Navigation

اليمن: اضطرابات قبل الانتخابات

تميزت الاحداث الاخيرة في اليمن باستخدام العنف من المتظاهرين ومن قبل الشرطة Keystone

لفتت اضطرابات اليمن الأخيرة الانتباه لها بقوة، رغم أن عنوانها العريض كان "الاعتراض" على رفع الدعم عن أسعار المشتقات النفطية.

هذا المحتوى تم نشره يوم 26 يوليو 2005 - 11:06 يوليو,

ورغم عودة الهدوء إلى العاصمة اليمنية صنعاء، إلا أن جذور هذه الأزمة لم تجتث بل تهدد بتصعيد جديد قد يكون أكثر إيلاما.

اضطرابات اليمن الأخيرة لفتت الأنظار بقوة لسببين: أولا، نظرا للمدى الواسع الذي وصلته لتتجاوز بذلك أهدافها الاقتصادية وتطالب بإصلاحات شاملة. وثانيا، لأنها جاءت بالتوازي مع السجّـال الذي يدور في البلاد منذ إعلان الرئيس علي عبد الله صالح الامتناع عن الترشح للانتخابات الرئاسية، وما إذا كانت ستدفع صالح إلى التخلي عن قراره من واقع أن الشعب ما يزال قاصرا، وهو بحاجة إلى راع وولي.

عودة الهدوء إلى العاصمة اليمنية صنعاء لا يعني أن جذور هذه الأزمة اجتثت، فهي تهدد بتصعيد جديد قد يكون أكثر إيلاما، خصوصا بعد تحذيرات بدت جدّية من الرئيس اليمني الذي توعّـد بمحاسبة المتظاهرين وملاحقتهم عبر ما نشر من صور عبر وسائل الإعلام، الأمر الذي يعني أن الأزمة لن تخفت في ظل سيطرة النظام القبلي...

الفساد هو أساس البلاء

وتبرر الحكومة إعلانها رفع الدعم عن المشتقات النفطية، وتنفيذ الحزمة الأخيرة من الإصلاحات، ورفع أسعار الطاقة كجزء من إصلاحات بدأت عام 1995 وأرادها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لمنع الانهيار الاقتصادي، بأنها ضرورة لإيقاف التدهور الاقتصادي. وتعد في الوقت نفسه بإقرار استراتيجية الأجور وتخفيض معدلات الضرائب والجمارك، وإعفاء بعض السلع الأساسية منها، إلى جانب تمويل 50% من تكلفة أدوات الري للمزارعين، وإعفاء صغار المزارعين من القروض، وتمويل 50% من تكلفة قوارب الصيد للصيادين، وذلك لتخفيف الأعباء عن المواطنينٍ.

وتتجاهل الحكومة أن الفساد هو أساس البلاء في اليمن، وأنها عاجزة عن القضاء عليه على ضوء سيطرة المافيات القبلية على الاقتصاد. وترى أن تقليص الدّعم سيُـساهم في مكافحة الفساد وإيقاف تهريب المشتقات النفطية، وتوجيه الموارد لخدمة التنمية وتنفيذ مشروعات جديدة، متجاهلة الفساد المستشري والأوضاع الاقتصادية المتدهورة، وتصاعد موجات العنف الاجتماعي، والصراعات المناطقية والطائفية، وكلها من الأسباب الرئيسة التي تقف خلف إندلاع مثل هذه الاضطرابات.

لقد ارتكبت الحكومة اليمنية خطأ فادحا عندما زادت الأسعار دفعة واحدة، ودون أن توازي ذلك برفع معدلات الرواتب بطريقة موازية، وتوفير المزيد من فرص العمل لطابور العاملين العاطلين، فإن الواضح في كل هذه الأزمة هو أنها أعادت إلى الواجهة من جديد تلك العلاقة غير المتوازنة في علاقة الحاكم بالمحكوم، وكيف إذا منح المحكوم في عالمنا العربي فرصة لممارسة السياسة في الهواء الطلق، فإنه سيثبت، عبر ممارسات فوضوية، أنه يبقى بحاجة دائمة إلى وصي وإلى ديكتاتور عادل!

الرئيس صالح أعلن سيبقى راعيا للمسيرة القادمة، ما يعني أن دوره لن ينحسر، وأنه يخطط (ربما) لكي يبقى حزب المؤتمر في الحكم، سواء أكان هو في الرئاسة، أم نجله، أم أي بديل من حزبه.

اليمن في عين العاصفة

وكشفت هذه الحركة الاعتراضية أن نجاح الإصلاح الاقتصادي الذي يجري وفق مواصفات البنك الدولي وخصائص العولمة، يجب أن يقترن بإصلاح سياسي وقضائي شامل، وباجتثاث الفساد قبل الانتخابات القادمة.

وإذا كانت الاضطرابات الأخيرة تميّـزت باستخدام العنف من المتظاهرين ومن قبل الشرطة على حد سواء، فإن تزايد أعداد القتلى بشكل لم يسبق له مثيل منذ عام 1998 حين لقي 34 حتفهم في أسبوعين من المظاهرات ضد زيادات في أسعار الوقود والغذاء، يدفع بعض إلى التشكيك في رغبة الرئيس في الانسحاب من الانتخابات المقبلة بعد ضغوط من أنصاره، فيما يسيء العدد الكبير من القتلى والجرحى إلى صورة الرئيس اليمني.

اندلاع هذه الاضطرابات مرة أخرى، من شأنه أن يُبقي اليمن في عين العاصفة حتى موعد الانتخابات المحددة دستوريا في سبتمبر من العام المقبل، وبالتالي، ستكون هذه الفترة الأصعب بالنسبة للرئيس اليمني الذي تنتظره تعديلات دستورية وقانونية مهمة، لتهيئة بلاده لنقلة تاريخية.

تعديلات لابد من إنجازها

هذه التعديلات تنتظر الأحزاب الإسراع في انجازها لكي تتمكن من اختيار مرشحيها دون تدخل أو وصاية أو تزكية من مجلس النواب أو على مستوى تصحيح القوائم الانتخابية، وضمان استقلالية الخدمة المدنية والإعلام الذي حجبت عنه الكثير من المعلومات في الأحداث الأخيرة، وحيادية القوات المسلحة وأجهزة الأمن، وتمكين المغتربين من حقهم الدستوري في المشاركة في الانتخابات، والإدارة النزيهة والمشتركة لكافة مراحل العملية الانتخابية وإجراءاتها. وغير ذلك مما تستلزمه العملية الانتخابية النزيهة، وتتطلبه أهمية سلاسة وسلامة هذا العمل التاريخي الكبير، دون تكرار أعمال عنف تشهدها اليمن وصارت عنوانا لكل احتجاج.

ويجب أن لا ننسى أن الرئيس صالح بذل جهدا استثنائيا لكي يلحق اليمن بمنظومة مجلس التعاون الخليجي لإصلاح سياساته الإقليمية الخاطئة أثناء احتلال الكويت عام 1990. كما سعى إلى حل الخلافات الحدودية مع السعودية، سواء حول نجران وجيزان، وإلغاء معاهدة جدة، أو بترسيم الحدود الجنوبية في مسعى لفتح الأسواق السعودية(الخليجية) أمام العمالة اليمنية مرة أخرى، وتقديم مساعدة مالية للخزينة اليمنية، مثلما كان عليه الوضع في السابق.

جاءت تلك المحاولات بعد أن أغلقت الأسواق الخليجية، والسعودية بشكل خاص، أمام العمالة اليمنية التي توفر مصدراً مهما للدخل يحسن من أداء الاقتصاد اليمني.

وكانت مداخيل اليمن من عوائد أبنائها العاملين في الخليج والمملكة العربية السعودية بلغت ما يقارب المليارين ونصف المليار دولار، ما أوجد انتعاشا اقتصاديا وجد طريقه إلى مشاريع إنمائية واستثمارية أوجدت عشرات الآلاف من فُـرص العمل للعاطلين.

الأسواق السعودية أغلقت ابوابها في وجه العمالة اليمنية منذ حرب تحرير الكويت عام 1991، حيث جرى إبعاد حوالي مليون عامل يمني بسبب موقف اليمن المنحاز لنظام صدام حسين.

وفشلت الاتفاقات الحدودية التي وقعتها الحكومة اليمنية مع نظيرتها السعودية قبل أربع سنوات من إعادة فتح هذه الاسواق مجددا وإعادة الامتيازات التي كان يتمتع بها العامل اليمني في السعودية، ومن ضمنها إلغاء شروط الكفيل.

تحديات جديدة..

الرئيس اليمني علي عبد الله صالح أراد دمج اليمن في الحاضنة الخليجية، ولكنه فشل. وقد يفشل أيضا في تسجيل سابقة تاريخية بإعلانه عدم رغبته في خوض انتخابات الرئاسة المقبلة، لأنه لم يقرر نهائيا اعتزال العمل السياسي. وقد تضعه الاضطرابات الأخيرة، ومعها ضغوط أنصاره أمام تحدّيات جديدة صعبة، لتثير تكهنات عدة عن مستقبله السياسي.

الاضطرابات الأخيرة سمحت لعدد غير قليل من المواطنين بالمطالبة بمكافحة الفساد المالي والإداري في الدولة، وإلى إصلاحات سياسية شاملة تمهّـد لإصلاح اقتصادي بعد القضاء على الفساد. إلا أن نظرية المؤامرة لم تغب عن ذهن البعض ممن رآها وراء الصِّـدامات بين المحتجين والشرطة اليمنية.

والمهم في كل ما جرى أيضا هو اعتقاد البعض وتصريحه للتلفزة أن "الفاسدين" في الحكومة هم الذين دفعوا المخرِّبين للقيام بأعمالهم من أجل أن يستفيدوا من المناقصات التي ستَـبرمها الحكومة لإصلاح ما خرّبه مثيرو الشغب.

رأي يبدو ساذجا، لكنه يعبّـر عن شعور مُـتنام بعدم الثقة إزاء الحكومة التي تنتظر تغييرات جدية، إذا نفّـذ الرئيس علي عبد صالح ما وعد به بعدم الترشح للانتخابات الرئاسية العام القادم.

نجاح محمد علي - دبي

مقالات مُدرجة في هذا المحتوى

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟