مستوى ثقافة الدولة. لهذا عندما كان وزير الخارجية الألماني يستمع إلى أحد السياسيين وهو يؤكد تحمّل حركة النهضة مسؤولية الفشل، لم يعترض على الفكرة في حد ذاتها، ولكن ذكّره بأنه "إذا ما حصل ذلك فإن تداعياته الخطيرة ستصيب الجميع"، أي أن الصراع السياسي "يجب أن تحكمه المصالح الوطنية العليا".

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟