Navigation

إنجاح الديمقراطية المحلية: إحياء الموازنة التشاركية في الأرجنتين

بورتو أليغري في جنوب البرازيل: المدينة جزء من تقليد طويل من الديمقراطية التشاركية في أميركا الجنوبية. Keystone/Michael Runkel

تقوم إحدى الجامعات في الأرجنتين بإشراك الطلاب والمدرسين والموظفين في اتخاذ القرارات المالية. ولهذه الممارسة تاريخ طويل في أمريكا الجنوبية.

هذا المحتوى تم نشره يوم 28 أكتوبر 2022 - 09:00 يوليو,

في عام 2019، أطلقت الجامعة الوطنية في روزاريو (NUR) في الأرجنتين مبادرة ابتكارية لمنح المجتمع الأكاديمي الحق في إبداء الرأي حول كيفية استخدام الموارد المالية في الحرم الجامعي. وهذا يعني أن المقترحات والمطالب والأفكار المقدّمة من قِبَل الطلاب والمعلمين والموظفين يمكن أن يتم تبنّيها كمشاريع جماعية، وتنفّذ في الجامعة بعد الموافقة على اعتمادها بالتصويت.

وتُعتبر هذه الموازنة التشاركية مثالاً على مسار ديمقراطي يتم من خلاله منح الجمهور العام سلطة حقيقية في التصرّف بموارد مالية حقيقية.

وعلى أثر إطلاق المبادرة، اتخذت الجامعة قرارات متعلّقة بإنشاء فضاء اجتماعات جديد في كلية إدارة الأعمال، وبشراء مواد طباعة بتقنية ثلاثية الأبعاد، وكذلك بتحديث المطبخ في مدرسة الهندسة الزراعية.

"لقد تعلمت كيفية بناء الأفكار بشكل جماعي"، تقول كارلا، إحدى الطالبات المشاركات في اتخاذ القرارات في الجامعة. لقد كان "إنشاء لحمة مجتمعية" أحد الأهداف الرئيسية للمبادرة التي تم تنفيذها في 12 كلية من الجامعة الوطنية في روزاريو (NUR) ، وفي المدارس الثلاث المرتبطة بها - مدرسة الزراعة الفنية، ومدرسة إدارة الأعمال، ومدرسة الفنون التطبيقية. وتهدف هذه المبادرة إلى تعزيز مفاهيم التربية المدنية، وخاصة لدى الشباب، وتشجيع روح التعاون بين الجميع، وإضفاء الطابع الديمقراطي على آلية صنع القرار.

التحول الرقمي أثناء الجائحة

منذ البداية، كان من المفترض أن تقارب المبادرة الأمور بطريقة مختلفة. لكن جائحة كوفيد-19 والتدابير الصحية المرتبطة بها كادت أن تؤدي إلى انتهاء المبادرة تقريباً في مهدها، لو لم يتخذ الفريق المعني بها، بقيادة سينتيا بينيلوس، أستاذة السياسة المقارنة في الجامعة الوطنية في روزاريو (NUR) ، قراراً تبنى المضي فيها بالرغم من كل التحدّيات، وذلك عبر نقل آلية العملية برمتها إلى منصة افتراضية.

اجتماع افتراضي في جامعة روزاريو. Yanina Welp

وتقول بينيلوس: "أصبحت الموازنة التشاركية منتدى للتعبير عن احتياجات وتطلّعات أعضاء الجامعة في مواجهة هذه الجائحة، وكشكل من أشكال اللقاء للمناقشة والتداول وتقديم الاقتراحات واتخاذ القرارات في فترة الإغلاق". وبحسب قولها، ليس من قبيل المصادفة أن تدور معظم المقترحات المعتَمدَة خلال الدورة الماضية حول كيفية الحصول على التقنيات الحديثة وإنشاء أو تحديث قاعات الاجتماعات وأماكن الترفيه.

الميزانية القائمة على المشاركة في جامعة روزاريو الوطنية في الأرجنتين. Yanina Welp

إن مفهوم المشاركة في صنع القرار ليس بجديد على مدينة روزاريو. فهي تُعتبر ثالث أكبر مدينة في الأرجنتين بعد بوينس آيرس وقرطبة، ويبلغ عدد سكانها حوالي 1690000 نسمة.  كما تمر عبر ميناء روزاريو، الواقع على نهر بارانا، معظم صادرات إنتاج الحبوب في الأرجنتين. وتعتبر أهميتها الاقتصادية محوريّة أيضاً بالنسبة لقطاعها الصناعي.

منذ التسعينيات، كانت المدينة مثالاً يحتذى به في تعزيز الديمقراطية التشاركية في الأرجنتين. ومع ذلك، فإن الطفرة الأخيرة في الاتجار بالمخدرات والعنف الحضري، قدمت حجة أقوى لأشكال جديدة من المشاركة. وفي هذا السياق، يتنزل اشراك جامعة روزاريو الأكاديميين في صياغة الميزنة التشاركية.

تمر الموازنة التشاركية في الجامعة بثلاث مراحل. في المرحة الأولى، تفتح منتديات الجامعة والمدارس منصات افتراضية لتلقي المقترحات ومشاركة التعليقات وإثراء الأفكار التي يطرحها الآخرون، كلٌّ من موقعه (في عام 2021، شارك 1645 شخصاً وقدّموا 226 اقتراحاً).

وفي المرحلة الثانية، تشارك لجنة الجامعة ومجالس المدارس في تقييم الأفكار المطروحة وتلخيصها وإعادة صياغتها في أسلوب عملي أكثر تحديداً. في العام الماضي، عمل 198 مشاركاً على 94 فكرة تم تحويلها إلى 18 مشروعاً للجامعة و25 للمدارس، ثم تم التصويت من قِبَل المشاركين على إمكانية اعتمادها.

وفي المرحلة الثالثة، يصوت الجمهور العام في الجامعة على تبنّي هذه المشاريع لتمضي قدماً وتوضع حيّز التنفيذ. في عام 2021، صوّت حوالي 4169 شخصاً على المشاريع المقترحة.

قصة نجاح عالمية

تأتي المبادرة نفسها نتاجاً لتقليد طويل من ممارسة الديمقراطية التشاركية في أمريكا الجنوبية. في أواخر الثمانينات من القرن الماضي، تم في مدينة بورتو أليغري في جنوب البرازيل إطلاق مسار يهدف إلى إشراك الرأي العام المعني في القرارات المالية المحلية، وجاء ذلك خلال فترة الانتقال، على مستوى البلاد، من نظام استبدادي إلى نظام ديمقراطي.

وقد اتخذ هذا المسار في البداية شكل آلية تُمكّن المواطنين من اقتراح و / أو مناقشة واتخاذ قرار بشأن نسبة صغيرة من ميزانية المدينة. وعلى الرغم من الترويج لاعتماد هذه الآلية في البداية، من قبل المسؤولين اليساريين مثل حزب العمال في البرازيل أو اليسار المتحد في بيرو أو الجبهة العريضة في أوروغواي، إلا أن هذه الآلية سرعان ما انتشرت حتى في المدن التي يحكمها قادة من اليمين.

اليوم، ينظر البنك الدولي والمؤسسات الدولية الأخرى إلى الموازنة التشاركية باعتبارها "ممارسة جيّدة"، وتشير هذه الجهات إلى إمكانية أن تكون أداة فعالة لمكافحة الفساد والإلمام بمطالب المواطنين واقتراح الحلول الممكنة. ويُظهر الأطلس العالمي للموازنة التشاركية حتى اليوم أكثر من 11000 حالة لنماذج مشابهة تمت دراستها في 71 دولة.

محتويات خارجية

المسارات الأكثر توثيقاً في الأطلس العالمي للموازنة التشاركية - أربعة من أصل خمسة - تجري في البلدان التي يمكن تسميتها "بالديمقراطيات غير الكاملة". بالإضافة إلى ذلك، تُستخدم هذه المسارات أيضاً في المدن الواقعة في البلدان التي يتم تصنيفها حالياً على أنها "أنظمة استبدادية" مثل بودابست أو موسكو. ووفقاً للأطلس العالمي للموازنة التشاركية، فإن البلدان التي تتمتّع بأنظمة "الديمقراطيات الكاملة" قد لا تعتبر هذا المسار أداة ديمقراطية ذات أهمية بسبب ارتفاع مستوى المعيشة، ولأن شعوب هذه البلدان لديها مستويات عالية من الثقة في مؤسساتها. وتعتبر سويسرا دولة ذات ديمقراطية كاملة.  ورغم ذلك ليس لديها تجربة الموازنات التشاركية، إلا أنها تمتلك آليات قوية لإشراك الشعب في اتخاذ القرارات المالية.

محتويات خارجية

ولكن في الواقع، فإن للموازنة التشاركية تاريخها الطويل في البلدان ذات الأدوات الديمقراطية المباشرة القوية، على المستوى المحلي والإقليمي، مثل الولايات المتحدة وسويسرا. في هذه البلاد، يمكن للمواطنين فرض عرض قرارات حكومية على التصويت الشعبي من خلال جمع عدد معين من التوقيعات. وفي كثير من الحالات، تكون هذه الاستفتاءات إلزامية أيضاً إذا تجاوز الإنفاق من قبل المدينة مبلغاً محدّداً.

وتمارس معظم الكانتونات الاستفتاءات المالية، والتي قد تشمل كلاً من التصويت الشعبي الإلزامي و/ أو الاختياري بشأن المسائل المالية. لكن بعض المدن تسمح أيضاً لمواطنيها بالتعبير عن آرائهم في هذه المسائل: هذا هو الحال في أراو، على سبيل المثال، وهي بلدة تقع بين برن وزيورخ؛ حيث تجري البلدة استفتاءات إلزامية بشأن المسائل المالية إذا بلغت النفقات 6 ملايين فرنك سويسري (6.1 مليون دولار) أو أكثر. ويمكن أيضاً أن يدلي المواطنون بآرائهم في أي بند آخر في الميزانية من خلال استفتاء اختياري طالما أن هناك نسبة تبلغ 10% من عدد السكان ممن قاموا بتسجيل أسمائهم، في فترة زمنية محددة، للمشاركة في إجراء التصويت.

الانتقال إلى نموذج "من القاعدة إلى القمة"

في أماكن أخرى، ظلت هذه الممارسة كمسار يجري من القمة إلى القاعدة مع الاعتماد الكبير من قِبَل القواعد الشعبية على النوايا الحسنة للزعماء المحليين. كما أن القيود المفروضة على الموارد المالية المتاحة، والصعوبات التي تشمل وجود مجموعة متنوعة من الأشخاص قد قوّضت في بعض الأحيان فعالية إجراءات الموازنة التشاركية. هذه هي المسائل التي ترغب جامعة روزاريو الوطنية بمعالجتها. ولهذا جاءت المبادرة الجديدة من القاعدة إلى القمة، وهي تمتد عبر العديد من الكليات بهدف أن تكون شاملة قدر الإمكان.

يقول خوسيه، وهو طالب يدرس في مجال الصحافة وأحد المشاركين في هذا المسار: "لقد كان التبادل والتعاون مع العديد من الأشخاص المختلفين أمراً جديداً ". وتذكر بينيلوس أن الأمر لا يتعلق فقط بتحديد وجهة جزء من الميزانية، ولكن أيضاً بمعرفة كيفية إدارة الموارد المالية، وتوفير المعلومات وتعزيز الشفافية وتشجيع البحث عن حلول مبتكرة مرتبطة بدور كل الأشخاص المعنيين، سواء أكانوا طلاباً أم معلمين أم إداريين أم خريجين.

وتؤكد لورينا، وهي طالبة في المدرسة الزراعية التقنية، قائلةً: "من المثير أن تشارك في اتخاذ قرارات متعلّقة بنفقات المدرسة". ومن المرجّح أن تشمل الخطوات التالية إشراك المزيد من الأشخاص وتعميق إضفاء الطابع الديمقراطي على المؤسسات. وقد قام خوسيه لورينا ومارتا والعديد من الأشخاص الآخرين الذين شاركوا في إعداد الميزانية التشاركية بتقييم التعاون والتعلم من الآخرين ومعهم، والشعور بالثقة الذي ينتابهم عند تحقيق الأهداف. "كان من الممتع سماع آراء الآخرين، ومن خلال المشاركة في هذا المسار الديمقراطي تعرّفت على جامعتي بشكل أفضل؛ وعشت حالة من العصف الذهني لإيجاد أفكار خلّاقة جديدة".

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟