Navigation

القائمون على إدارة شبكة الكهرباء السويسرية يُواجهون تحديات غير مسبوقة

عمال يقومون ببناء خط جديد لنقل الطاقة الكهربائية في سيون (كانتون فاليه)، جنوب غرب سويسرا. (تاريخ الصورة: 8 يونيو 2017) Keystone/ Valentin Flauraud

تلعب سويسرا دورًا مركزيًا في نقل الكهرباء في أوروبا. لكن الحرب في أوكرانيا وتحول الطاقة والافتقار المستمر إلى اتفاق مع الاتحاد الأوروبي يمثل تحديات كبيرة لأولئك الذين يُديرون الشبكة السويسرية. فكيف يُمكن تجنب انقطاع التيار الكهربائي؟

هذا المحتوى تم نشره يوم 05 أغسطس 2022 يوليو, دقائق

في 8 يناير 2021، حدث خطأ ما. فقد أدى فقدان التردد غير المتوقع على الشبكة الأوروبية إلى تقسيم القارة إلى قسمين: جنوب شرق أوروبا من جانب وأوروبا الوسطى والغربية من ناحية أخرى. كانت المشكلة، التي استمرت حوالي ساعة، ناجمة عن انهيار في محطة فرعية في كرواتيا. لم يلاحظ معظم الناس أي شيء - كان على بعض البلدان في وسط أوروبا أن تقلل من استهلاك الكهرباء - لكن كان من الممكن أن يترك الحادث مئات الملايين من الناس في الظلام  الدامس.

في 8 يناير 2021 ، أدى حادث في الشبكة الكهربائية الأوروبية إلى انقطاع التيار الكهربائي في أجزاء من القارة. Entso-E

في الواقع، يُعزى عدم حصول انقطاع في التيار الكهربائي جزئيًا إلى تدخّل شركة "سويسغريد" (Swissgrid)، التي تقوم بتشغيل شبكة نقل الكهرباء عالية الجهد في سويسرا والمسؤولة أيضًا عن تبادل الكهرباء بين الدولة التي تشقها سلسلة جبال الألب وجيرانها. كمركز تنسيق لجنوب أوروبا، عملت مع شركات أخرى تدير شبكات وطنية لإعادة مزامنة الشبكة الأوروبية وتجنب الكوارث. وفي تصريحات لـ SWI swissinfo.ch، قال أليساندرو كاميروني، المتحدث باسم شركة سويسغريد: "هذه هي وظيفتنا - الاستعداد لما يُمكن توقعه وإدارة الأحداث غير المتوقعة في الوقت الفعلي".

تغييرات كبيرة

تُعدّ شبكة الطاقة السويسرية جزءًا أساسيًا من الشبكة الأوروبية، التي توفر الكهرباء لأكثر من 530 مليون شخص في أكثر من 30 دولة. سويسرا هي المكان الذي بدأت فيه الشبكة المترابطة المسماة "نجمة لاوفنبورغ" Star of Laufenburgرابط خارجي، وهي محطة فرعية توجد في كانتون أرغاو، حيث تم توصيل الشبكات الكهربائية لسويسرا وألمانيا وفرنسا لأول مرة في عام 1958.

إن خطر حدوث نقص في الطاقة الكهربائية الكهرباء لم يكن أكثر خطورة من أي وقت مضى بالنسبة لسويسرا وأوروبا

فاليري بوردين، المتحدثة باسم اتحاد شركات الكهرباء السويسرية

End of insertion

واليوم،  يُمكّن 41 خطاً عابرًا للحدود سويسرا من تصدير الكهرباء خلال فصل الصيف والأهم من ذلك، من استيرادها خلال فصل الشتاء، عندما ينخفض ​​إنتاج الطاقة الكهرومائية المحلية. في أبرد شهور السنة، تستورد سويسرا ما يصل إلى 40٪ من الكهرباء التي تحتاجها. رغم ذلك، هناك بعض الأمور المجهولة. تبعا لذلك، يُعدّ النقص في إمدادات الكهرباء أحد المخاطر الرئيسية التي تتهدد سويسرا، وفقًا للمكتب الفدرالي للحماية المدنية.

تقول فاليري بورن، المتحدثة باسم اتحاد شركات الكهرباء السويسرية: "بالنظر إلى التطورات الحالية، فإن خطر حدوث نقص في الطاقة الكهربائية لم يكن أكثر خطورة من أي وقت مضى بالنسبة لسويسرا وأوروبا". إذ تمثل الزيادة في أسعار الطاقة وتقلب مصادر الطاقة المتجددة والوضع السياسي الدولي تحديات غير مسبوقة. في هذا الصدد، يقول أليساندرو كاميروني من شركة سويسغريد: "يمر نظام الكهرباء السويسري بأكبر تغيير في تاريخه". ولكن قبل التفكير في مخاطر انقطاع التيار الكهربائي (جراء انقطاع غير متوقع للطاقة الكهربائية) وكيف تبحث سويسرا عن طرق لضمان الإمداد المستمر، يجدر بنا أن نفهم كيف تصل الكهرباء إلى منازلنا ولماذا يُعتبر الرقم 50 رقمًا سحريًا لمُشغلي الشبكة.

موازنة الإنتاج والاستهلاك

تنقل الكابلات عالية التوتر للشبكة الوطنية (220.000 و380.000 فولت) الكهرباء التي تنتجها محطات الطاقة في سويسرا وخارجها باستخدام مصادر متجددة أو الوقود الأحفوري مثل الفحم أو الغاز أو الطاقة النووية.

يبلغ طول شبكة نقل الكهرباء السويسرية التي تديرها سويسغريد 6700 كيلومتر وتمثل هذه الشبكة العمود الفقري للنظام الكهربائي. swissinfo.ch

يجب أن يكون التوتر (الجهد) عاليًا قدر الإمكان لتجنب أي فقد للطاقة أثناء النقل. لكن قبل أن تصل الكهرباء إلى شبكات التوزيع الإقليمية والمحلية - وإلى المنازل في نهاية المطاف - يجب تخفيف التوتر تدريجياً. يحدث هذا في المحولات في المحطات الفرعية، حيث ينخفض ​​التوتر إلى 230 فولت، حتى نتمكن من شحن هواتفنا المحمولة أو تشغيل ماكينة القهوة.

التوتر ليس العامل الأساسي الوحيد. لنقل الكهرباء بطريقة فعالة وآمنة، يجب الحفاظ على التردد عند 50 هرتز عبر الشبكة الأوروبية (في الولايات المتحدة وأجزاء من اليابان تبلغ 60 هرتز). يمكن أن يؤثر أدنى تفاوت عن هذا المعدل على استقرار الشبكة ويُمكن أن يتسبب في انهيارها. وهذا ما حدث (على وجه التقريب) في 8 يناير 2021، عندما انخفض التردد من 50 إلى 49.75 هرتز.

للحفاظ على ثبات التردد، يجب أن يكون إنتاج واستهلاك الطاقة متطابقين تمامًا. يقول كاميروني: "بغض النظر عما يحدث في جميع أنحاء أوروبا - كالإنتاج المفرط للكهرباء في مزارع الرياح في شمال ألمانيا على سبيل المثال  - يجب أن نحافظ على هذا التردد عند 50 هرتز".

يتم تقليل التوتر (الجهد) الكهربائي، الذي تنتجه محطات الطاقة بشكل تدريجي في المحطات الفرعية قبل الوصول إلى المنازل. Swissgrid

يستجيب مديرو الشبكات للتغيرات في التردد بإخبار محطات الطاقة بإنتاج قدر أكبر أو أقل من الكهرباء. ويتيح التخطيط الجيّد - الذي غالبًا ما يتعيّن القيام به قبل عام كامل - تقدير الطلب على الشبكة والخطوط العابرة للحدود. هذا يعني أنه بإمكانهم الحفاظ على التوازن بين الإنتاج والاستهلاك.

الكهرباء ووحدات قياسها

يقاس التوتر بالفولت (V) وهي القوة الدافعة التي تنقل الكهرباء، فكلما زاد الفرق بين القطبين الموجب والسالب، زاد التوتر.

تُقاس الكثافة بالأمبير (A) وتشير إلى عدد الجسيمات التي تتحرك في نفس الوقت عبر موصل. وكلما زادت حركة الإلكترونات، زادت شدة التيار.

يتم قياس التردد بالهرتز (Hertz) ويشير إلى المعدل الذي يغيّر فيه التيار اتجاهه كل ثانية.

End of insertion

الوضع في أوكرانيا

يجب الحفاظ على مستوى 50 هرتز حتى عند توصيل دول جديدة بالشبكة الأوروبية. حدث هذا مؤخرًا في شهر مارس، عندما انضمت إليها كلّ من أوكرانيا ومولدوفارابط خارجي.

في هذا الصدد، أوضح إيمانويل كولومبو، المستشار الاستراتيجي في شركة سويسغريد، أنه تم اتخاذ الترتيبات "للحيلولة دون أن تتسبب المشكلات التي قد تحدث في أوكرانيا في إحداث فوضى في أوروبا".

محطة الطاقة النووية في مدينة زابوريزهزهيا، في وسط أوكرانيا، هي الأكبر في أوروبا. إذا تم فصلها بشكل غير متوقع أو إذا انخفض إنتاجها من الكهرباء بشكل كبير، فقد تتأثر الشبكة بأكملها. حينها "سيكون فرق التردد كبيرا لدرجة أنه تقرر تنفيذ تدابير سلامة احتياطية على الحدود: فلو حدثت مشكلة، فسيتم فصل أوكرانيا على الفور"، كما يقول كولومبو.

بالنسبة إلى شركة سويسغريد والشركات الأخرى المشغلة لشبكات النقل في أوروبا، تمثل التأثير الرئيسي للحرب الدائرة في أوكرانيا في زيادة أسعار الطاقة. هذا الأمر له تداعيات على تكلفة ما يُعرف بالطاقة الاحتياطية، التي تقوم سويسغريد بشرائها من المنصات الدولية للتعامل مع التقلبات غير المتوقعة على شبكتها. ففي حالة حدوث عطل عرضي في محطة لإنتاج الطاقة، يُمكن استغلال هذا الاحتياطي في غضون ثوانٍ، ما يسمح بتعويض التيار المفقود والحفاظ على استقرار الشبكة.

15 عاما من الانتظار.. طويلة للغاية!

في ظل التطور الذي تشهده الطاقات المتجددة، تُصبح القدرة على الاستجابة السريعة للتقلبات ذات أهمية متزايدة. وينطبق هذا أيضًا على سويسرا، البلد الذي تمر من خلاله حوالي 10٪ من الكهرباء المتاحة على الشبكة الأوروبية. وفيما تُنتج الشمس والرياح الكهرباء بطريقة غير منتظمة، تقوم إسبانيا، على سبيل المثال، بإنتاج كميات كبيرة من الطاقة الشمسية التي يجب أن تُغذي الشبكة ويتم توزيعها لاحقا على بلدان أخرى.

بالنسبة لشركة سويسغريد، يتعلق الأمر حاليًا بتحديث بنية تحتية تم بناء أغلبها في ستينيات القرن الماضي. ويقول كاميروني: "نحتاج إلى تكييف الشبكة مع الاحتياجات الحالية وتوسيعها، وحيثما تطلب الأمر ذلك، بناء روابط جديدة".

يلاحظ كريستيان شافنر، مدير مركز علوم الطاقة في المعهد التقني الفدرالي العالي في زيورخ، أن الشبكة السويسرية لنقل الطاقة مُصمّمة بشكل جيّد للغاية. وهي بالفعل واحدة من أكثر الشبكات شمولاً وتوفرا على فائض ويُمكن الاعتماد عليها. مع ذلك، ونظرًا لأن هناك حاجة إلى مزيد من الكهرباء في المستقبل "يُمكن رؤية نقاط حرجة على جميع المستويات"، على حد قولهرابط خارجي. فعلى وجه الخصوص، هناك نقاط اتصال ومُحوّلات وخطوط بلغت اليوم بالفعل حدود سعتها وأصبح من المتعيّن توسيعها.

تعتزم شركة سويسغريد استثمار مبلغ إجمالي يناهز 2.5 مليار فرنك (2.55 مليار دولار) لتجديد وتوسيع الشبكة السويسرية كجزء من الخطة المتعددة السنوات المعروفة باسم "الشبكة الاستراتيجية 2025" والتي تمت بلورتها في عام 2015. وتأمل الشركة أن تقوم الحكومة الفدرالية بتسريع إجراءات الترخيص لخطوط جديدة، على غرار ما تعهدت بالقيام به في صورة إنشاء محطات جديدة للطاقة الكهرومائية وطاقة الرياح. ففي المتوسط ، يستغرق استكمال خط كهرباء جديد حوالي 15 عامًارابط خارجي.

ويقول كولومبو: "إن عالم الطاقة يتطور بسرعة أكبر، وهو أمر لا يتماشى مع فترات الانتظار هذه".

حدوث مشكلة كبيرة في سويسرا يعني بروز مشكلة كبيرة في أوروبا، والعكس صحيح 

إيمانويل كولومبو، مستشار استراتيجي في شركة سويسغريد

End of insertion

مزيد من الكهرباء للاتحاد الأوروبي، وكهرباءُ أقل لسويسرا

رغم ذلك، فإن الاستثمار وتسريع الإجراءات ليسا كافيين حيث يؤكد كولومبو أن التعاون والتنسيق مع مشغلي الشبكات الأوروبية ضروريان لتحديد القدرة على تجارة الكهرباء وتبادلها عبر الحدود. لكن هذا التعاون لا زال يعوقه عدم وجود اتفاق بشأن الكهرباء بين سويسرا والاتحاد الأوروبي. ذلك أن هذا الاتفاق القطاعي سيعتمد بالضرورة على إبرام اتفاقية إطارية شاملة بين الطرفين، إلا أنه تم وقف المفاوضات بشأنها من قبل برن في شهر مايو 2021.

في هذا الصدد، يقول كولومبو: "بدون التوصل إلى اتفاق بشأن الكهرباء، تزداد مخاطر تدفقات الطاقة غير المُخطّط لها التي تُعرّض استقرار الشبكة للخطر".

ازداد الوضع تعقيدًا في وقت لاحق في أعقاب بدء تنفيذ حزمة الطاقة النظيفة الخاصة بالاتحاد الأوروبي وخاصة "قاعدة 70٪"، التي يتعيّن بموجبها على الدول الأعضاء توفير ما لا يقل عن 70٪ من سعة شبكتها للتداول التجاري داخل الاتحاد الأوروبي. وهذا يعني بكل بساطة توفير المزيد من الكهرباء للدول الأعضاء، وكمية أقل لسويسرا.

قد يكون لهذا التطور تأثير سلبي على قدرات سويسرا على استيراد الطاقة في الشتاء وعلى استقرار الشبكة. ففي أسوأ السيناريوهات، قد تضطر سويسرا إلى الإعلان عن عدم جاهزية شبكتها الخاصة وتقليل تدفق الكهرباء عبر أراضيها.

في الأثناء، تحاول شركة سويسغريد التصدي لهذه المشكلة من خلال إبرام اتفاقيات تقنية ثنائية مع مُستغلين آخرين لشبكات أوروبية.

مع ذلك، لا يُمكن لهذه العقود أن تكون بديلاً عن الاتفاقية المتعلقة بالطاقة الكهربائية مع الاتحاد الأوروبي، وفقًا لكولومبو الذي يُضيف: "هناك مصلحة مشتركة في التعاون لأن حدوث مشكلة كبيرة في سويسرا يعني حصول مشكلة كبيرة في أوروبا، والعكس صحيح"، ذلك أن "سويسرا بحاجة إلى أوروبا وأوروبا بحاجة إلى سويسرا".

(نقلته إلى العربية وعالجته: مي المهدي)

محتويات خارجية
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟