Navigation

النظام الذي فقد شرعيته، سيفقد سلطته .. حتما!!!

مواطن عراقي يتابع بانتباه خطاب الرئيس الأمريكي جورج بوش في إحدى المحلات العامة في بغداد Keystone

تعددت القراءات لخطاب الرئيس الأمريكي أمام الجمعية العام للأمم المتحدة يوم الخميس الماضي لكن إلحاحه المتكرر على مسألة الديموقراطية جاء ملفتا.

هذا المحتوى تم نشره يوم 14 سبتمبر 2002 - 14:06 يوليو,

ولا يبدو أن تشديد جورج بوش على هذه النقطة أمام ممثلي دول العالم جاء مصادفة أو لمجرد التسويق الإيديولوجي للحرب المقبلة ضد العراق.

لا شك أنه من حق رئيس القوة الأعظم في عالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر أن يشرح باستفاضة أمام قادة وممثلي الدول المائة والتسعين بنود "قرار الإدانة الشامل" الذي أعدته الولايات المتحدة ضد النظام الحاكم في بغداد.

ولا ريب في أن جزءا كبيرا من الرأي العام الدولي قد تنفس الصعداء – ولو مؤقتا – عندما استمع إلى الرئيس بوش وهو يؤكد مرارا وتكرارا على دور الأمم المتحدة ومرجعية مجلس الأمن الدولي، وعلى ضرورة تطبيق العراق لكل القرارات الصادرة عنه منذ غزو الكويت تطبيقا كاملا شاملا بدون التفاف أو تأجيل.

وبالطبع يمكن تفهّم مخاوف وهواجس دولة ضُـربت قبل عام في صميم أمنها وهيبتها من أية احتمالات انفلات أمني من هنا أو تهديد عسكري نووي أو جرثومي من هناك قد يعرّض حياة مواطنيها ومصالحها المتعددة واستقرارها للخطر أو التهديد في مستقبل الأيام.

لكن الذي قد يستعصي على الفهم في اللحظة الراهنة، الإصرار غير العادي الذي أبداه السيد بوش في التمسك برفع لواء الديموقراطية وحقوق الإنسان والحرية السياسية والاقتصادية في تبرير ما يُـعـدّ لعراق المرحلة المقبلة.

تدبيج وتفاصيل

إذ لم يكتف الرئيس الأمريكي بتعداد انتهاكات السلطات العراقية للقرارات الأممية الصادرة طيلة الإثني عشر عاما المنقضية، بل تعـمّـد تدبيج خطابه بمقتطفات من تقرير صدر العام الماضي عن لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة والتي يوجد مقرها في جنيف حول تدهور أوضاع حقوق الإنسان في العراق.

كما توسّـع في الحديث عن "عشرات الآلاف من المعارضين والمواطنين العاديين الذين تعرضوا للإعتقال الإعتباطي والسجن والإعدامات بالجملة والتعذيب بالضرب والحرق والصدمات الكهربائية والتجويع والتشويه والإغتصاب".

ولم ينس السيد بوش في سياق تعداد الإنتهاكات "المروّعة" ما تضمنه تقرير اللجنة من حديث عن استمرار "تعذيب زوجات أمام أزواجهن وأطفال بحضور آباءهم" من طرف أجهزة دولة "توتاليتارية" حسب تعبيره الحرفي.

ومن هنا، كان منطقيا أن تأتي الفقرات الحاسمة في خاتمة الخطاب مذكّرة بالمعاناة الطويلة الصامتة للشعب العراقي ومؤكدة أن "الحرية للشعب قضية أخلاقية كبرى وهدف استراتيجي كبير" ومتوّجة بإعلان الرئيس الأمريكي - الرسمي والقوي - عن أن "الولايات المتحدة تدعم الحرية السياسية والإقتصادية لعراق موحد."

نوايا وأقوال..

لكن هذه الإعلانات الخطابية الرنانة تثير مشكلة قيم حقيقية وأسئلة محيرة في أذهان أي مثقف أو ناشط سياسي أو حقوقي أو حتى مواطن عادي في بلدان المنطقة العربية، وحتى في العديد من البلدان الأوروبية.

والسؤال الذي يتبادر إلى أذهان الجميع، هل الرجل جادّ فيما يقول؟ هل صحيح أن الحرية السياسية والإقتصادية والديموقراطية وفرض احترام حقوق الإنسان واستنكار معاناة الشعوب الصامتة أصبحت الآن ديدن قادة "الإمبراطورية" الجديدة في واشنطن؟

ومع الشك الكبير الذي يحيط في العالم العربي بالنوايا الأمريكية الحقيقية من التلويح بهذه المسائل في هذا الوقت بالتحديد، يحاول عدد من المفكرين والمثقفين (وخاصة في صفوف المعارضين العراقيين المقيمين في الخارج) الترويج لمقولة تزعم أن الولايات المتحدة الأمريكية قد حسمت أمرها هذه المرة وقررت الوقوف بكل ثقلها إلى جانب القوى التحديثية ذات التوجهات العلمانية في العالم العربي.

بل يذهب البعض منهم في مقالات وتصريحات نُشرت في الأشهر والأسابيع الأخيرة إلى التأكيد بأن الأمور تجاوزت مرحلة التفكير والتداول وانتقلت بعدُ إلى التنفيذ العملي. ويمضي عدد منهم إلى القول بأن الشعب العراقي، (بل وشعوبا عربية أخرى)، ينتظر بفارغ الصبر دخول القوات الأمريكية إلى بغداد لإنقاذه من "الجحيم" الذي يعيش فيه منذ عشرات السنين!!

ويستدلون في هذا السياق بالموقف الأمريكي الساخط على الحكم القضائي الذي صدر الصيف الماضي في القاهرة على الناشط الحقوقي الدكتور سعد الدين إبراهيم والذي تُـرجم في رفض الرئيس بوش الموافقة على طلب تقدمت به مصر للحصول على مساعدات مالية إضافية استنكارا لما وصف بـ"قساوة الحكم".

مزجة .. سمجة

ولعل أغرب ما استمع إليه العرب يوم الخميس الماضي هو ما عبّر عنه الرئيس الأمريكي في نهاية خطابه من أمل في التحاق العراقيين بعد "تحريرهم من الأسر" بما أطلق عليه منذ الآن بـ" أفغانستان ديموقراطي وفلسطين ديموقراطية"، وهو ما سيساهم في انسياب عدوى "الإصلاحات عبر أرجاء العالم الإسلامي" حسب قوله، وليس في العالم العربي فحسب!

فالرئيس بوش الذي استشهد ببعض ما ورد في تقرير لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة عن أوضاع حقوق الإنسان في العراق لا يمكن أن يتجاهل (هو وأركان إدارته ومستشاروه المقربون) آلاف التقارير الحديثة والقديمة المتعلقة ببقية الدول العربية الصادرة دوريا عن نفس اللجنة الأممية وعن كل المنظمات الدولية والإقليمية المهتمة بالدفاع عن حقوق الإنسان والحريات في العالم. وهي تقارير تتضمن معلومات وتفاصيل موثقة لا تقل مأساوية وبشاعة عما انتقاه في خطابه من معلومات عما يحدث في العراق من انتهاكات وتجاوزات خطيرة لحقوق البشر.

كما لا يمكن للرئيس الأمريكي ومن يحيطون به أن لا يكونوا على علم بأن "ديموقراطية" السيد قرضاي في كابول ليست – لحد الساعة- سوى مزحة سمجة لا يمكن أن تُـقنع أحدا في العالم.. وأن "فلسطين الديموقراطية" لا زالت سرابا بعيد المنال في ظل احتلال شرس ينتهك كل القرارات الصادرة منذ عام 1948 عن نفس مجلس الأمن الدولي الذي يحتكم إليه اليوم السيد بوش بشأن العراق.

بل إن "الإصلاحات" المطلوب إجراؤها في العالمين العربي والإسلامي، وعلى الرغم من وجود شبه إجماع لدى قطاعات واسعة من النخب وقادة الرأي والفكر في المنطقة على ضرورتها وحتميتها، لا يمكن – في نظر أغلبية العارفين ببواطن الأمور في المنطقة - أن تـُتّـخذ بقرار فوقي في واشنطن أو أن تُـفرض بشكل آحادي الجانب مهما كانت المسمّيات أو الإعتبارات المعلنة من جانب الإدارة الأمريكية.

شرعية ألأنظمة في الميزان

إن إقدام الرئيس جورج بوش الإبن على الربط بين قضايا الديموقراطية والحرية بشقيها السياسي والاقتصادي بالتحذير والتهديد بضرب دولة عربية بحجم العراق لن يؤدي عمليا إلا إلى مزيد من التوجّـس لدى الحكام والمحكومين في العالم العربي من حقيقة ما تستعد له واشنطن في المنطقة.

فالمعارضون العرب على اختلاف انتماءاتهم الفكرية، والأجيال الجديدة من نشطاء حقوق الإنسان في بلدان المنطقة، لن يصدّقوا بسهولة فورة الحماس الأمريكية الطارئة لفائدة الحرية والإنعتاق والديموقراطية وحقوق الأقليات في العراق (وبقية بلدان العالم العربي)، لأنهم يعرفون جيدا كيفية تعامل واشنطن مع هذه الملفات في بلدانهم ويتذكرون بالتفصيل ازدواجية الخطاب والمقاييس لدى كل الإدارات التي تعاقبت على البيت الأبيض طيلة نصف القرن المنقضي.

أما الحكام في العواصم العربية والإسلامية، فلعل الجملة الوحيدة التي ستظل تدندن في آذانهم بشدة هو ما قاله جورج بوش بكل حسم وحزم في ختام خطابه من أن "النظام الذي فقد شرعيته سيفقد سلطته أيضا"، وهي رسالة واضحة لا لُـبس فيها من أن واشنطن قررت فعلا أن تحدد بنفسها مقاييس الشرعية في المنطقة أي مقاييس وأسس الإستمرار في السلطة أو .. الخروج منها.

كمال الضيف – سويس إنفو

معطيات أساسية

تطرق الرئيس بوش أكثر من مرة لمسألة الديموقراطية والحريات
"الولايات المتحدة تدعم الحرية السياسية والإقتصادية لعراق موحد"
أغلبية العرب لا يثقون في جدية التوجهات الأمريكية المعلنة

End of insertion
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟