Navigation

شؤون خارجية

إلى أي مدى تبدو سويسرا مُحايدة فعلاً؟

تضع الحرب في أوكرانيا سويسرا في موقف صعب وهي تحاول توضيح سياسة الحياد التي تُمارسها. فالنهج السويسري، الذي كان يُعد لفترة من الزمن وصفة للسلام والازدهار أصبح يُنظر إليه بشكل متزايد في الخارج على أنه انتهازي وعفا عليه الزمن.

هذا المحتوى تم نشره يوم 09 يونيو 2022 - 12:08 يوليو,
(فيليب شاوفربيرغر / الرسم)

أعادت حرب أوكرانيا الجدل حول مبدأ الحياد السويسري. ففي الخارج، يعتقد البعض أن سويسرا تخلت عن حيادها عندما انضمت إلى العقوبات المفروضة من طرف الاتحاد الأوروبي على روسيا. من وجهة نظر القانون الدولي، فإن فرض عقوبات اقتصادية بحتة لا يمثل مشكلة، لأنه لا يتعلق - على وجه التحديد - باتخاذ موقف ملموس في سياق نزاع مسلح، كما كتب خبير في القانون الدولي النمساوي في موقع "شتاند بونكت" (Standpunkt).

لكن في سياق الحرب الروسية على أوكرانيا، اندلع نقاش في الداخل حول تعريف الحياد ونطاقه، مع وجود وجهتي نظر لفريقين متعارضين تماماً: معسكر محافظ، يُجسّده بشكل أساسي حزب الشعب السويسري الذي يريد التمسّك بالحياد الصارم ويخطط لإطلاق مبادرة شعبية من شأنها أن تُدرج مفهوم الحياد الشامل في نص الدستور الفدرالي.

من ناحية أخرى، فإن المعسكر الأكثر ليبرالية، والذي يضم على الأقل أغلبية حكومية، يدفع باتجاه الحياد النشط.

على سبيل المثال، فاجأ الرئيس إينياتسيو كاسيس في نهاية شهر مايو الماضي الجميع بمصطلح جديد لدى إشارته إلى أن سويسرا تسعى إلى "الحياد التعاوني"، كما ورد في مداخلته أمام الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في منتجع دافوس. وكان هذا  التوصيف بمثابة ردٍ على تساؤلات أٌثيرت بعد هجوم روسيا على أوكرانيا من بينها: هل يُمكن اتخاذ موقف الحياد في مواجهة حرب من هذا القبيل؟ وفي السياق، أعلنت وزارة الخارجية السويسرية، نيابة عن الحكومة، عن قرب صدور تقرير من شأنه أن يضيف "نقاطا جديدة لفهم الحياد".

سويسرا لم تعد "مُحايدة " بالمعنى التقليدي منذ فترة طويلة

فمنذ فترة ابتعدت سويسرا - مثل معظم الدول المُحايدة الأخرى في العالم - عن المفهوم التقليدي للحياد واتجهت نحو المجتمع الدولي. فمنذ انضمام سويسرا إلى الأمم المتحدة في عام 2002، كان عليها الامتثال للعقوبات التي تفرضها الأمم المتحدة. وترى سويسرا أن قانون الحياد لا ينطبق على البعثات العسكرية للأمم المتحدة لأن مجلس الأمن الدولي "يريد استعادة السلام العالمي" في نهاية المطاف. من ناحية أخرى، يقول بيتر هيلبولد، خبير القانون الدولي النمساوي من جامعة إنسبروك: "الحياد بالمعنى الكلاسيكي لا يكاد يتوافق مع عضوية الأمم المتحدة ولا سيما مع عضوية الاتحاد الأوروبي".

ووفقًا لخبيرة القانون الدولي إليزابيث هوفبيرغر بيبان من المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية في برلين، فإن المواطنات والمواطنين قد لا يُدركون أحيانًا أن عضوية الاتحاد الأوروبي أو الأمم المتحدة يُمكن أن تسير جنبًا إلى جنب مع تراجع في سياسة الحياد.

تقول شتيفاني فالتر، أستاذة العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي بجامعة زيورخ: "من الواضح أيضًا أن سويسرا لم تكن مُحايدة". "خلال الحرب الباردة، على سبيل المثال، وقفت سويسرا بوضوح إلى جانب الغرب ضمنيًا. وكان لديها أيضًا موقف من حقوق الإنسان".

وفي الحرب الأخيرة التي شنتها موسكو على كييف المجاورة، أدانت سويسرا على الفور الغزو الروسي لأوكرانيا باعتباره خرقاً للقانون الدولي.

ما معنى الحياد على الإطلاق؟

هذا يقودنا إلى التساؤل عما يستلزمه الحياد بالضبط. عندما منحت القوى المنتصرة سويسرا حيادًا أبديّا في مؤتمر فيينا عام 1815، كانت الصفقة تنص على أن سويسرا لن تشارك في النزاعات ولن تقدم جنوداً مرتزقة، في المقابل تمتنع الدول العظمى عن خوض المزيد من الحروب فوق أراضيها.

لم يتغيّر شيء يذكر في هذا المبدأ؛ حتى اليوم، يُلزم قانون الحياد الدول المعنية به في المقام الأول بعدم المشاركة في الحروب، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. ويتعيّن على الدول المحايدة أن تعامل المتحاربين على قدم المساواة، أي أنها لا تسمح بالتحليق في مجالها الجوي أو التزويد بالأسلحة لأي طرف من الأطراف المُتحاربة، حتى من خلال أطراف ثالثة.

في الأشهر الأخيرة، على سبيل المثال، منعت سويسرا دولا أعضاء في الحلف الأطلسي من التحليق في أجوائها لأنها زودت أوكرانيا بالأسلحة. كما رفضت سويسرا السماح لألمانيا والدنمارك بنقل دبابات وذخائر مُصنّعة في سويسرا إلى أوكرانيا. 

هذا وتتزايد الضغوط على سويسرا للتراجع عن هذا الموقف المتشدد. فالحياد ليس مفهومًا قانونيًا فحسب، بل يؤثر أيضًا على صورة سويسرا في العالم. ووفقًا لهذه القراءة، فإن الحياد هو علامة تجارية مميزة لسويسرا، ولا ينبغي لها تعريضها للخطر.

لذلك تحاول سويسرا إقناع البلدان الأخرى من خلال "سياسة حياد" طوعية ومرنة بأنها ستبقى خارج زوبعة الحرب.

عضوية الحلف الأطلسي مُستبعدة

في زمن السلم، لا يُسمح لسويسرا، كدولة مُحايدة، بالانضمام إلى تحالف عسكري مثل حلف الأطلسي، لأن مواثيقه تنص على التعهّد بتقديم الدعم العسكري لأي عضو من أعضائه في حال تعرّضه لعدوان أو لهجوم خارجي.

مؤخرا، تقدمت بعض الدول المُحايدة تقليديًا مثل السويد وفنلندا بطلب للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، وهو ما يعني قانونيًا تخليها عن الحياد.

بالنسبة لسويسرا، فإن الانضمام إلى الحلف الأطلسي أمر غير وارد، على الرغم من التحولات التاريخية التي نجمت عن الغزو الروسي لأوكرانيا. فمن الناحية الجغرافية، فإن خطر تعرّض سويسرا لهجوم يظل أقل بكثير مقارنة بالدولتين الاسكندنافيتين.

رغم ذلك فإن سويسرا والحلف الأطلسي يرغبان في العمل معًا "بشكل أوثق في المستقبل"، كما اتفقت على ذلك وزيرة الدفاع السويسرية والأمين العام للحلف في اجتماع عُقد على هامش أشغال المنتدى الاقتصادي العالمي في منتجع دافوس. ووفقًا لنتائج استطلاع للآراء، فإن هذا التقارب يلقى قبولًا بين سكان سويسرا، الذين يدعمُون الحياد بأغلبية ساحقة والمُرتابين في مسألة الانضمام إلى الحلف الأطلسي.

هذا التعاون الوثيق لا يُعتبر ثورة بأي حال من الأحوال، حيث تسعى سويسرا منذ سنوات إلى توثيق تعاونها العسكري مع جيرانها ومع حلف شمال الأطلسي، لا سيما في مجال التدريب والأمن السيبراني. وإذا ما تعرّضت سويسرا يوم ما للهجوم، فيُمكنها الدفاع عن نفسها بشكل وثيق مع الآخرين؛ فالحياد لا يقف عائقاً أمامها.

التفكير التكتيكي لسويسرا يتمثل في الآتي: نظرًا لوقوعها في وسط أوروبا، فمن غير المرجّح أن يتم توجيه هجوم عسكري ضد سويسرا بمفردها. في المقابل، فإنه من المُرجّح أن تتعرض عدة دول أوروبية للهجوم في نفس الوقت وأن تدافع عن نفسها بشكل مشترك. وإذا شاركت سويسرا في تدريبات عسكرية في وقت السلم وزودت نفسها بأنظمة أسلحة غربية، فستكون قادرة على القتال مع حلفائها الغربيين في حالات الطوارئ بدلاً من الاضطرار إلى الدفاع عن نفسها بمفردها.

وفي ظل هذه الخلفية، يأتي تقييم الخبراء للقرار السويسري القاضي بشراء طائرة مقاتلة جديدة من طراز اف - 35 من الشركة الأمريكية لوكهيد - مارتن.

لكن غالبًا ما يتم تفسير هذا الموقف في الخارج على أنه نوع من الانتهازية. فعلى الرغم من أن سويسرا تريد الترفيع في ميزانية جيشها بشكل كبير، إلا أنها لا تزال بعيدة جدًا عن تحقيق الهدف المرسوم من طرف الحلف الأطلسي الذي يفرض على الدول الأعضاء فيه تخصيص 2٪ على الأقل من الناتج المحلي الإجمالي للتسلح. ووفقا لمنتقدين، فإن سويسرا تستفيد من مظلة الحماية التي يوفرها الحلف الأطلسي دون أن تتحمل الأعباء المحمولة على عاتق دولة عضو.

سويسرا مُستفيدة من سياسة الحياد

بشكل عام، لا يُمثل الحياد ميزة هيّنة بالنسبة لسويسرا. ومع أن الأمر قد يبدو مُتناقضا، لكن الحياد عامل مهمّ يُعزز مبيعات الأسلحة. ذلك أن بعض الدول لا تُريد أن تُحسب على معسكر معيّن من خلال قيامها بشراء أسلحة من قوى عظمى مثل الولايات المتحدة أو روسيا، لذلك تفضل التعامل مع دول مُحايدة غير مشكوك فيها.

سويسرا تستفيد أيضًا من الحياد كدولة مضيفة وكوسيط، لأن الدول التي لا تأخذ مواقف واضحة، يمكنها أن تقوم ببناء جسور بين الدول الأخرى بشكل يتمتع بالمصداقية.

كما تستفيد سويسرا من الحياد الكامل كورقة رابحة: "على عكس أيرلندا والنمسا والسويد، قررت سويسرا عدم الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي"، كما يقول فالتر. وهذا سبب آخر يجعل سويسرا تبدو أكثر حيادية.

محتويات خارجية

في حالة حرب أوكرانيا، حاولت سويسرا حتى الآن لعب دور الوسيط دون جدوى. وتجري مناقشات حاليًا حول ما إذا كان بإمكان سويسرا تولي تفويض سلطة حماية مصالح أوكرانيا وتمثيل كييف في موسكو.

والآن، تريد سويسرا استخدام مؤتمر إعادة الأعمار في أوكرانيا المقرر عقده في شهر يوليو في مدينة لوغانو جنوب البلاد لمحاولة لعب دور قيادي في عملية إعادة إعمار أوكرانيا، ما يضعها في تنافس مباشر مع الاتحاد الأوروبي، الذي يُطالب بهذا الدور القيادي لنفسه.

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟